Minbar Libya

بقلم محمد فتوح

يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه،

وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.

الجزء الثالث

المداخلة.. صُنع في السعودية ونُفّذ في ليبيا

مع نجاح الثورة الليبية، وقتل القذافي في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول لعام الثورة نفسه 2011، ظهرت ممارسات المداخلة مدفوعة بالخوف الذي مثّله غياب نظام القذافي، وهو ما جعلهم يتكتّلون في مجموعات منظمة، وسيكون لهذه الكُتل أكبر الأثر في عملية الكرامة برعاية اللواء المتقاعد خليفة حفتر والانقلاب على ثورة 17 فبراير.

وبحسب شهود على هذه الفترة لـميدان“: “بدأ المداخلة يراسلون شيوخَهم في السعودية ومصر طلبا للمشورة فيما ينبغي الإقدام عليه في هذا الوضع الجديد، وقد انتابهم خوف شديد، ولّده اكتساح التيارات الإسلامية الأخرى التي شاركت في الثورة“.

وبذلك، تحوّل المداخلة، والذين كانوا يحرّمون المشاركة السياسية قبل الثورة، إلى أكبر داعم سياسي ضد الإسلاميين في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة 17 فبراير، حيث صدرت فتوى من ربيع المدخلي يعتبر الإخوان أضر على الإسلام من العلمانيين، وعلى السلفيين المداخلة ألا ينتخبوهم أو ينتخبوا من يُمثّلهم، وجاء في فتواه: “الإخوان يلبسون لباس الإسلام وهم أشد على السلفيين من اليهود والنصارى، داعش تربت في إيران، وهم فصيل من فصائل الإخوان المسلمين، وهم أشد الأحزاب على السلفيين يكفرونهم ويقتلونهم“.

يكمل الشهود لميدان، أنه وفي أول استحقاق سياسيّ بعد الثورة، والذي تمثّل في انتخابات المؤتمر الوطني، سافر عدد من رجالاتهم للقاء ربيع المدخلي ومحمد المدخلي لاستفتائهما في حكم المشاركة في الانتخابات، وما يجب عليهم فعله إزاء ما أسموه تمدد الجماعات المقاتلة والإخوان“.

وهو ما جعل المدخلي يفتي بحشد الناس للتصويت في الانتخابات ضد الإسلاميين، وأن ذلك نصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين؛ أخطر الفِرق على الإسلام!”.

وتحوّل الأمر عند المداخلة من منع معارضة الحاكم أو مجرد الاعتراض عليه سياسيا، إلى الفتوى بوجوب المشاركة السياسية لإسقاط الإسلاميين إذا وصلوا هم للحكم، وهو ما يتسق مع أصولهم العقَديّة في نظرتهم للإسلاميين والتعامل معهم.

كان هذا أول ظهور للمداخلة في المشهد الليبي ضد الإسلاميين، بيد أنه لن يكون الأخير.

فبعد إعلان خليفة حفتر في 2014 عن عملية الكرامة، ظهرت فتوى أخرى للمدخلي يؤيد فيها القتال بصف حفتر، حيث يقول المدخلي: “على السلفيين في ليبيا النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم، وإذا هجم الإخوان على بنغازي، وقد هدد المسمَّى بالصادق الغرياني المعتز بسيد قطب، فعلى السلفيين أن يلتفوا لصدِّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكِّنوا الإخوان من بنغازي“.

تتابعَ بعدها باضطراد ظهور شيوخ المداخلة على الفضائيات وتأييدهم لعملية حفتر، حتى وصل الأمر لظهور محمد المدخلي وهو أحد شيوخ المداخلة المشهورين في العالم، والذين تحمسوا لحفتر واعتبره خليفة السيسي، ثم بات بينه وبين ربيع المدخلي مناوشات وخلافات لاحقا

خرج محمد المدخلي، على إحدى القنوات الفضائية التي أعلن عبرها سروره وتأييده لعملية حفتر العسكرية، ودعا الله بأن ينصره ويوفقه، وقال: “نحن مسرورون بحركة حفتر، ونسأل الله أن ينصره بدون سفك دماء كثيرة! ونطالب السيسي وحفتر بتحكيم الشريعة الإسلامية، حتى يعلم الناس أن الشريعة ليست حكرا على الإخوان المسلمين“.

لم تكن فتوى المداخلة فيما يتصل بالإخوان المسلمين شاذةً عن سابقاتها، لكنها جاءت تعبيرا عن منطلق عقدييرى المداخلة وفقا له، من يخالفونهم من الإسلاميين بوصفهم مبتدعة فاسقين، وأنهم أخطر على الإسلام من أعدائه، وأخطر من اليهود والنصارى كما وصف الشيخ المدخلي بن غلبون، وهو ما سيُفسِّر لاحقاالفتاوى المدخلية في الدعوة للقتال مع حفتر ضد الإسلاميين، ووسمهم بالخوارج والمُفسدين.

فمنذ 16 مايو/أيار 2014، وحين أعلن خليفة حفتر عملية الكرامةأو كرامة ليبيا، والتي قضت بحل وتجميد عمل المؤتمر الوطني الليبي المنتخب، ومعلنا توليه شؤون البلاد عقب بعد الثورة.

عمليّةٌ عارضها علماء دين ليبيون وعلى الرأس منهم صادق الغريانيوفصائل ثورية وزعامات عشائرية باعتبارها فعلا انقلابيا على إرادة الشعب الليبي. ومع رفض عدد من الزعامات الدينية لعملية حفتر؛ وجد المشيرضالته في المداخلة، فمنذ ذلك التوقيت نشطت كتائب تابعة للسلفية المدخلية للقتال في صفوف حفتر رسميا، بعد وسم كل مخالف لهم لا سيما من الإسلاميينبالخوارج التكفيريين.

جاءت الفتوى من ربيع المدخلي شخصيا، بالدعوة للقتال في صفوف حفتر، معتبرا حفتر وليّ أمر يجب طاعته ضد الخوارج من الإخوان، وكانت هذه الفتوى هي النواة التي شُكّلت على إثرها أولى الكتائب المدخلية المُسلَّحة التي قاتلت مع حفتر ضد ثوار بنغازي.

نشط المداخلة كذلك على المنتديات الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، حاملين معهم سيلا من التسجيلات الشخصية لربيع المدخلي، والتي يحث فيها على القتال تحت راية حفتر، وقتل الخوارج، أي أولئك الذين خالفوا خليفة حفتر في رأي سياسي وعلى الرأس منهم أعداؤه الألداء الإخوان المسلمون“.

من هنا، وبفعل الفتاوى الدينية، امتشق المداخلة السلاح في حرب مقدسة بعقيدة دينية، إلا أن المفارقة ستتمثل في أن المداخلة، سيقتلون في حربهم الدينية تلك، من يشتبهون في انتمائه للإسلاميين.

وهكذا، فإن كل من يخالف المداخلة في التصور داخل الدين نفسه؛ مصيره الوسم بالبدعة واعتباره من الخوارج، ومن ثم الزج به في السجن أو تصفيته مباشرة.

مليشيات المدخلية.. شبيحة بِلحى!

الكثير يسألني هل ننضم إلى جيش حفتر؟

وأقول: إذا كان حفتر عنده قوة، فليفعل كما فعل السيسي، يعتقل الرؤوس الكبار، يُدخلهم السجن حتى يمشي الشعب وراءه بكل راحة وهدوء!”

(محمد المدخلي في مداخلة تلفزيونية)

بعد تحوّل فضاء الفتاوى فيما يتصل بالشأن الليبي باتجاه شرعنة ممارسة المداخلة للقتل، تحول المداخلة في وقت قصيرإلى قوة ضاربة لها ثِقلها على الأرض.

ففي دراسة أعدها معهد كارنيغي عن الوضع في ليبيا بعنوان وداعا للهدوء؟!”، اعتبر فريدريك ويري الباحث بمعهد كارنيغيأن المداخلة مؤهّلون ليصبحوا إحدى أهم القوى العسكرية في الداخل الليبي، وذلك منذ عام 2016.

وهو ما تحقق بالفعل، حيث تورط عدد من رموز المداخلة في عمليات وُصفت بالإجرامية ضد الليبيين، وشابهت بعض ممارستهم ممارسات تنظيم الدولة داعشمن تصفيات خارج القانون، وقتل بالشُّبهة، بالإضافة إلى عمليات اغتيال، وسيطرة على سجون داخلية.

ومن هنا، ومع اتساع رقعة التسليح للمداخلة على الجغرافيا الليبية، فقد تشكلت قوى تتوزع شرقا وغربا، نستعرض فيما يلي أبرز قادتها ومناطق تمركزها.

خريطة المداخلة في ليبيا

***

محمد فتوح ـ محرر رواق

___________