Minbar Libya

بقلم محمد فتوح

يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه،

وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.

الجزء الرابع

المداخلة في المنطقة الغربية

في غرب ليبيا، والتي لم يبسط خليفة حفتر قبضته عليها حتى الآن، تقبع أهم وحدة قتال مدخلية وهي قوات الردع الخاصة بطرابلس، حيث تُعد قوات الردع الخاصةأقوى قوات المداخلة في ليبيا، وهي الأهم من نوعها في طرابلس، وذلك بعدما تغلبت هذه القوات في معاركها مع خصومها من الإسلاميين في الغرب وحلفائهم، وذلك لأسباب عدة من بينها ضعف الدعم وكثرة الخلافات، والسياسات الدولية المتباينة حول طرابلس.

يمكن القول، إن قوات الردع تمثّل حالة خاصة من المداخلة. فعلى المستوى الرسمي، لم تُعلن قوات الردع انضمامها إلى قوات حفتر كما باقي المداخلة، إلا أنه وفي الوقت ذاته لم تقاتل قوات الردع المدخلية بشكل جماعي في التصدي لهجوم خليفة حفتر الأخير على طرابلس.

وذلك على الرغم من أن فِرقًا صغيرة من مداخلة الردع شاركت في صد الهجوم على طرابلس، وإن لم يكن ذلك الموقف الرسمي والعام لهم.

وتشير التسريبات والمعطيات بحسب فاعلين من طرابلس لميدان“- أن هناك انقساما داخليا بينهم، وهذا الانقسام لم يكن وليد الأحداث الجارية، بل له إرث قديم، حيث ينطلق المداخلة من منطلق ديني كما وضّحنا سابقامفاده أن المداخلة يوالون من تغلب عليهم، ويقاتلون تحت راية من مَلَك السلاح.

وعليه، ولأسباب ترتبط بعدم سيطرة حفتر على طرابلس، فإن المداخلة في طرابلس لم يُدينوا له ظاهرا بالولاء الكامل، لكن، في الوقت نفسه، فإنه لا يروق للمداخلة في طرابلس التعاون مع الإسلاميين المُتمركزين في طرابلس، حيث يعدُّونهم من الخوارج، وهو ما يجعلهم بحسب تقديراتأقرب إلى حفتر إذا ما دخلت قواته إلى طرابلس، أو في حال تمكُّنه من استمالتهم إليه بأي طريقة أخرى.

واللافت للنظر، أن عددا من خطباء المداخلة في طرابلس بحسب شهادات لـ ميدان، خطبوا في صلوات الجمعة خُطبًا تدعو الناس للتسليم لحفتر، بحجة أن الطرف المدافع عن طرابلس إخوان ومُقاتلة وخوارجوهو ما أحدث غضبًا شعبيًّا عارمًا تجاه المداخلة، الأمر الذي انعكس على المظاهرات التي خرجت في طرابلس، والتي حملت شعارات ضد المداخلة بوضوح وبصورة مُكرّرة.

وهو ما يجعل الردع ذات دور محتمل في مواجهة ثوار طرابلس والإسلاميين، وهو دور قريب في الوقت ذاتهمن حفتر في قابل الأيام، ذلك مع التأكيد أنها لم تعلن حتى الآنانضمامها الرسمي لقواته النظامية، على غرار مداخلة الشرق، والذين يُعدّون القوة الأهم لحفتر في الشرق.

ورغم عدم تورطهم المباشر في الصراع الدائر بين قوات حفتر وقوات الوفاق، فقد تورط عدد من أعضاء الردع في ممارسات خطف واغتيال ضد مخالفيهم من الإسلاميين والثوار، وكان على الرأس من هذه الجرائم حادثة قتل الدكتور نادر العمراني، وهو ما جعل أهل طرابلس يهتفون في جنازته مالكية مالكية .. لا نريدها مدخلية“.

كما أن المداخلة يديرون سجن معيتيقةفي طرابلس، والذي يُحتجز فيه عدد من الثوار الليبيين، والعلماء المخالفين لحفتر.

تكثر الشكوك حول جهات تمويل قوات الردع الخاصة، والتي يُعتقد أنها خليجية، حيث يسمهم أهل طرابلس بـالجالية السعودية، نتيجة لكثرة المدارس والمعاهد العلمية التي ينُشئها المداخلة بين يوم وليلة. وبحسب مصادر لـ ميدانمن قلب طرابلس فإن قوات الردع تستفيد من عدد من رجال الأعمال الليبيين الذين لهم مصلحة اقتصادية في التحالف مع هذه القوة، إذ تؤمِّن قوات الردع تجارتهم وتسمح لهم بالتمدد والانتفاع عبر صلاحيات لا تُعطى لغيرهم.

وأبرز هؤلاء الداعمين والممولين الذين لهم صِلات بالمداخلة هم: عبد الرحمن قاجة، وهو تاجر في سوق الذهب والعملة، وعبد الحكيم المصري، وهو من مُلّاك شركة الأجنحة للطيران، والشيخ القريب من المداخلة عبد الرؤوف كارة، وأيمن الساعدي.

المداخلة في الشرق..

يقبع الشرق كله تحت سيطرة المداخلة، وهو الأمر الذي عَنى عدم استطاعة أي من سكان تلك المناطق لإظهار المخالفة لهم، نتيجة لسيطرة الفصائل الموالية لحفتر على المنطقة الشرقية كلها، وقد امتاز مداخلة الشرق بشراسة وإجرام مع مخالفيهم، ويعد محمود الورفليأو كما يُعرف بـقائد الإعدامات، وهو المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية. باعتباره أحد أهم رموزهم الميدانيين.

انضم الورفلي للمداخلة عام 2015، وقاد كتيبة من المداخلة ضمن صاعقة بنغازي، كما قاد كتيبة النداء التي أُنشئت في بنغازي. وقد برز الورفلي كأحد أكثر المداخلة وحشية بتفضيله للتصفية الجسدية خارج نطاق القانون، كما لا يتورع الورفلي عن نشر فيديوهات على حسابه لعمليات تصفية جسدية طالت أسرى من مخالفيه.

كما نشر الورفلي على حسابه الخاص في فيسبوكتسجيلا مصورا يظهر فيه مع زملائهفي سيارة تحمل شعارا عسكريا تحت اسم القوات الخاصة الليبية، الصاعقة والمظلات، ويرددون نصوصا دينية توجب قتل الخوارجقبل أن يطلق الرصاص على أسير كان يقف رافعا يديه أمامه، في مشهد يُماثل في طريقة إخراجه ما يقوم به تنظيم الدولة، المعروف بـداعشمن قتل علني وإعدامات ميدانية بالهيئة ذاتها.

كما قامت القوات التابعة للورفلي بقتل أسرى مدنيين كانوا محاصرين طيلة مدة تزيد عن شهر، داخل عمارات بحي قنفودة، وقاموا بحرق عدد من المدنيين، مع نشر مقاطع مرئية للجثث المتفحمة، مشهدٌ صاحبه سباب وشتائم وعبارات تشفٍّ، وكان من بين المقتولين 20 امرأة، وطفل عمره عام ونصف.

أثارت أفعال الورفلي، والذي كثيرا ما ظهر بجوار خليفة حفتر، سخط المنظمات الحقوقية العالمية والمجتمع الدولي، فضلا عن الداخل الليبي، مما اضطر محكمة الجنايات الدولية إلى إدراجه كمجرم حرب، وطالبت حفتر بتسليمه للعدالة. إلا أن حفتر لم يستطع إقصاءه، فضلا عن تسليمه، نظرا لنفوذه وقوته العسكرية في الشرق الليبي، الأمر الذي يفسر القوة والمكانة التي يتمتع بها الورفلي وسط رجاله في الشرق، وفي بنغازي بالأخص.

في الشرق أيضا، توجد كتيبة التوحيد السلفية، والتي تعرف كذلك بـكتائب الميار” والتي يُشرف عليها أشرف الميار” أو مفتي حفتر كما يُلقبونه، وهو أحد أهم المرجعيات المدخلية في الشرق.

كتيبة الميار تشكّلت بعد فتوى ربيع المدخلي للمداخلة في بنغازي بأن يتصدّوا للثوار، المتمثّلين في مجلس شورى بنغازي، وكثيرا ما تستخدم هذه الكتيبة نصوصا شرعية في حربها ضد الثوار، فكل المخالفين لحفتر هم خوارج، فـ طوبى لمن قتلهم وقتلوه“.

وقد ظهر الميار في عدد من الوسائل الإعلامية، مُحذّرا مخالفي حفتر بأنه لن تأخذه شفقة بهم، ولن يستجيب لآبائهم إن طلبوا منهم العفو عن أبنائهم، إذ إنهم بحسب الميارخوارج من الإخوان المسلمين، وهم شرّ من اليهود والنصارى.

كما يُعتبر الميار من المقربين لشيوخ التيار المدخلي بالسعودية، حيث استضاف وأمّن مجيء أبرز شيوخ هذا التيار إلى ليبيا، وعلى رأسهم الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي، والذي زار غالبية المدن التي سيطر عليها حفتر، بغرض زيادة التأييد والحشد في صفوف الشباب لقوات حفتر، وما زال العتيبي ينشط بالفتاوى في الداخل الليبي عبر دروسه ومحاضراته التي تُبث عبر الإنترنت.

أما في جنوب شرق ليبيا، وتحديدا في مدينة الكُفرة تنتشر كتيبة سُبل السلامالسلفية المدخلية التي تعمل على مواجهة التشاديين المتسللين إلى البلاد، مع أخبار محلية عن اتجار بعض أعضائها في البشر كما ينتشر في جنوب ليبيا، ويقف على رأس هذه الكتيبة عبد الرحمن الكيلاني.

لعبت الكتيبة دورا محوريا في إحداث أول شرخ عملي مباشر بين الصوفية والمدخلية في ليبيا، وذلك حينما نبشت قبر الإمام السنوسي، ووالد الملك إدريس السنوسي حيث كان الإمام السنوسي هو المؤسس للطريقة التي ينتمي إليها عمر المختار.

البقية في الجزء التالي

***

محمد فتوح ـ محرر رواق

___________