Minbar Libya

بقلم كمال بن يونس

تتأهب تونس، التي ترأس القمة العربية وتستعد لعضوية مجلس الأمن الدولي، لاستضافة اجتماع جديد لوزراء خارجية دول جوار ليبيا المباشرين، مصر والجزائر وتونس.

الجزء الثاني

تهديدات حفتر لتونس والجزائر

وفي سياق متصل، توشك الحرب في ليبيا ومعها الحراك السياسي الديمقراطي في الجزائر أن يعقّدا المشهد السياسي أكثر في تونس ويتسببا في تغييرات جوهرية في التحالفات الانتخابية والسياسية القادمة.

بعض الزعماء السياسيين مثل الرئيس السابق المنصف المرزوقي، زعيم حزب «حراك تونس الإرادة»، الذي يخوض حملة انتخابية وإعلامية سابقة لأوانها، أدلوا بتصريحات تربط بين القتال الحالي في ليبيا والحراك الشعبي السلمي في الجزائر والسودان من أجل التغيير والإصلاح السياسي. وذهب بعض أنصار المرزوقي إلى حد اعتبار اندلاع «حرب طرابلس» في توقيت انتصار الحراك الشعبي السلمي نفسه في الجزائر «محاولة من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية لإجهاض الانتقال الديمقراطي في تونس والجزائر والسودان»، عبر جرّ هذه الدول مجددا نحو مربع التصعيد الأمني والعسكري… حسب زعمهم.

وفيما يتعلق بالموقف الجزائري، قال وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم في تونس إن «الحراك الشعبي الديمقراطي في الجزائر لن يشغل القوات المسلحة الجزائرية عن حماية حدود البلاد الشرقية من جهة ليبيا وتونس». وتابع مشدداً على أن «هذا الحراك لم يؤد إلى تغير موقف الجزائر وتونس من التسوية السياسية وتشجيع الفرقاء على تطبيق خريطة الطريق الأممية فيما يخص عقد المؤتمر الوطني الجامع والإعداد للانتخابات المتفق عليها في مشاورات روما وباريس وأبوظبي ثم في القمة العربية الـ30 بتونس».

الأزمة الاقتصادية والمالية

في هذه الأثناء تتكاثر علامات الاستفهام حول التبعات الاقتصادية… ماذا عن الانعكاسات المالية والاقتصادية للحرب في ليبيا والمتغيرات السياسية السريعة في الجزائر على «جارتهما» تونس؟ لوحات تسجيل السيارات الليبية والجزائرية التي انتشرت في شوارع المدن التونسية وطرقاتها وفنادقها السياحية في الفترة الأخيرة تكشف ارتفاعاً كبيراً في عدد الليبيين والجزائريين.

بطبيعة الحال، ثمة من يربط هذه الظاهرة بسياح وافدين ارتفعت أعدادهم فجأة بمناسبة حلول شهر رمضان. لكن ثمة من يتساءل أيضاً عن إمكانية أن يكون هذا المشهد تعبيراً عن ظاهرة فرار جماعي من الحرب في ليبيا ومن المظاهرات في الجزائر؟

السلطات التونسية والليبية والجزائرية، في هذه الأثناء، تسعى إلى طمأنة مواطنيها عبر الإعلان عن جلسات تنسيق وتشاور رفيعة المستوى بين سلطات العواصم الثلاث، بما في ذلك في مجال تنظيم حركة المسافرين والسياح والفارين من الحرب والاضطرابات. إلا أن الخبير الاقتصادي التونسي رضا الشكندالي يسجل أن «التجارب السابقة أثبتت أن الحرب في ليبيا وحالة اللااستقرار في الجزائر خلال عقد التسعينات من القرن الماضي تسببتا في فرار مئات الآلاف من الليبيين والجزائريين من ضعاف الحال إلى تونس».
ويعني تضخم عدد الفارين من الحرب والاضطرابات بالنسبة لتونس أعباء مالية إضافية بالنسبة لميزانية الدولة التونسية، التي تشكو أصلاً من صعوبات كثيرة… من بينها تضخم أعباء الدعم للمواد الغذائية والأساسية مثل المحروقات. ولقد ارتفعت قيمة تلك الأعباء من أقل من نصف مليار دولار أميركي في 2010 إلى أكثر من ملياري دولار سنوياً العام الماضي. ويمكن أن تتضخم هذه الأعباء أكثر إذا ما سجّل عدد النازحين واللاجئين الليبيين والجزائريين أرقاماً قياسية… فناهز المليون شخص أو المليونين؛ غالبيتهم من أبناء الطبقات الشعبية والوسطى.

في المقابل، يرى الخبير في الشؤون الدولية أيمن بن عبد الرزاق أنه يمكن أن يساهم فرار الميسورين والأغنياء من نيران الحرب في ليبيا ومن أجواء المظاهرات في الجزائر «في دعم سياحة الفنادق الفخمة في العاصمة تونس والمناطق السياحية الحدودية مثل طبرقة – عين دراهم، على الحدود مع الجزائر، وجربة – جرجيس على الحدود مع ليبيا».

وفي هذا المجال، تقدر وزارة السياحة التونسية عدد السياح الليبيين والجزائريين بنحو 4 ملايين سنوياً. ويوفر هؤلاء كميات من العملات الجنبية للخزينة التونسية تفوق تلك التي توفرها عائدات سياحة المجموعات الأوروبية التقليدية. غير أن الخبير الاقتصادي جمال العويديدي، يقول متخوفاً أن «اضطراب الأوضاع الاقتصادية والمالية وتفاقمها في غرب ليبيا، وكذلك استمرار الغموض حول مستقبل الجزائر، يمكن أن يتسببا بحرمان الدولة التونسية من نحو نصف مواردها من العملات الأجنبية».

تونس تعيش هاجسي الهجرة غير الشرعية والإرهاب

على الرغم من التطمينات التي قدّمها رسميون تونسيون وليبيون وجزائريون، في الآونة الأخيرة، صدرت تصريحات تكشف تخوف سلطات تونس وعدد من دول حوض المتوسط الأوسط – بينها إيطاليا – من نزوح أعداد هائلة من الفارين من الحرب الليبية نحو تونس والسواحل الجنوبية لأوروبا. وبالنسبة لإيطاليا، تتركز الخشية من التدفق عبر بوابة الجزر الإيطالية التي لا يبعد بعضها عن السواحل التونسية والليبية أكثر من ساعتين بزورق صيد عادي.

وفي هذا الصدد، أعرب رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، خلال مؤتمر صحافي عقده في تونس مع نظيره الإيطالي جوزيبي كونتي، عن المخاوف إزاء نزوح عدد كبير من الليبيين إلى تونس كما حدث عام 2011. وأورد الشاهد أن «تونس وإيطاليا من أكثر الدول تضرراً من النزاع في ليبيا منذ 2011، وثمة تخوف من تكرار تجربة 2011 بشأن نزوح اللاجئين إلى تونس بعدد كبير». وأردف أن «الوضع الأمني في ليبيا مقلق جداً… وتبقى تونس وإيطاليا على أقصى درجات الحذر».

أيضاً أشار الشاهد إلى وجود تخوف من الإرهاب، لا سيما أن الحدود بين الحدود التونسية الليبية تمتد لأكثر من 500 كلم، قبل أن يشير إلى أن قوات الأمن التونسية مستنفرة على طول الحدود.
ومن جهة ثانية، حذر مصدر أمني تونسي رفيع من «مخاطر عودة العنف السياسي والجريمة المنظمة والإرهاب في صورة توسع مناطق الاقتتال والحرب في ليبيا، وتوظيف مجموعات متحالفة مع جماعات (القاعدة) و(داعش) للأوضاع خدمة لأجندتها الإرهابية». وفي السياق ذاته، أكد وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي «وجود مخاطر أمنية جديدة من جهة الحدود بين تونس وليبيا»، لكنه أكد أن «قوات الجيش والأمن في حالة طوارئ وأجهضت محاولات جديدة للنيل من أمن البلاد وانتهاك قوانينها».

وبالاتجاه نفسه، أعلن وزير الداخلية التونسي هشام الفراتي بعد زيارته الحدود التونسية الليبية والتونسية والجزائرية أن حركة المسافرين في الاتجاهين تحت السيطرة، بالتنسيق مع نظيريه في طرابلس والجزائر، لكن الأستاذ الجامعي والخبير التونسي علية العلاني دعا إلى أخذ ملف المخاطر الأمنية على مأخذ الجد. وحذر العلاني من فرضية استفحال تهريب السلع والسلاح وتسلل إرهابيين ليبين وجزائريين إلى تونس بين آلاف النازحين والمهاجرين المدنيين.

ولكن، رغم كل الجهود المبذولة والطمأنة الرسمية، فما زال بعض السياسيين والمراقبين في تونس متخوفين من تعقد الأوضاع في ليبيا والجزائر ما يجعل تونس عرضة لمخاطر أكبر على حد تعبير الوزير ناجي جلول، مستشار الرئيس التونسي والقيادي في حزب «نداء تونس».

جلول أورد في تصريح صحافي أن تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، المقرّر تنظيمها خلال العام الحالي وارد؛ تطبيقاً للفصل الـ80 من الدستور التونسي، الذي يسمح بمثل هذا القرار في صورة تعرّض البلاد لما يسمى «الخطر الداهم». وأوضح القيادي في الحزب الحاكم التونسي أن أطرافاً كثيرة قد تعتبر الحرب التي تدور رحاها حالياً في ليبيا، والمتغيرات المتسارعة في الجزائر، ومسألة الإرهاب من بين الحجج الكافية لتبرير إعلان قرار بتأجيل الانتخابات، وذلك بسبب المخاطر الأمنية وقلة جاهزية قوات الأمن والجيش لمواجهتها مجتمعة وتأمين تنظيم انتخابات عامة في ظروف عادية.

وهكذا، وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات الأيام المقبلة تحبس تونس، شعباً وسلطة، أنفاسها… ويزداد اصطفاف السياسيين وزعماء الأحزاب حول أحد المحورين اللذين يخوضان اقتتالاً شرساً منذ أسابيع في ليبيا «في حرب لن يكون فيها أي منتصر»، وفق توقعات رئيس الحكومة الإيطالية.

***

كمال بن يونس ـ رئيس مؤسسة ابن رشد للدراسات العربية والأفريقية. تونس

___________

المغاربي للدراسات والتحاليل