Minbar Libya

يحقق أتباع المذهب السلفي المدخلي حضوراً بارزاً على جانبي الانقسام الليبي، الأمر الذي يثير المخاوف حيال الأجندات المتشددة التي يتم فرضها من خلال المؤسسات العسكرية والدينية. ينبغي أن يضمن المفاوضون أن تكون قوات الأمن التي تجري إعادة بنائها حيادية سياسياً وأن يتعهد المداخلة باحترام التعددية.

الجزء الثاني

المقدمة

المسلمون المحافظون المتشددون المعروفون بالسلفيين ـ هم تيار إحيائي يدعو إلى العودة إلى ممارسات الإسلام في عهده الأل ـ برزوا في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي في 2011، واكتسبوا نفوذا في المجموعات المسلحة، والمؤسسات الأمنية والدينية الرسمية، وسعوا في بعض الأحيان إلى فرض أرائهم على المجتمع.

وقد حققت مجموعة فرعية من السلفيين، تتكون من أتباع مذهب أسسه رجل الدين السعودي الشيخ ربيع المدخلي، صعودا سريعا وباتت تتمتع بقدر كبير من النفوذ السياسي، والعسكري والاجتماعي في شرق وغرب ليبيا على حد سواء.

بعض المسؤولين في حكومتي ليبيا المتنافستين ـ حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة في طرابلس والحكومة المؤقتة (غير المعترف بها دوليا) في شرق ليبيا ـ يدافعون عن السلفيين المداخلة (المشار إليهم من الآن فصاعدا بالمداخلة) فوصفهم شركاء أمنيين يمكن الركون إليهم ولا يعيرون اهتماما لإيديولجيتهم التي يعتبرونه غير مؤذية.

إلا أن صعودهم يرعب خصومهم السياسيين، خصوصا الفصائل الإسلامية المنافسة لهم، وكذلك الأقليات الدينية والعاملين في المجتمع المدني، ما يضيف خط انقسام آخر إلى صراع مقعد ومتعدد الأبعاد. كما أن بروز دور المداخلة في بعض أهم المجموعات المسلحة، بما في ذلك تلك التي تلعب دورا محوريا في استقرار طرابلس وبنغازي، يعقد المشهد السياسي والعسكري المتشظي أصلا.

رغم أن المداخلة كانوا نشطين في ظل نظام القذافي، الذي دعموه بشكل عام، فإن انتفاضة عام 2011 وما تلاها من انهيار سلطة الدولة منحهم فرصا غير مسبوقة لتنظيم أنفسهم وشغل مناصب تتمتع بالنفوذ.

وحصل هذا نتيجة الصراع الذي اندلع في العام 2014 وانقسام مؤسسات الدولة الهشة أصلا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب.

لقد وجد المداخلة حلفاء لهم بين القوات الرئيسية في الصراع، بما في ذلك الجيش الوطني الليبي، وهو تحالف يتخذ من شرق ليبيا مقرا له ويرأسه المشير خليفة حفتر ويتحالف مع الحكومة المؤقتة التي تتخذ من شرق ليبيا مقرا لها أيضا، وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا في غرب ليبيا، والتي استلمت السلطة بعد توقيع الاتفاق السياسي الليبي في ديسمبر 2015.

لقد اعتمدت الحكومتان والتحالفات العسكرية على مجموعات مسلحة يشكل المداخلة مكونا فيها. من شأن الهجوم الذي شنّه الجيش الوطني الليبي في مطلع أبريل 2019 للسيطرة على طرابلس ومعركة السيطرة على العاصمة، إذا نجحت، أن تفسح المجال لهم كي يعملوا وينشطوا.

بالنظر إلى نفوذهم المتنامي في سائر أنحاء ليبيا، واستعدادهم لاستخدام هذا النفوذ لتعزيز أجندتهم الأيديولوجية، التي يعتبرها الكثير من الليبيين قمعية وغير متسامحة، فإن المداخلة يجدون أنفسهم على نحو متزايد عرضة للمراقبة والتدقيق.

من بعض النواحي، لم يكن سلوكهم أسوأ من سلوك المجموعات المسلحة الأخرى، كما أن أجندتهم المجتمعية ليست فريدة. لقد قيّد إسلاميون آخرون، خصوصا المجموعات الجهادية مثل أنصار الشريعة وتنظيم الدولة الاسلامية، جملة من الحريات العامة، كما دعموا فصائل دينية تربطها علاقات بالمجموعات المسلحة هدم المقامات الصوفية، التي يعتبرونها بدعة.

لكن الذي يميز المداخلة هو أنهم متجذرون في الجهاز الأمني وبدعم فعلي من السلطات، في الوقت الذي يبدو أن المجموعات الإسلامية الأخرى، سواء كانت إسلامية سياسية أو سلفية جهادية تفقد نفوذها. قضية إشكالية أخرى تتعلق بصلتهم بالسعودية، الأمر الذي جعلهم مكشوفين أمام تهمة السعي لفرض أجندة خارجية.

أجريت الأبحاث لإعداد هذا التقرير بشكل أساسي على مدى العام 2018 في المدن الليبية الرئيسية، بما في ذلك طرابلس وبنغازي وفي الخارج أيضا، عبر مقابلات مع ليبيين من أتباع وخصوم السلفية المدخلية، ومسؤولين حكوميين ، وسياسيين، ورجال أعمال ونشطاء مجتمع مدني، وخبراء ودبلوماسيين أجانب، بعض الليبيين الذين التقيناهم لم يرغبوا بذكر أسمائهم عند مناقشة صعود المداخلة بسبب خشيتهم من التبعات، بما في ذلك الاعتقال من قبل قوات الأمن التي تربطها علاقات بهذا التيار، ما يشكل علامة على ما يعتقد من قوة التيار وعدم تسامحه مع النقد.

التيار السلفي المدخلي في ليبيا

أـ أصول وهابية

السلفية تيار ديني يدعو إلى تقليد السلف الصالح، أي المعتنقين الأوائل للإسلام الذين صاحبوا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، كما يرد في الحديث ـ أي الأقوال والأفعال المنسوبة إلى النبي، والتي ترقى بمجملها إلى سنته، أو مساره، والتي تكمل القرآن من خلال تفصيل نقاط العقيدية الدينية والمسائل العلمية.

رغم أن السلفية ظهرت في مصر في القرن التاسع عشر بوصفها حركة إسلامية إحيائية معادية للإستعمار، فإن جذورها كمذهب تعود إلى الوهابية التي ظهرت في القرن الثامن عشر في منطقة نجد من شبه الجزيرة العربية، فيما أصبح اليوم السعودية.

في نسختها المعاصرة، تقسم السلفية إلى ثلاثة تيارات فرعية:

ـ السلفية العلمية، وهي تيار مسالم سياسيا يعارض المشاركة السياسية والصراع السياسي،

ـ السلفية الإصلاحية، الأكثر انخراطا سياسيا والتي يمكن أن تتخذ شكلا ثوريا،

ـ والسلفية الجهادية، وهي من النوع الذي تعتنقه القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام.

نشأ جزء كبير من الانقسام المعاصر للسلفية في السعودية نحو نهاية ثمانينيات القرن العشرين، خصوصا بشأن السياسة الخارجية للمملكة.

السلفية المدخلية ـ التي سميت على اسم الشيخ ربيع ابن هادي عُميرالمدخلي، رجل الدين السعودي الثمانيني الذي كان يرأس قسم دراسات السنة في الجامعة الاسلامية في المدينة في تسعينيات القرن العشرين ـ ظهرت في العقود الثلاثة الماضية كتيار رئيسي في التصنيف الأول لـ السلفية العلمية“.

لقد انتشر أتباع المدخلي في سائر أنحاء العالم العربي، جزئيا بفضل دعم الجمعيات الخيرية الدينية الممولة سعوديا وإتاحة الوصول إلى القنوات التلفزيونية.

برز المدخلي في السعودية في سياق حرب الخليج (1990-1991) كمدافع شرس عن قرار العائلة المالكة في السعودية السماح بنشر الجنود الأمريكيين على الأراضي السعودية. وبشكل عام، دافع عن مفهوم طاعة ولي الأمر (طاعة الحاكم بصرف النظر عن مدى عدله أو تقواه) ما أدى إلى الإشارة إليه غالبا على أنه رجل دين البلاط“.

إلا أن حجر الأساس في الأيديولوجيا السلفية المدخلية يتمثل في الاعتقاد بأن السلطة الدينية في العالم الإسلامي ينبغي أن تستند إلى فضائل وسلوك علماء الدين (وهو منهج إسلامي تقليدي يعرف بعلم الجرح والتعديل)، حيث يعتقد أتباع المدخلي بأنه العالم الأكثر فضيلة في العصر الراهن.

يستخدم المدخلي تنصيب نفسه في الموقع الديني أداة في محاربة المفكرين الدينيين أو التيارات السياسية المعاصرة التي يعتبرها سببا لانقسام أو إفساد الأمة الإسلامية. ويستهدف بشكل رئيسي الحركات السلفية الأكثر ثورية، خصوصا ذات التوجه السلفي الجهادي، وكذلك الإسلاميين السياسيين مثل الإخوان المسلمين.

كما يرفض الديمقراطية بوصفها تتعارض مع الإسلام، وبالتالي، فإن رجال الدين المرتبطين بالتيار في ليبيا يحثون في خطبهم على معارضة المسار الديمقراطي.

لقد دفعت أصوله السعودية ودوره البارز في الماضي في المؤسسة الدينية في المملكة إلى توجيه اتهامات بأن مواعظه وفتاواه بشأن ليبيا تخدم أجندة خارجية.

البقية في الجزء التالي

_______________