Minbar Libya

شبح يخيم على العالم العربي منذ انتهاء حقبة الاستعمار، ويعود بشراسة الآن بعد ثورات الربيع العربي.

شبح أعاق المسيرة التنموية والديمقراطية على طول التراب العربي لمدة زادت عن نصف قرن، ولا زال ممسكًا بتلابيب السلطة، ويجادل بأنه الوحيد القادر على إدارة البلاد، على الرغم من أن الإحصاءات والأرقام في العالم كله تخبرنا أنه أينما حل الحكم العسكري هربت التنمية.

في تلك اللحظة تحديدًا تشتعل النفوس في بقاع عديدة من العالم العربي، رافضة للمصير المفروض عليها قهرًا بقوة السلاح؛ إذ تتقلص فرص العيش الكريم وتُخرب البيوت وتُعمر السجون، وتخوض الأنظمة القمعية العسكرية حربًا شرسة ضد شباب أمتها، لكن يبقى السؤال عند الراغبين في التغيير:

كيف التغيير؟ وأين السبيل إلى الديمقراطية والتنمية والكرامة الإنسانية؟

وكيف يحدث كل هذا في ظل أنظمة قمعية ربما لم يشهد العالم العربي مثيلًا لها في السابق؟

وهل يمكن أن يتم التغيير دونما حروب أهلية ولا دماء جديدة؟ 

«تشاؤم في الفكر.. تفاؤل في الإرادة» هكذا حكى المفكر الإيطالي الشهير جرامشي عبارته الأكثر شهرة، وفي عالم يسيطر على أرجائه مزاج تشاؤمي، وفي عالم عربي لم يعد يقدر أن يتخيل مستقبلًا سياسيًا لا تصادره قوة السلاح.

يحاول هذا الملف عبر مجموعة من التقارير والدراسات الموسعة، أن يبحر في كتاب التاريخ والعلوم السياسية، ويحاول أيضًا أن يتعمق في تجارب دول كانت لها تجارب مشابهة استطاعت أن تنجو من الدكتاتوريات العسكرية.

من أمريكا الجنوبية وصولًا إلى أفريقيا، ومن تجارب القرن الثامن عشر وصولًا إلى أفكار المنظرين والفلاسفة في القرن الواحد والعشرين، يأخذك هذا الملف في رحلة للنظر إلى للواقع بشكل أكثر عمقًا وربما من خلال الفحص الدقيق وقراءة دروس التاريخ القريب، يعيد بشكل من الأشكال إعادة النظر في قدرة الإرادة الإنسانية حتى في أحلك الظروف، في عصر يسود فيه التشاؤم التام.

تجارب من دول ظروفها مشابهة للعالم العربي الآن

العسكريون يقرأون من نفس الكتاب عادة؛ فالتشابه بين التجارب في الدول المختلفة التي حكمها العسكريون كبير إلى حد قد يصل إلى التطابق أحيانًا.

في التقارير التالية ستكتشف كيف تشابهت تجارب الحكومات العسكرية الدكتاتورية من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا، وكيف أبدعت الشعوب طريقها للتحرر.

الأولى: تجربة تشيلي.. كيف تُسقط جنرالًا مجنونًا جاء على ظهر دبابة؟

نظام عسكري وصل للحكم على الدبابات وبمساعدة المخابرات الأمريكية ويحكم بالحديد والنار بدعم كامل من أكبر قوة في العالم (أمريكا) ويقمع أي معارضة أو احتجاج بعنف مفرط لنشر الخوف بين صفوف الشعب.

هل يمكن إسقاط نظام كهذا؟

في هذا التقرير نتعرف على نضال الشعب التشيلي للتخلص من الدكتاتورية العسكرية ومدى قوة المقاومة السلمية (اللاعنف) إذا اقترنت بتعاون مجموعات المعارضة المختلفة.

«سنجعل اقتصاد تشيلي يصرخ»

هذا ما قاله الرئيس الأمريكي نيكسون بعد وصول الرئيس التشيلي المنتخب سلفادور أليندي للحكم عام 1970، ويمكن القول إن أمريكا نجحت بالفعل في إفشال تجربة الرئيس الماركسي؛ واشتعلت الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات التي مهدت بعد ذلك للانقلاب العسكري الذي حدث في 11 سبتمبر (أيلول) 1973، بقيادة الجنرال بينوشيه ضمن عملية كوندور.

ولم يكن هذا الانقلاب عاديًا؛ فقد حاصر الجيش القصر الرئاسي وقصفه بالطائرات الحربية، وتحت هذه الظروف (انتحر أو قُتل) الرئيس اليساري سلفادور أليندي بشكل غامض.

وبعد هذه الأحداث نصب أوغستو بينوشيه نفسه زعيمًا لتشيلي وأنشأ دكتاتورية عسكرية بمشاركة كبيرة من جيشه؛ إذ اغتال العديد من كبار المسؤولين في حكومة أليندي، وأغلق الصحف، وعسكر الجامعات وأُعدم أو أُخفى أكثر من 3آلاف و200 شخص، واحتجز وعذب وأخفى عشرات الآلاف غيرهم.

ودعمت أمريكا بينوشيه اقتصاديًا بقوة، حتى أن السلع النادرة عادت إلى الرفوف بعد الانقلاب مباشرة بشكل مشبوه، وبدأت حكومة بينوشيه في إقامة إصلاحات اقتصادية نيوليبرالية كبيرة أدت إلى تحول جذري في الاقتصاد، ورغم تضخم الدين العام للحكومة شهد الاقتصاد تحسنًا كبيرًا لعدة سنوات حتى حدوث الأزمات الاقتصادية الكبيرة عام 1982.

نضال طويل من الاحتجاجات المبتكرة رغم القمع

تفنن نظام بينوشيه في استخدام أساليب تفتيت وتفريق المعارضة لتسهيل قمعها ونشر الذعر بين الناس، ورغم العنف والخوف الذي منع الناس من التظاهر لنحو 10 سنوات، بدأت الجماهير تحتج وشرعت المعارضة بالتعاون ثانية في عام 1983 بعد ظهور الأزمات الاقتصادية التي اشتعلت في عامي 1982 و1983.

ومع أن الديكتاتور حاول إضعاف المنظمات النقابية إلا أنها ظلت في مقدمة المعارضة، وساهمت هذه النقابات ولا سيما اتحاد عمال النحاس (CTC) بقيادة رودولفو سيغيل، بنمو الاحتجاجات الشعبية ضد النظام.

وفي 11 مايو (أيار) 1983 دعا اتحاد عمال النحاس (CTC) إلى الاحتجاج الأول، والذي حظي بدعم قادة العمال الوطنيين والعديد من زعماء أحزاب المعارضة (من الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي المسيحي).

في البداية جرى التخطيط لهذا اليوم بأن يكون إضرابًا لعمال المناجم، لكن اتضح للمنظمين أن هذا الإضراب سوف يُقابل برد دموي من النظام، خاصة بعد أن حاصرت القوات الحكومية المناجم، لذلك جرى تغيير الفاعلية لتكون يوم احتجاج وطني لا مركزي، ودعوا الناس للسير والقيادة ببطء في الشوارع وعدم شراء أي شيء أو إرسال الأطفال إلى المدرسة وإطفاء الأنوار في الليل، ثم إصدار وابل من الضوضاء في الساعة الثامنة مساءً، عن طريق الطرق على القدور والمقالي، وإطلاق أبواق السيارات.

ساعدت هذه الاحتجاجات اللامركزية منخفضة المخاطر على تقليل خوف الناس وتطوير شعور بالثقة بين المعارضة؛وردت الشرطة بعنف على هذا الإجراء، فاعتقلت 600 وقتلت العديد من المحتجين. ومع ذلك فإن الإجراء حشد الكثير من التشيليين الذين سئموا من الديكتاتورية العسكرية.

بعد نجاح هذا الاحتجاج الأول، بدأت المعارضة في تنظيم الاحتجاجات بصفة الشهرية. ونمت المشاركة مع كل احتجاج، فانضم الطلاب والطبقات الفقيرة من جميع أنحاء البلاد إلى الحملة. ساعدت الأحزاب السياسية المعارضة التي شكلت تحالفًا ديمقراطًيا في أغسطس (آب) 1983 وكذلك الكنيسة الكاثوليكية؛ على تعبئة الأعداد المتزايدة من المعارضين، فيما نشرت مجموعات من الصحافيين أخبارًا عن الاحتجاجات خلال الصحف والمجلات والإذاعة رغم القمع، إذ إن حرية الصحافة كانت قد بدأت بالازدياد في ذلك الوقت، لكن النظام كان لا يزال مسيطرًا بقوة على التلفزيون.

وفي ظل هذه الأجواء القمعية اشتعلت العلاقة الطردية بين القمع والتمرد العنيف، وشن تحالف يساري متشدد هجمات عنيفة ضد نظام بينوشيه بحلول نهاية عام 1983، وتصاعدت الهجمات في أوائل العام التالي بأكثر من 700 تفجير حول البلاد، وتضمنت الهجمات تفجيرات بمترو الأنفاق وأعمدة الكهرباء. وردت الحكومة باعتقال العديد من الشباب وزيادة القمع.

استخدم النظام فزاعة التمرد المسلح لقمع المعارضة السلمية خلال الاحتجاجات الشهرية، رغم رفضت المعارضة السلمية (اللاعنفية) الأساليب العنيفة لمقاومة النظام، واستمرت مجموعات المعارضة في التنظيم على مستوى القواعد الشعبية، خاصةً «جمعية السلام والعدالة (SERPAJ)» التي تتخذ من الكنيسة مقرًا لها، إذ كانت تدرب المعارضين على أساليب الاحتجاج السلمية (اللاعنف)، وتدرس تجارب الكفاح السلمية الناجحة.

بالإضافة إلى الاحتجاجات الشهرية استخدم المعارضون أساليب وتكتيكات احتجاجية عديدة مثل: «تظاهرات البرق»، وهي تظاهرات قصيرة بمشاركة أعداد قليلة من الأشخاص، من أجل سهولة التفرق بسرعة  قبل وصول الشرطة، وإلقاء المنشورات من الطوابق العليا للمباني الشاهقة، وغناء الناس في الشوارع «سوف يسقط.. سوف يسقط» الذي أزعج بينوشيه كثيرًا لدرجة أنه حظر الغناء، وغيرها من التكتيكات.

رغم شدة وعنف النظام العسكري في تشيلي فقد سمح ببعض التنفيس عن المعارضة، إذ زادت الحكومة قليلًا من حرية الصحافة، وسمحت للمنفيين السياسيين بالعودة إلى البلاد، وعقد النظام اجتماعات مع جماعات المعارضة السياسيةوفي عامي 1983 و1984، استفاد التحالف الديمقراطي من سماح بينوشيه لاثنين من المظاهرات الجماهيرية، وحشد تحالف المعارضة مئات الآلاف من المواطنين للمشاركة في هاتين المظاهرتين لمعارضة الحكومة

وبعد مقتل ثلاثة من أعضاء «الحزب الشيوعي» في عام 1985 على أيدي قوات الأمن عقد رئيس أساقفة سانتياغو اجتماعًا بين المعارضة والأحزاب السياسية الموالية للنظام. بعد اجتماعات لاحقة، وقعت الأطراف على الوفاق الوطني للانتقال إلى الديمقراطية الكاملة، لكن نظام بينوشيه رفض الاتفاقوفي وقتًا لاحق تراجعت قوات الشرطة عن الاستمرار في أعمال القمع، واستلم الجيش مهمة القمع واحتل الجنود والدبابات العاصمة سانتياغو.

وحظي هذا الوجود العسكري باهتمام دولي عندما تزامن إضراب عمالي كبير مع اجتماع الاتحاد البرلماني الدولي في سانتياغو في مايو 1986؛ ونشرت وسائل الإعلام الدولية المزيد من الاخبار والمعلومات حول النضال المعارض داخل تشيلي. وبدأت دول أوروبا وأمريكا الشمالية في الدعوة بشدة إلى الانتقال إلى الديمقراطية داخل تشيلي، ودعم أعمال جماعات المعارضة داخل البلاد.

في 2 يوليو (تموز) 1986، أشعل جنود بينوشيه النار في فتاتين معارضتين أحياء، وفي سبتمبر 1986 حاول المتمردون المسلحون اغتيال بينوشيه، ودمروا معظم موكبه، وقتلوا خمسة من حراسه، لكن بينوشيه نجا، فوحد هذا الهجوم من دعم المقاومة السلمية للنظام، وأصبح أمل المناضلين في التحول نحو الديمقراطية بالانتصار في استفتاء بقاء بينوشيه في الحكم.

معركة إسقاط الدكتاتور في الاستفتاء

في عام 1987 أعلن بينوشيه إجراء استفتاء وطني على بقائه في السلطة. لكن لماذا سمح الدكتاتور ببعض الشفافية والتنازلات الديمقراطية في استفتاء عام 1988؟ هناك بعض الجدل حول هذا الأمر؛ إذ يرى البعض إن الظروف الدولية وتراجع الديكتاتوريات في مناطق أخرى من العالم، وتحول تركيز الولايات المتحدة من مكافحة الشيوعية إلى قضايا أخرى، أجبر بينوشيه على الظهور أكثر انفتاحًا على الديمقراطية.

ويشير آخرون إلى أن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لتشيلي عام 1987 كانت مؤثرة في إقناع بينوشيه بالسماح للاستفتاء بالمضي قدمًا. ويرى آخرون أن بينوشيه سمح بهذا الاستفتاء لاعتقاده أنه سيفوز وستهدأ الاضطرابات العامة ويزيد من شرعيته في الداخل والخارج.

انتهزت جماعات المعارضة هذه الفرصة ونظمت حملة موحدة لهزيمة بينوشيه؛ وشكلوا «ائتلاف الأحزاب من أجل لا». وسمح النظام بتخصيص 15 دقيقة من وقت التلفاز كل يوم للدعاية السياسة لكل جانب منهما. وكان هذا الوقت قليل جدًا لحملة «لا» مقارنة بحملة الموافقة «SI»؛ نظرًا لأن جميع القنوات التلفزيونية كانت خاضعة لسيطرة الحكومة، ودعمت بينوشيه في الاستفتاء العام.

ومع ذلك استغلت المعارضة هذا الوقت للوصول إلى جمهور واسع من التشيليين. وتحدثت حملة «لا» التلفزيونية في البداية عن جرائم نظام بينوشيه وأعمال القمع، لكن بدا أن تأثير الدعاية التي تتحدث عن الماضي ضعيف، فحولت الحملة دعايتها إلى رسائل تمس تسبب النظام بالفقر ورسائل أخرى تبعث على الأمل وعن مستقبل مشرق دون بنوشيه، وأظهرت أن الناس سعداء يستمتعون بالحياة.

عرضت الإعلانات رمز يتضمن قوس قزح كبير فوق خلفية بيضاء وكلمة « لا» بأحرف سوداء كبيرة. واستُخدم هذا الرمز أيضًا في الاحتجاجات والمسيرات التي أدت إلى الاستفتاء.

في 5 أكتوبر (تشرين الاول) 1988، أُجري الاستفتاء الوطني ونظم تحالف المعارضة إحصاء موازيًا لنتائج التصويت خلال مراقبتهم للجان الانتخابية، وأعلنت محطة إذاعية صغيرة نتائج المعارضة بفوز «لا». لكن الأمر لم يكن سهلًا؛ إذ لم يعترف بينوشيه بالخسارة في الاستفتاء، إلا عندما رفض أعضاء المجلس العسكري فرض الأحكام العرفية والانقلاب على الاستفتاء، واعترف قائد عسكري كبير علنًا بفوز حملة «لا»، وعُرف لاحقًا أن ما يقرب من 55٪ من الأصوات اختاروا «لا».

وفي عام 1990، سلم بينوشيه السلطة لرئيس منتخب بعد تأمينه ببقائه قائدًا للجيش وبعضوية في مجلس الشيوخ مدى الحياة. لكن في عام 1998، احتجز في بريطانيا لمدة 18 شهرًا للرد على تهم تعذيب مواطنين إسبان في شيلي أثناء حكمه. وبعد ذلك سُمح له بالعودة إلى شيلي للمحاكمة على 59 تهمة جنائية بالخطف والقتل والتعذيب. وفي عام 2005 وُضِع قيد الإقامة الجبرية في سانتياغو بسبب مزاعم التهرب الضريبي والفساد، لكنه توفي في عام 2006 قبل إتمام المحاكمة.

____________________