Minbar Libya

بقلم خالد الفرجاني

بعد انطلاق العمليات العسكرية التي أعلن عنها المشير خليفة حفتر وأطلق عليها اسم “طوفان الكرامة” فكرت كثيرا في الاسم، هل تحققت كرامة المواطن في شرق ليبيا؟ حتى يحدث الطوفان؟

وما هو التوصيف الحقيقي لما جرى في شرق ليبيا وفي ليبيا بشكل عام، منذ عودة الجنرال العجوز إلى المشهد السياسي في عام 2014 ؟

في الحقيقة يمكننا أن نشبه عملية الكرامة بعملية الزائدة الدودية، هي عملية لاستئصال الزائدة الدودية، وكذلك فعلت عملية الكرامة، باستئصال كرامة المواطن الليبي في مناطق سيطرة خليفة حفتر، وهذا أمر لا يستطيع أن ينكره أي عاقل.

ولكن كيف جرى ذلك؟

حتى نتمكن من فهم المعطيات في شرق ليبيا يجب أن نحاول قياس الأمور من جانب غير عاطفي، وبدون تحيز.

أطلق الرجل، عملية عسكرية في بنغازي استهدفت مقاتلي الدروع وأنصار الشريعة في بنغازي، وكان الدعم الشعبي للعملية العسكرية واضحا في شرق البلاد، ولكن خليفة حفتر، استعان بالمجرمين والخارجين عن القانون في عمليته العسكرية واستمرت قواته في القتال في المدينة من منتصف 2014 وحتى بداية عام 2018.

وهذا يعني نحو ثلاث سنوات ونصف، قضاها السكان في الحرب وعدم الاستقرار، وصرفت فيها قوات حفتر أكثر من 20 مليار دينار ليبي، في قتل مجموعات مسلحة مختلفة، تعداد أفرادها أقل من 1000 شخص، بحسب معظم التقديرات.

وهذا يعني أن حفتر، وبالاستعانة بالطيران الأجنبي، ومن خلال صرفه لمبالغ طائلة، وتهجير المدنيين كان يقتل شخصا واحدا في اليوم، وهذا يعني أيضا أن ما صُرف من أجل التخلص من كل مقاتل مناوئ لحفتر يصل إلى نحو 20 مليون دينار ليبي، وهذا الأمر يعد فشلا عسكريا كبيرا جدا، ولا يمكن وصفه بأقل من ذلك.

ما هو جيش حفتر؟

جيش خليفة حفتر مكون من مجموعات مختلفة، من بينها مجموعات تضم الخارجين عن القانون، ومجموعات أخرى سلفية مدخلية بالإضافة إلى عدد من العسكريين القدماء، وأفراد شبه عسكريين غير منضبطين ولا يخضعون للأوامر، وهذا الأمر واضح جدا، من خلال مقاطع الفيديو التي يصوروها جنوده، وأيضا من خلال عدم التزامهم بأوامر قادتهم، بالإضافة إلى استعانته بمليشيات ترهونة وغريان في الحرب على العاصمة الليبية طرابلس.

ما هي نتيجة معارك خليفة حفتر في شرق ليبيا؟

نجح خليفة حفتر في نهاية الأمر في القضاء على خصومه في شرق ليبيا، بعد جهد ووقت طويلين جدا، ومن خلال صرف ميزانيات كبيرة على جنوده.

الأمر ليس هكذا فقط، بل إن حفتر وبدون وجود منصب قانوني يمنحه سلطة على المؤسسات المختلفة، فرض سيطرته على أجهزة الدولة، فصور خليفة حفتر تجدها في الشوارع وفي المؤسسات الحكومية المختلفة في الجوازات والسجل المدني ومراكز الشرطة!! بدون مبرر قانوني.

ولذلك فالرجل يحكم شرق البلاد، بدون سند قانوني، وقام بعزل عمداء البلديات وعين حاكما عسكريا قام بتعيين عمداء للبلديات، وأيضا عطل الانتخابات البلدية في الجنوب، من خلال حكومة الثني، الذي يوجه إلى رئيسها عبدالله الثني الأوامر والرسائل.

القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة حفتر ومن خلال جهاز الاستثمار التابع لها، قامت بالسيطرة على المصانع في بنغازي، وتقوم بمنع نقل الخردة إلى مصنع الحديد والصلب في مصراتة وتقوم بتصديره لحسابها إلى خارج ليبيا، وجيش حفتر استولى حتى على بعض المصائف التي تذهب إيراداتها إلى خزانة الجيش.

وفرضت لجنة مشكلة من قيادة جيش حفتر رسوما على استجلاب العمالة الوافدة وتقدر بـ 500 دولار على العامل الواحد، تدفع إلى جيش حفتر، ويسري هذه الأمر حتى على من يريد الزواج بأجنبية، يجب عليه أن يدفع 500 دولار إلى خليفة حفتر، أين الكرامة في هذا؟

جهاز الأمن الداخلي الموالي لحفتر، فرض ضرورة الحصول على موافقة أمنية على المسافرين من خارج ليبيا، على المواطن أن يحضر عدة مستندات وأن يخضع للتحقيق قبل السفر، ويسأله رجال الأمن عن عمله، وعن أقاربه وأولاد عمومته وأخواله، وعن سبب السفر، ويجري التحقيق مع النساء أيضا قبل السفر، أين الكرامة في كل هذا؟

أمرت حكومة عبدالله الثني بإيقاف إجراء فرض الموافقة الأمنية على المسافرين، ولكن الأمن في المطار، يرفض ذلك، ويطلب من الناس الحصول عليها قبل مغادرة ليبييا، أين الانضباط؟ وأين القانون؟

هل نجحت عملية الكرامة عسكريا وأمنيا؟؟

حتى يكون التقييم منصفا، علينا الاعتراف بأن خليفة حفتر نجح في القضاء على خصومه في الشرق، وتمكن من توحيد المليشيات تحت قيادة واحدة، وقلّت نسبة الجريمة ولكنها لم تختف أبدا، ولكنه في الحقيقة لم ينجح أمنيا ولا عسكريا، ولذلك أسباب مختلفة، مثلا؛ قوات حفتر لم تستطع حتى الآن تأمين المستشفيات والشوارع، وليست قادرة على فرض القانون، والأجهزة الأمنية في بنغازي مثلا، لا تستطيع تطبيق أبسط قواعد قانون المرور، ولا تستطيع فرض احترامها في الشارع.

رجال الشرطة تعرضوا خلال الأشهر الماضية لعدة هجمات شنها عليهم مسلحون ينتمون لجيش حفتر، ولم تستطع السلطات محاسبتهم.

محمود الورفلي المطلوب دوليا في اتهامات تتعلق بجرائم حرب، حر طليق، ولم يستطع حفتر القبض عليه، خوفا من مؤيديه وأنصاره، وعندما قام محمود الورفلي بتسليم نفسه إلى الشرطة العسكرية، قام أنصار وعناصر محمود الورفلي بإغلاق الشوارع في بنغازي وإطلاق الرصاص وهددوا أيضا قيادة الجيش، وأحرقوا الإطارات وأغلقوا المحلات في المدينة، ولم يستطع أحد إيقافهم.

محمود الورفلي عاد أيضا حرا طليقا بعد ذلك، بعد ولادة طفله، خرج من سجنه دون مبالاة بأي قوانين أو أوامر ضبط.

وبعد ذلك أجريت تحقيقات ومحاكمة وهمية تمت من خلالها تبرئته من الاتهامات المنسوبة إليه والتي وثقت بالفيديو في السابق وشهد عليها مئات الناس.

المسلحون التابعون لحفتر، استولوا على بيوت الناس، ويقومون بعمليات السطو المسلح، طالبهم حفتر بالخروج من هذه المنازل، ولم يستطع تطبيق ذلك.

مسلحو حفتر يبتزون التجار في شرق ليبيا لنيل حصة من الاعتمادات، ويقوم بعض المسلحين التابعين لحفتر بعمليات سطو مسلح أدت إلى مقتل العشرات من المواطنين خلال الفترة الماضية، وهذا مثبت ومعروف.

هل هذه إنجازات تستحق الدعم؟

وكيف لإنسان منطقي أن يدعم سيطرة حفتر على طرابلس وقواته على هذه الشاكلة؟

أين كرامة المواطن؟

باسم المشير حفتر، ومن خلال أي تهمة بسيطة، يمكن أن يكون مصير أي مواطن القتل والرمي في مكب القمامة.

وفي الحقيقة، المكسب الوحيد الذي تحصل عليه الناس بعد 17 فبراير، هو حق التعبير عن الرأي، والذي كان موجودا قبل عملية الكرامة، وفي ظل سيطرة المجموعات المسلحة المختلفة، والتي من بينها مجموعات متطرفة، ولكن حرية التعبير عن الرأي اختفت نهائيا اليوم في أرض سيطرة الكرامة.

مدونون وشيوخ ومواطنون عاديون، قتلوا بدم بارد، وبدون أي اتهامات أو جرائم، الاتهام الوحيد هو معارضة أو انتقاد خليفة حفتر، وهو ما يعني في عقلية مؤيدي الرجل العجوز أنه خيانة لدماء من سقطوا في عملية الكرامة، أو مناصرة للإرهاب.

بإمكانك أن تسير في شوارع بنغازي وتجاهر بسب الله أو سب دينه بأعلى صوتك، لن تتعرض للانتقاد أو اللوم، ولن يعترض سبيلك أي شخص، ولكن في حال انتقاد العجوز الخرف قائد عملية الكرامة ، سيكون مصيرك الرمي في مكبات القمامة!! أي كرامة في هذا؟؟

على كل حال، هناك من أنصار الرجل من يبرر هذه الممارسات بحجة الوضع الأمني ووضع البلاد، وهناك من بين من يبرر هذه الانتهاكات وتكميم الأفواه بعض المحسوبين على النخب السياسية والحقوقيين والمحسوبين على التيار اللبرالي أو العلماني، ولكن هل من المنطق أن يبرر هذا التضييق على الناس في مقابل هذه الإنجازات التي لا تذكر؟؟

الانفلات الأمني موجود، والقانون لا يطبق، وأمن البلاد منتهك في كل مناطق سيطرة حفتر، بل إن رجاله أنفسهم ينتهكون القانون وحقوق المواطن بدون أي محاسبة أو مساءلة.

بعد جرائم الإعدامات والقتل والجثث الملقاة في مكبات القمامة، هل سمعنا يوما عن تحقيق واحد، فتح في ملابسات هذه الجرائم؟

هل استنكرت السلطات في شرق ليبيا المتمثلة في البرلمان وفي حكومة الثني هذه الجرائم؟

كيف تمر مثل هذه النقاط بدون الوقوف عندها؟ هل هؤلاء الضحايا ليسوا ليبيين؟ وكيف تمتهن كرامتهم بهذه الطريقة دون أن يحرك ذلك كرامة الناس التي طفت وطافت وتحولت إلى طوفان كرامة يحاول السيطرة على غرب ليبيا؟؟

منذ أيام كنت في العاصمة الليبية طرابلس، قوانين المرور تطبق بشكل جيد، وهذا أضعف الإيمان في أي دولة، وهو الأمر الذي لا يحدث في بنغازي أو شرق ليبيا.

أين حفتر وأين الثني؟؟

خليفة حفتر الرجل العجوز الوهمي الغارق في الأحلام، موجود في قاعدة عسكرية محصنة في منطقة الرجمة في ضواحي بنغازي، وهو لا يغادرها إلا إلى مطار بنينا ليسافر إلى الخارج، والرجل لم يقم بزيارة بنغازي منذ نحو ثلاث سنوات، لماذا لا يزور المدينة؟ ولماذا يتحصن في الرجمة؟ أليست بنغازي آمنة وقام هو بتحريرها منذ سنة ونصف؟؟ لماذا لا يقيم فيها؟ لماذا لا يزورها؟ لماذا لا يزور جرحى قواته في مستشفيات بنغازي؟ لماذا لا يزورهم عندما يسافر إلى مصر مثلا؟

الإجابة بسيطة وواضحة ومؤسفة ومهينة، بنغازي ليست آمنة، وهو لا يستطيع أن يخاطر بحياته بزيارتها أو الانتقال للإقامة فيها، والرجل لا يقدر جنوده ولا يعيرهم أي اهتمام، وكل ما يفعله بعد موتهم أو إصابتهم يقتصر في إرسال بلعيد الشيخي إليهم ليتحدث باسمه، ويقدم لهم مساعدات غذائية لإقامة العزاء، ويدفع مبلغا للتعزية وراتبا، إضافة إلى عيدية تقدر غالبا بألف دينار في الأعياد، أين الكرامة في هذا؟

عبدالله الثني الرجل المغامر الأبله، انتقل إلى البيضاء عقب الاضطرابات والانقسام السياسي الذي حصل عقب عمليتي فجر ليبيا والكرامة، وعمل في البيضاء ، وكانت حكومته حاصلة على الاعتراف الدولي، ولكن الحكومة بعد ذلك انتقلت إلى منطقة قرنادة في ضواحي البيضاء بعد أن طردها السكان من البيضاء بسبب الأزمات التي شهدتها منذ ثلاثة أعوام، والحكومة موجودة في تلك الضاحية التي لا يعرفها معظم الليبيين!!

لا تستطيع الحكومة أن تعود إلى البيضاء، ولا تستطيع الانتقال أيضا  لممارسة عملها في بنغازي ، وذلك بسبب النقاط التي ذكرتها في الأعلى، وهذا أيضا يثبت أن حفتر وحكومة الثني فشلتا أمنيا، وهؤلاء الناس غير قادرين في الحقيقة على تأمين أنفسهم في مناطق نفوذهم.

وفي المقابل، يعمل فايز السراج على رأس حكومته في طرابلس ويتنقل فيها ويزور الجرحى والنازحين ويواسيهم، على الرغم من وجوده في عاصمة المليشيات!! وهذه الأمور لها معان رمزية مهمة!! يجب الوقوف عندها، على الرغم من كل مساوئ وأخطاء السراج وحكومته.

بعد كل هذا السرد، يتضح الأمر جليا، فالمراهنة على مشروع حفتر مراهنة فاشلة، لأننا كشعب ليبي سندفع فاتورة باهضة من أجل وصول رجل عجوز فاشل متشبع بالعقد النفسية إلى السلطة ، حتى يستحوذ على الأموال، ويقتصر الفساد فيه وفي أبنائه وزمرته وأعوانه، في إعادة لحلقات مسلسل القذافي ولكن بشكل أسوأ، والرجل لن يحقق أي مكاسب لليبيين وللوطن.

لن يستطيع حفتر بناء دولة حقيقية، ولن يتمكن من إرساء الأمن في ربوع ليبيا، هو فقط سيصفي خصومه، وسيكمم أفواه الناس، من خلال استخدام المليشيات والعصابات والخارجين عن القانون، لن يتغير أي شيء!! ولكننا سنفقد كرامتنا إلى الأبد إذا وصل خليفة حفتر إلى السلطة.

إن حفتر يعني نهاية كل أمل لليبيا بأن تكون دولة محترمة، لأن حفتر مشروع فاسد لديكتاتور غير وطني، هو عبارة عن ذات متضخمة ونرجسية ومصاب بجنون عظمة.

مشروع السراج وحكومته وداعميه لا يعني الاستقرار ولا يمثل الدولة المدنية الحقيقية ولكن هم في الوقت الحالي أفضل من إنهاء الآمال بوصول حفتر للسلطة، لأن وصول حفتر للسلطة يعني أن كل ما جرى في السنين الماضية لم يعد يعني شيئا، سنعود إلى مشروع التوريث لإبنائه والانفراد بالسلطة.

الوضع الحالي استمرار للمخاض العسير الذي تعانيه ليبيا منذ سنوات ، ومن الممكن أن ينتج عنه أي شيء، ولكن حفتر إجهاض لكل أمل في الوصول إلى دولة محترمة، وفي الحقيقة مشروعه لا يمكن وصفه إلى باستئصال أو انتزاع الكرامة الذي يشبه استئصال الزائدة الدودية، استئصال الزائدة يحدث بعد التهابها، ولكن العيش بدون كرامة مؤلم، ولا يعلم ذلك إلا عزيز النفس.

***

خالد الفرجاني – كاتب من بنغازي

___________