Minbar Libya

بقلم محمد فتوح

يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه،

وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.

الجزء الأول

يُسلط التحقيق الضوء كذلك على أهم المليشيات المدخلية، وتوزيعها الجغرافي، وقادته العسكريين، ومساحات التنسيق والتدريب العسكري بين المداخلة، وحجم انتشارهم الجغرافي.

ويعرّج كذلك على إحدى المساحات الهامة التي تتصل بنمط الحياة الاجتماعية التي أسسها المداخلة في الداخل الليبي. وفي نهاية التحقيق، نسرد التأثير الميليشيويللمداخلة، بما تبعه من اغتيال لأهم الدعاة الشرعيين والعلماء الذين قُتلوا نتيجة عمليات نفذها مداخلة في ليبيا.

اعتمدنا في هذا الرصد المطوّل على عدد كبير من المقابلات الميدانية، والشهادات الشخصية، والتي لم نعرض أسماءها حرصا على سلامتها، نظرا لخطورة الوضع في الداخل الليبي.

ما قبل الثورة.. القذافي وسياسية الاحتواء

يدعو التيار المدخلي إلى عدم مساءلة الحكومات، حتى تلك التي تلجأ للعنف المتطرف وغير المبرر ضد رعاياها طالما أنها لا ترتكب أعمال كفر واضحة(أندرو ماكغريغور)

طوال فترة حكم العقيد مُعمر القذافي الطويلة، والتي امتدت لاثنين وأربعين عاما، هي الأطول في تاريخ البلاد، لم يكن ثَمَّة منافذ للحريات الدينية أو السياسية في الفضاء العام الليبي. فقد كان الكتاب الأخضرالذي خلّفه القذافي هو المرجع الأوحد، وبمنزلة الدستور الجامع للأيديولوجيا الوطنية على امتداد أراضي ليبيا الشاسعة، واستطاع القذافي بذلك، أن يقضي على كل الحركات والتيارات الثقافية، وشكَّل نظاما واحدا يعبِّر عن فكره وتصوراته“.

ومع إحكام القبضة الأمنية، جُففت الساحة الليبية من التيارات الإسلامية بصورة شبه تامة، ولم يتبق سوى بعض الوجود الإسلامي الخفيفوغير المؤثر في المساجد، وهو الوجود الذي لم يخرج طوال فترة اشتغاله عن أعين المخابرات الليبية.

حيث لم يكن ممكنا لأي خطيب أو داعية أن يتجرأ بممارسة أي نشاط لا تقبل به الدولة، وهو ما جعل الفصائل الإسلامية، بمختلف تحزّباتها، تختار مُرغمة أن تنغلق على نفسها.

وهو الأمر الذي امتد ليطال السلوك اليومي للأفراد، مُفضّلين إخفاء إسلاميتهمخوفا من الملاحقات الأمنية والسجون، والتي امتلأت بالإسلاميين وقادتهم.

وفق هذا التضييق المشدّد؛ لم تسمح السلطات الليبية بأي نشاط إسلامي أو غير إسلامي خارج قبضتها، ورؤية العقيد مُعمر، وكتابه الأخضر الذي يمكن وصفه بما عبّرت عنه شاهدة عيان لميدانبأنها فترة اللون الواحد، والطيف الواحد، والتوجه الواحد، والقائد الواحد، بل إن الطريف أيضا أن العَلم الليبي لم يكن ملونا أيضا“.

مثّل التيار السلفي العام، في تلك الحقبة، باعتباره توجّها مستهدفا تطاله حملات القمع التي نالت أطياف اللون الإسلامي تعبيرا عن أنماط التدين والرؤى السياسيةعلى امتداد رؤاه وتصوراته، حيث تعرض السلفيون للقمع كغيرهمقبل ثورة فبراير، وقد كانت الحكومة تحظر أيَّ شكل من أشكال النشاط الديني غير المألوف.

حيث تعامل النظام مع أي جماعةخارجة عن إطاره، باعتبارها عدوّا محتملا، مما عبّر حينها عن عدم معرفة وتنبّه للفروقات، ليس بين الإسلاميين فقط، وإنما داخل التيار السلفي ذاته، إلا أن ذلك لم يستمر لنهاية حقبة القذافي، حيث تنبهت السُّلطات الليبية عبر بعض قادتها بالفعل لتلك التباينات، مقررةً الاستفادة من المداخلة تحديدا، باعتبارهم التيار الأنسب لمجابهة التيارات الإسلامية الأخرى، وترويضها.

ففي السنوات الأخيرة التي سبقت الثورة بين 2003 و 2010 – أرادت الدولة الليبية إجراء خطوات إصلاحيةبهدف مواكبة التطلعات الدوليّة لفتح هامش المشاركة السياسية ضمن سياق دولي دعت فيه أمريكا لـ ترسيخ الديمقراطيةفي الشرق الأوسط، والتي تنامت تحديدابعد غزو أميركا للعراق.

تزامنت هذه الإصلاحات مع مصلحة داخلية لتمرير مشروع ليبيا الغدوالذي سعى عبره القذافي لإنفاذ صفقة التوريث لابنه الأكبر سيف القذافي، وهو ما اضطر النظام إلى خوض مشروع مُصالحة مع عدد من السجناء الإسلاميين، وإلزامهم بالتراجع عن معارضة النظام، مقابل حصولهم على جزء من حريتهم، بإخراجهم من السجن.

وسط تلك التغيرات، جاء دور التعاون مع المداخلة، والذين لعبوا دورا بارزا بحسب شهادة ناشطين لـميدانعلى هذه الحقبة، لتُعد هذه الفترة، باعتبارها إحدى المراحل الهامة في التعاون بين الدولة والتيار السلفي المدخلي.

حينها، ارتأى نظام القذافي، أن إتاحة مساحة من الحرية المضبوطة للمداخلة، وتوفير الرعاية والدعم لهم، سيمثل حائط صد في مواجهة من يرغبون في تجاوز الحدود التي تفرضها السلطة، أو أولئك الراغبين في التعرض لها من باقي التيارات الإسلامية. وبالفعل، أصبح المداخلة، وبصورة فعلية، أحد أسلحة القذافي لمواجهة التيارات الإسلامية، والتي استخدمها ما بين عامين 2006 -2007 وحتى بداية الثورة.

في ذلك الوقت؛ لعب الساعدي القذافي، نجل معمر، دور حلقة الوصل بين المداخلة والسلطة، حيث شكل الساعدي، المحطة الرئيسية التي أرست قواعد تصالح النظام الليبي مع الفكر المدخلي، حيث تبنى الساعدي فكر المدخلية دينيا، آخذا على عاتقه مهمة رعايته والتمكين له ونشره في الدولة.

وقد مثّل تحول الساعدي لفكر المداخلة مفاجأة، و التي ما زالت الشكوك تدور حول مآربه الحقيقية، إذ ودون مقدمّات، تحول نجل القذافي إلى سلفي مدخلي، حيث أطال لحيته، وحفّ شاربه، وقَصّر إزاره، وبدأ بنفسه مهمة الإشراف ورعاية نشاط المداخلة، ولتُوزّع كُتب وأشرطة المداخلة بالتنسيق مع الأمن الليبي، وقد برز دعم الساعدي القذافي بتصريحه الذي أدلاه في إحدى المقابلات التلفزيونية بقوله إن الدعوة السلفية المدخلية أُعطيت الضوء الأخضر لأنها كانت مغيّبة، وكانت عليها قيود، وأنه يلتقي بهم يوميا“.

هذا التحول والتقارب من السُّلطة سيجعل حضور المداخلة في الفضاء الليبي لافتا، حتى قبل الثورة، حيث شهدت الساحة الدينية حينها صراعات علنية بين الزوايا الصوفية والتي تُمثّل الصيغة الدينية التقليدية، والمتجذّرة تاريخيا في ليبيا، وبين المداخلة من جهة أخرى.

وهنا، يجدر التنويه، أن عاملا هاما ساهم في تعزيز حضور التيار السلفي المدخلي على المستوى الشعبي، حيث تم استقدام بعض الدعاة ذوي الشعبية الكبيرة من مصر والسعودية تحت رعاية معمر القذافي وأبنائه في سياق تنامي المد السلفي بعمومه على الساحة الدعوية الإعلامية في مصر والسعودية، وقد كان على رأسهم محمد حسان ومحمد الزغبي ومحمد العريفي وآخرون. وهي الشعبية التي ستمتد ليكون لها تأثير فاعل في المشهد السياسي والديني اللاحق لما بعد الثورة.

***

محمد فتوح ـ محرر رواق

___________