Minbar Libya

بقلم محمد فتوح

يستعرض التحقيق الدور الكامل الذي تلعبه السلفية المدخلية في ليبيا، بداية من نشأته في عهد القذافي، ومواقفه المتباينة من الثورة الليبية، وما يتصل بفضاء الفتوى الخاص به، وأهم الرموز فيه،

وصولا للتحول الذي شهده التيار باعتباره حركة عسكرية منضوية تحت لواء خليفة حفتر، لتصبح بمرور الوقت، أهم فاعل عسكري في ثوب ديني ضد مكتسبات ثورة 17 فبراير 2011.

الجزء السادس

بحد السيف!

لم يلبث أن تحوّل المداخلة إلى فزاعة، فتهمة واحدة من مدخلي كفيلة بأن تلصق بك وسم المُجون أو الفسق أو الخوارج، ومن ثم الإرسال إلى السجن أو الخطف أو القتل برصاصة في الرأس. وحاول المداخلة أن يفرضوا على المجتمع الليبي طقسا اجتماعيا معينا، وتعددت الوقائع على ذلك. ففي 28 مارس/آذار 2016 قامت قوات مدخلية من كتيبة التوحيد السلفية المعروفة باسم الكتيبة 210 مشاة، باعتقال 3 من الشباب نظموا احتفالية يوم الأرض في المدينة، حيث اعتبرها عبد الفتاح بن غلبون أحد شرعيي المداخلةأحد أشكال البدع الماسونية غير الإسلامية، ووصفها بالفجور والعصيان وأنها لم تُراعِ دماء الشهداء .

كما عمل المداخلة على إجبار المسؤولين باتجاه فرض تشريعات تخضع لرؤيتهم الفقهية، فقد أصدر عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان؛ في فبراير/شباط 2017 قرارا بحظر سفر السيدات بدون محرم استجابة لرغبتهم، بيد أن هذا القرار تم التراجع عنه بسبب حملات الرفض والاستهجان على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي يناير/كانون الثاني 2018 صادر المداخلة كتبا فيها روايات لنجيب محفوظ، وأعمالا لنيتشه، وباولو كويلو، بزعم محاربة الغزو الثقافي! وبحسب شهادات ميدانية لـميدانفقد أقام المداخلة سلطة رقابية على المواطنين في عدد من المواطن سموها شرطة الآدابببنغازي، كما أنشأ المداخلة قوات لحفظ الآداب العامة، وأخرى لمكافحة الجريمة، وهو ما أتاح لهم تمددا اجتماعيا وسط الناس، كما برزت كتائب في مصراتة، مثل كتيبة مكافحة الجريمة والتي قادها ميلاد الصويعي وأنور سويسي.

امتدت يد المداخلة كذلك إلى الفضاء السيبراني، حيث يؤكد الناشط الحقوقي وعضو جمعية بلادي طارق لملوم بأنه: “تم رصد عشرات الشكاوى من عائلات قُتل أبناؤها وهُجّرت من بيوتها في بنغازي على يد مسلحين يتبعون كتيبة التوحيد السلفية تحديدا، بسبب انتقاداتهم للكتيبة وحفتر على مواقع التواصل” .

وبحسب تقرير بعنوان منشورات قاتلةنشره موقع العربي الجديد فإن مداخلة بنغازي يراقبون شبكات التواصل الاجتماعي خاصة موقع فيسبوكلرصد أنشطة معارضيهم الذين يصفونهم بالخوارج، الأمر الذي أودى بحياة 10 من الناشطين في المنطقة الشرقية (بنغازي والبيضاء والمرج)، بينما تم اختطاف 6 آخرين عبر منتسبي كتيبة التوحيد السلفية الموالية لحفتر، وتم إطلاق سراحهم لاحقا في عمليات تبادل بين جماعات متحاربة في بنغازي، أو عبر وساطات وضغوط قبلية“.

في سجون المداخلة

سجون المنطقة الشرقية، خاصة سجني الكويفيةفي بنغازي وقرنادةفي مدينة شحات يعتبران الأسوأ على مستوى معاملة السجينات والانتهاكات الحاصلة.

وتُدار معظم السجون في شرق البلاد وغربها من قِبل (الفرقة المدخلية المتشددة)”  (جمعة العمامي رئيس منظمة التضامن الليبية لحقوق الإنسان)

نظرا لكون المداخلة ينطلقون من تصورات دينية يعتقدون أنها الحق المطلق، فإن هذا يعمل على منحهم ميلا مضاعفا للتنكيل بخصومهم باعتبارهم مخالفين للدين، وهو ما دفعهم للانتقام من المخالفين بصورة بشعة. فقد رصدت منظمة التضامن لحقوق الإنسان الليبية 32 جريمة قتل تحت التعذيب وقعت منذ النصف الثاني من العام 2014 بشرق ليبيا، بعد خطف معارضين، وقد بات الأمر في تزايد مطرد تجاه مواطنين مخالفين لخليفة حفتر عملياته العسكرية في مدينة بنغازي، حسب تقرير المنظمة.

ووفقا لتقرير أعدّه خبراء الأمم المتحدة في ليبيا، ومن شهادات واقعية لـميدانفي الداخل الليبي، فإن أفرادا وعائلات تعدُّ مستهدفة على الدوام، وهي تحديدا، تلك التي ينتمي أفرادها إلى جماعات ثورية أو جماعات إسلامية مسلحة وكذلك الصوفية. وليس الأمر قتلا لخلاف سياسي، وإنما قتل باسم الدين لأُناس لم يعتنقوا الفكر المدخلي!. وبحسب شهادة أدلى بها أحد الثوار فإن المداخلة يطلقون على مخالفيهم غير المقاتلين لحفتر اسم الخوارج القعدة، وهم عندهم مستحقون التنكيل كذلك مثل المقاتلين، وقد تعرض هذا الشاب للأذى رغم أنه لم يشترك في قتال من قبل، وإنما كان الأمر عدم رضى عن انقلاب حفتر .

ووصف أحد المسجونين القدامى في سجون المداخلة لـميدانمعاملتهم للمسجونين في هذه السجون بقوله: “كنا نظن أنهم سيجعلون السجن هيئة للخير والإصلاح، لكنهم إذا استولوا على سجن انتهكوا الحرمات والحدود وظلموا وأفسدوا!”، ويضيف الشاهد: “لم يكن هناك تعذيب في السجن، حتى أتى إليه مداخلة“.

وبحسب تقرير مفوضية الأمم المتحدة بعنوان تجاوزات خلف القضبان: الاحتجاز التعسفي وغير القانوني في ليبيا” فإن مليشيات حفتر تحتجز آلاف الرجال والنساء والأطفال بشكل تعسفي ومطول ودون مسوغ قانوني، حيث يعرّضونهم للتعذيب وغيره من ضروب الانتهاكات والتجاوزات ضد حقوق الإنسان. وقلما يُتاح للضحايا سبل الانتصاف القضائية أو التعويضات، وقد لا يتوفر لهم ذلك، فيما يفلت أفراد المجموعات المسلحة تماما من العقاب“.

وتُقدّر أعداد المحتجزين بنحو 6500 شخص على الأقل في السجون الرسمية، لكن السجون الأبرز في الانتهاكات يديرها مداخلة بشكل حصريّ، مثل سجن معيتيقةالأكبر في طرابلس حيث يبلغ عدد المحتجزين فيه نحو 2600 فرد بين رجل وامرأة وطفل، والذي يسيطر عليه قوات الردع التابعة للمداخلة في طرابلس، وفي الشرق يقع سجن قِرْنادة سيئ السمعة، والذي يسيطر عليه مداخلة كذلك.

وقد تعرض عدد من السجناء للقتل في سجون يسيطر عليها مداخلة، فعلى سبيل المثال، وبحسب تقرير الأمم المتحدة، وفي سجن معيتيقة، عُثر على رجل في الخمسينيات من عمره ميتا بعد أربعة أيام من استدعائه للاستجواب في يوليو/تموز 2017، ووصلت 35 جثة تحمل علامات التعذيب إلى مستشفيات طرابلس“.

وبحسب مصادر ميدانية حصل عليها ميدانمن شباب ثوار تعرضوا لانتهاكات داخل سجون قرنادة يقول: “كنا أربعة، وحطونا في السيارة بين شتم وسب. بقينا 4 أيام في تعذيب وأمور منقدرش نوصفها لك إلا لو تذكرتها، في السجون الملابس قميئة وكان هناك شخص اسمه (ع.ع) مدخلي كانت كلمته تمشي على مأمور السجن، ولم يكن على لسانهم سوى أنتم إرهابيون إخوان، شاركتم في الثورة“.

وفي سجون المداخلة، تتعرض النساء لعدد من الانتهاكات على يد قوات مدخلية، فبحسب تقرير الأمم المتحدة، فقد تعرض عدد من المسجونات للتعذيب ولانتهاكات عديدة مثل الضرب والجلد وجذب الشعر والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي في مركز الاحتجاز! وفي تقرير آخر أعدته شبكة الجزيرة بعنوان كُن في سجون حفتر” فقد تعرضت عشرات القصص إلى الانتهاكات في سجون المداخلة، وبحسب التقرير أيضافإن معظم السجون في شرق البلاد وغربها تُدار من قِبل الفرقة المدخلية المتشددة، كما أن جميع أقسام مكافحة الجريمة يديرها أصحاب الفكر المدخلي“.

تذكر إحدى النساء المعتقلات لدى المداخلة في كتيبة التوحيد السلفية ببنغازي: “واجهت من سجانيها الجدد ما لم يخطر لي على بال، تم تقييدي بسلاسل ووضعي في غرفة مظلمة تماما وضربي بالعصي وبالأحذية على وجهي، ما زالت آثارها باقية. وجردوني من ملابسي لكنهم لم يلمسوني، وكنت أسمع صراخا لمعتقلات بجواري من شدة التعذيب“. وأخرى احتجزوها وطفليها رهائن لمدة عام ليُسلم زوجها نفسه، وقد كان مقاتلا في صفوف مجلس شورى ثوار بنغازي“.

نادر العمراني ورفاقه.. قتل العلماء على الطريقة المدخلية

المدخلية يدعون أنهم يُناصرون التوحيد ويعملون بالكتاب والسنة وهم يقاتلون تحت راية حفتر، عملاء المخابرات السعودية هم من قتلوا الشيخ نادر العمراني رحمة الله عليه.

قتلوا عشرات بل ربما مئاتمن العلماء والدعاة ومحفظي القرآن في بني غازي!”   (الشيخ صادق الغرياني مفتي ليبيا)

مالكية مالكية.. ما نبغوها مدخلية

كان هذا الهتاف هو الهتاف الذي صاحب جنازة الشيخ نادر العمراني، نائب المفتي وأستاذ الحديث البارز، قبل أن يقوم مدخلي تابع لقوات الردع الخاصة بطرابلس بتصفيته وهو ذاهب لصلاة الفجر!

عُرف العمراني بجديته العلمية، فحصل على الليسانس والماجستير والدكتوراه بامتياز، ونشط في تعليم الحديث والتدريس، وتولى إدارة فروع وزارة الأوقاف بعد الثورة، وعُرف عنه موقفه الموالي للثورة ودعم الثوار، والشجاعة في الحق وانتقاد ممارسات المداخلة ووصفها بأنها ليست الإسلام الصحيح.

خُطف الشيخ العمراني من قِبل مجهولين في أكتوبر/تشرين الأول 2016 ليُعلن قتله بعد شهر على يد أحد المداخلة بعد خطفه وهو في طريقه إلى صلاة الفجر بدعوى أنه من الخوارج المعارضين لوليّ الأمر. اعترف المدخلي الذي قام بهذه العملية أنه تم التنسيق لها مع عدد من المداخلة قبل ثلاثة أشهر، وقد افتى لهم بهذه الفتوى أحد الطلبة الذين حضروا دروس محمد سعيد رسلان، المدخلي المصري، وهو ما لاقى استنكارا من جهات علمية ودعوية على مستوى العالم .

كما تعرض عدد من المشايخ والدعاة للانتهاكات على أيدي المداخلة، منهم الشيخ مراد القماطي في طرابلس، والشيخ ظافر الثابت خطيب مسجد مصعب بن عمير بعدما انتقد المداخلة في خطبة، فتم اعتقاله ولفقوا له تهمة كيدية اغتصاب طفلعمره عشر سنوات، حيث تعرض للتعذيب والقتل المعنوي إعلاميا وعلى مواقع التواصل، ثم تم إطلاق سراحه بعد براءته لكن بعدما لم يعد له صوت.

وتم اعتقال عدد كبير من طلبة العلم المعادين لحفتر في طرابلس بالغرب على يد قوات الردع، ثم تداعت الأنباء أنهم قد قُتلوا ومات بعضهم بسبب المرض في سجون المداخلة التي تتخذ كتيبة الردع من منطقة سوق الجمعة ومطار معيتيقة مركزا لعملياتها باسم محاربة تهريب المخدرات، بينما تقوم باعتقال أي ليبي من التوجه الإسلامي والدعاة ذوي الميول لثوار 17 فبراير، أو إيداعهم في سجنها سجن معيتيقة“. ولا يُستثنى من ذلك أحد، حتى ناشطو حقوق الإنسان، وحركة المجتمع المدني، والأكاديميون والمثقفون، يتعرضون للاضطهاد والتهديد، والاعتقال، ويخافون المجاهرة بانتقاد تصرفات المداخلة الإجرامية خوفا من الاختفاء والاختطاف.

وبحسب مصادر أمنية في طرابلس فإن أي شخص مطلوب من طرف حكومة الكرامة يتم إلقاء القبض عليه في طرابلس من طرف كتيبة الردع التي يديرها عبد الرؤوف كاره، وأن منظومة المطلوبين للكرامة متصلة مباشرة بجماعة كاره“. أما في الشرق فإن الشيوخ والخطباء كانوا يُقتلون بالجملة وتُرمى جثثهم في مكبات القمامة بعد سيطرة المداخلة على الشرق. فقد تم قتل محمد باكير الملقب بالنحلة، وقد ورد اسمه في تقرير الأمم المتحدة، وقد مات تحت التعذيب عند قوة مكافحة الجريمة في مصراتة.

وممن قتلهم المداخلة كان الشيخ نبيل ساطي، وهو من رموز ثورة فبراير، وقد كان الخطيب في ساحة المحكمة في بنغازي أثناء مظاهرات الثورة في 2011، وقد اغتاله مداخلة الشرق في بنغازي. واعتقل المداخلة طالب علم صغيرا عمره 14 سنة واسمه وائل المالكي، ولا يُعلم عنه شيء منذ اعتقاله. وقُتل كذلك الشيخ عبد الهادي العريبي إمام مسجد نور الرحمن بحي الزاوية ببنغازي ومساعده الشيخ أحمد سيدي، وقد اختُطفا بعد صلاة الفجر وبعدها عُثر على جثتيهما.

وقُتل الشيخ عبد الرحمن الدلح، وهو إمام وخطيب ومحفظ القرآن بمسجد الخندق ببنغازي، وقد اعتُقل من بيته بالليل وبعد أيام وُجدت جثته على قارعة الطريق. وكذلك الشيخ محمد الصبيحي إمام وخطيب ومحفظ بمسجد الحليس، حاز الماجستير من القاهرة، وبعد رجوعه اختُطف من بيته ووُجد مقتولا بعدها. والشيخ سليم بعيو، وهو إمام ومحفظ القرآن بمسجد سودة بنت زمعة. والشيخ منصور البرعصي، وهو صاحب جهد للإصلاح بين مكونات الثوار وقوات الصاعقة ببنغازي، اغتيل وهو خارج لصلاة الفجر في سيارته.

والشيخ محمد بوشعالة، وهو من كبار محفظي القرآن ببنغازي، وقد طُرد من بيته وأحرق البيت بعد ذلك، فتوفي الشيخ متأثرا مما جرى له. والشيخ عبد السلام صويد، والشيخ موسى البرعصي اختُطف في البيضاء وقُتل ومثّلوا بجثته.

خاتمة

كانت هذه بعض الدماء التي أسالها المداخلة في ليبيا، والحوادث التي اقترفوها، مع ضعف في العلم الديني وضحالة ثقافية لا تخفى. ولا يدري أحد على وجه اليقين ما الذي ستشهده ليبيا في الأيام القادمة، لكن استشرافنا أن المداخلة سينقسم بعضهم على بعض بعد فترة من الزمان كما هي عادتهم، إذ إن منهجهم لا يسمح بالاستمرار والتماسك مدة طويلة، كما سيلعب المداخلة دورا عابرا للقارات والبلدان، إذ أصبحوا بما مثلوه في ليبيا (واليمن كذلك) حالة يمكن استغلالها ودعمها في بلدان أخرى لها ظروف مشابهة.

***

محمد فتوح ـ محرر رواق

___________