Minbar Libya

.شبح يخيم على العالم العربي منذ انتهاء حقبة الاستعمار، ويعود بشراسة الآن بعد ثورات الربيع العربي

شبح أعاق المسيرة التنموية والديمقراطية على طول التراب العربي لمدة زادت عن نصف قرن، ولا زال ممسكًا بتلابيب السلطة، ويجادل بأنه الوحيد القادر على إدارة البلاد، على الرغم من أن الإحصاءات والأرقام في العالم كله تخبرنا أنه أينما حل الحكم العسكري هربت التنمية.

الجزء الثاني

قصة «أمهات المختفين» اللاتي قهرن الحكم العسكري في الأرجنتين!

بقلم أسامة عمارة

تحت نظام عسكري مرعب مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، يتعمد إرهاب المواطنين بأقصى أنواع القمع والقتل والتعذيب، وقفت بعض النساء مرتديات أغطية رأس بيضاء وحاملات صور أبنائهن أمام إحدى أعتى الدكتاتوريات العسكرية في العالم؛ حتى سقطت، وجرى محاكمة قادتها.

في هذا التقرير نتناول قصة كفاح أمهات وجدّات المختفين في الأرجنتين، وكيف ساهمن في إسقاط جنرالات الجيش ـ الذين حكموا الأرجنتين بالحديد والنار من عام 1976 إلى عام 1983 ـ ومحاكمتهم.

كيف حكم النظام العسكري الأرجنتين؟

في عام 1976 نفذ المجلس العسكري الأرجنتيني بقيادة الجنرال خورخي رافائيل فيدلا، انقلابًا عسكريًا أطاح فيه بحكومة إيزابيل بيرون، وكان هذا الانقلاب جزءًا من سلسلة انقلابات ضمن «عملية كوندور»، التي رعتها ودعمتها الولايات المتحدة لقمع وتصفية الفكر اليساري في أمريكا اللاتينية.

قبضت هذه الطغمة العسكرية على السلطة من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي شخص يعارضهم. وأعلن النظام الجديد تحت قيادة الجنرال فيدلا ما أسماه الحرب ضد التخريب لتصفية الفكر اليساري بشكل قاطع، والتي أصبحت مشهورة بعد ذلك باسم «الحرب القذرة».

وخلال الحرب القذرة ارتكب النظام العسكري عمليات خطف وقتل وتعذيب واسعة النطاق، ليس فقط ضد العصابات اليسارية المسلحة، ولكن أيضًا ضد النشطاء السياسيين اليساريين السلميين والمتعاطفين معهم وعائلاتهم، فالنظام العسكري لا يعني بالقضاء على التخريب مواجهة المسلحين فحسب، بل أي شكل من أشكال المعارضة، سواء كانت في المدرسة، أو الأسرة، أو المصنع، أو حتى الفن والثقافة.

فوقع الجميع تحت مطرقة النظام. قادة النقابات الذين ناضلوا من أجل زيادة بسيطة في الأجور، والمراهقون الذين كانوا أعضاء في جمعية طلابية، والصحافيون المعارضون للديكتاتورية، وعلماء النفس وعلماء الاجتماع الذين لم يسايروا النظام، والراهبات والكهنة الداعمون لحقوق الفقراء. وأصدقاء أي منهم، وأصدقاء هؤلاء الأصدقاء، وحتى المحامين الذين تجرأوا على الدفاع عنهم.

تعمد النظام العسكري الذي حكم من عام 1976 إلى عام 1983 إثارة الرعب والخوف لضمان صمت وسكون الشعب الأرجنتيني، فنوّع في استخدام عمليات القتل والخطف بين الفجر والنهار وخلال سبع سنوات اختفى حوالي 30 ألف أرجنتيني، منهم من مات بسبب التعذيب، ومنهم من مات بالرصاص، ومنهم من مات في رحلات الموت؛ إذ كان جنود النظام يرمون الضحايا بعد تخذيرهم في المحيط الأطلسي من الطائرات (اعترف المشاركون بهذه الرحلات لاحقًا خلال محاكمتهم بعد سنوات).

ولم تبذل الحكومة أي جهد لتحديد أو توثيق أسماء المختفين، فبعد التخلص من أجسادهم أنكر المجلس العسكري أنهم كانوا موجودين، غير أن أُسر وأصدقاء المختفين كانوا يعلمون أن النظام هو من خطفهم، لكن في هذا الجو المرعب لم يكن من السهل النضال من أجل المختفين.

عاطفة الأمومة تتحدى السلطة العسكرية المرعبة

في ظهر يوم 30 أبريل (نيسان) 1977 تحدت 14 امرأةً شُجاعة مشاعر الخوف والرعب، ولم يستمعن إلى تحذيرات أسرهن، وذهبن إلى «ساحة مايو» أمام قصر الرئاسة في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس لمواجهة النظام العسكري الذي سرق أولادهن.

«كان الناس خائفين .. فلو تحدثت عن ابني المختطف في صالون التجميل أو السوبر ماركت فسيهربون، حتى الاستماع كان خطيرًا، لكنني لم أستطع الصمت، حتى لو لم يصدقنا أحد. هذا هو السبب الذي جعلنا نُدعى بالأمهات المجنونات في البداية». *هايدي غاستيلو، إحدى أمهات المختطفين الـ14.

كان ذلك اليوم أول مسيرة أسبوعية لأمهات وجدّات «المختفين» في الأرجنتين، اللواتي استمررن بالتظاهر كل يوم خميس في الساعة الثالثة والنصف مساءً، بشكل لم يكد ينقطع لأكثر من 40 عامًا، وهن يرتدين أغطية رأس مدون عليها أسماء أولادهن، أو يحملن صورهم للمطالبة بمعرفة مصير أبنائهن المختطفين.

حاول المسؤولون الحكوميون في البداية تهميشهم والسخرية منهم من خلال تسميتهم بـ«النساء المجنونات»، لكنهم سرعان ما أصيبوا بالحيرة من كيفية قمع هذه المجموعة خوفًا من إثارة غضب السكان.

«بالطبع كنا مجنونات، جنون مع حزن وعجز.. فقد أخذوا أغلى هدية للمرأة: طفلها». *تاتي ألميدا، إحدى أمهات المختطفين.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1977 فعلت الحكومة مع الأمهات ما فعلته ما أبنائهن، واختطفت العديد من مؤسسات المجموعة، ومنهن: أزوسينا فيلافلور، التي تلقى أقاربها تأكيدًا بعد 28 عامًا، بأنها قُتلت وألقيت في مقبرة جماعية.

ورغم ذلك أعاد «أمهات ساحة مايو» أو أمهات المختفين بعد فترة شملهن وعُدن إلى الميدان رغم الخطر الواضح، ووصلت أعدادهن في العام التالي للمئات، وفي عام 1978 استغللن بطولة كأس العالم التي استضافتها الأرجنتين والتغطية الدولية للتعريف بقضيتهن. واستمررن بالاحتجاج رغم تهديدات الدولة، وإطلاق رجال الشرطة النار على جزء من المجموعة أثناء الاحتجاج.

ولم تقتصر أنشطة وتكتيكات الأمهات على التظاهر فقط؛ فقبل التجمع في ميدان أو ساحة مايو بدأن بالبحث منفردات عن أبنائهن من خلال الوسائل القانونية في المكاتب الحكومية، ثم صعّدن احتجاجاتهن بالتجمع في ساحة مايو، ونشرن إعلانات في الجرائد بأسماء المُختفين، ووزّعن منشورات وملصقات على الحافلات العامة والقطارات وغيرها من الأماكن العامة، واستعن بشخصيات عامة، مثل: الأديب الحائز على جائزة نوبل خورخي لويس بورخيس، وكذلك المدير الفني لمنتخب كرة القدم الأرجنتيني سيزار مينوتي من أجل دعم قضيتهن، وشكلن «منظمة أمهات ساحة مايو» التي حظيت بدعم حقيقي خارجي كبير.

وبعد فترة صعبة من القمع الشديد، استعادت أمهات ساحة مايو يوم الخميس الأول من عام 1980 الساحة، واستمررن بالاحتجاج أسبوعيًا كل يوم خميس.

ونما زخم الحركة في أوائل الثمانينات مع الانهيار الاقتصادي الذي حدث بسبب السياسات النيوليبرالية التي فرضها النظام خلال الأجواء القمعية، وزيادة الاهتمام بالفظائع التي ارتكبها النظام في المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وبعد هزيمة المجلس العسكري في حرب الفوكلاند التي استمرت 74 يومًا مع البريطانيين (دخل النظام العسكري هذه الحرب لصرف أنظار الشعب عن المشاكل الداخلية والانهيار الاقتصادي)، انضم الآلاف إلى الأمهات في «مسيرة المقاومة» التي استمرت لمدة 24 ساعة في 10 ديسمبر 1982، وانهارت شرعية النظام الذي استسلم للضغوط الشعبية والدولية، وتخلى عن السلطة، ووافق على إجراء انتخابات ديمقراطية في عام 1983.

وبعد وصول حكومة مدنية ديمقراطية للسلطة، أنشأ الرئيس الجديد راؤول ألفونسين على الفور «اللجنة الوطنية المعنية باختفاء الأشخاص »، كما صوت الكونجرس الأرجنتيني على دفع تعويضات لأسر الضحايا تقدر بحوالي 220 ألف دولار، وقد تلقت أكثر من 11 ألف أسرة هذا المبلغ.

وفي عام 1984 نشر تقرير تحت اسم «لم يعد مرة أخرى» يوثق الوحشية والقمع اللذين فرضهما الجيش خلال فترة حكمه التي استمرت سبع سنوات، ولا يزال من الممكن العثور على هذا الشعار على بعض الجدران في أرجاء الأرجنتين.

وقد مهد هذا التقرير الطريق لمحاكمة العديد من كبار مرتكبي الجرائم، بمن فيهم الجنرالات فيديلاوجالتييري وإميليو ماسيرا، الذين حوكموا في عام 1985 وأدينوا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحُكم عليهم بالسجن مدى الحياة.

وعلى الرغم من إطلاق سراح فيديلا لاحقًا، كجزء من عفو ​​رئاسي لقادة النظام المدانين من قبل الرئيس كارلوس شول منعم؛ من أجل تحسين العلاقة غير المستقرة بين الإدارة الديمقراطية والجيش، ألغت المحكمة العليا في وقت لاحق العفو وتمت محاكمة فيديلا في يوليو (تموز) 2010 بتهمة قتل أكثر من 30 سجينًا سياسيًا في عام 1976.

ماذا حدث للنساء الحوامل في السجن؟

«جميع النساء الحوامل المختطفات سمح لهن بالولادة في المعتقلات، وسرقوا منهن الأطفال، حدث ذلك مع 500 طفل، وأنا واحد منهم».

هذا ما قاله أحد أبناء النساء المختطفات الذين قتلهم النظام بعد سرقة أطفالهن، وتسلميهم لعائلات موالية للجيش لتربيتهم، ومن أجل محاسبة المسئولين عن هذه الفظائع والبحث عن هؤلاء الأطفال استمر نضال أمهات وجدّات ساحة مايو وتجمعهم كل يوم خميس حتى بعد رحيل المجلس العسكري.

وبمساعدة علماء الوراثة جرى إنشاء قاعدة بيانات وراثية وطنية، وعلى مر السنين استمروا بالبحث عن الأطفال المسروقين، إذ أثبتت «منظمة أمهات ساحة مايو» هويات 128 طفلًا مسروقًا حتى الآن (عام 2019).

واستمرت مطالبات الأمهات والجدّات بمحاسبة المسئولين، حتى جرى محاكمة ما يقرب من 900 عضو سابق من النظام العسكري وإدانتهم بارتكاب جرائم، وأصبحت أغطية الرأس البيضاء للأمهات رمزًا للشجاعة والنضال.

______________