Minbar Libya

بقلم عبد الله كمال

بعد هجوم «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس في بداية أبريل (نسيان) الماضي، دخلت الأزمة في ليبيا فصلاً جديدًا من التأزم.

الجزء الأول

شهدت المعارك التي تجري بين جيش حفتر والقوّات التابعة لحكومة الوفاق الوطني بقيادة السرّاج سقوط أكثر من 278 قتيلاً وأكثر من 1300 جريحًا.

وتتّخذ هذه الحرب المشتعلة بين الفرقاء الليبيّين أهمّية بالغة بسبب موقع ليبيا الاستراتيجي من جهة، والأطراف الدولية المتدخّلة في الأزمة والتي تقف خلف كل طرف، إذ يرى مراقبون أنها فصل جديد في الصراع بين قوى الربيع العربي وقوى الثورة المضادّة.

وكان الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي قد وصف اعتداء قوّات حفتر على طرابلس بأنّها «مركز الصراع بين الربيع العربي وبين «محور الشرّ» الإماراتي السعودي المصري»، إذ إنّ حفتر يحظى بدعم كلّ من مصر والسعودية والإمارات، بينما تحظى حكومة السرّاج بدعم الأتراك والقطريّين، في حين تلعب القوى الكبرى كالولايات المتّحدة وبريطانيا دور المحايد رسميًّا.

لكن اللاعب الذي يثير دوره الجدل في الساحة الليبيّة هو فرنسا، إذ إنّ دعمها الدبلوماسي للجنرال حفتر طرح العديد من التساؤلات عن دوافع هذا التوجّه وطبيعة المصالح التي تسعى نحوها، خصوصًا أنّ هذا الموقف قد احدث انشقاقًا داخل الاتحاد الأوروبيّ، وتسبّب لها في الكثير من الانتقادات من طرف الصحافة والمراقبين، فلماذا تدعم فرنسا الجنرال الليبي؟

حلف غير متوقّع.. فرنسا إلى جانب مصر والسعودية والإمارات

لا يمكن عزل الموقف الفرنسي في ليبيا عن النفوذ المتزايد لماكرون لدى أكبر داعمي المشير خليفة حفتر، السعودية والإمارات، فمنذ مجيء ماكرون إلى السلطة سنة 2017، عمل على تقوية علاقات بلاده مع كلا الدولتيْن وإبرام صفقات أسلحة بلغت مليارات الدولارات،

بالإضافة إلى نسج علاقات سياسيّة واستغلال نفوذ بلاده للتأثير على سياسات هذه الدول، لينتقل هذا الحلف إلى الساحة الليبيّة التي شهدت تقاطع مصالح هذه الدول جميعها عند شخص واحد: خليفة حفتر.

«أنا قلق، لقد أخبرتك، لكن لا تستمع إليّ»

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الفرنسي ماكرون وليَّ العهد السعوديّ حول قضيّة خاشقجي، بنبرة وأسلوب يشبه ذلك الذي يستعمله المعلّم مع تلميذه الطيّع.

كانت هذه الكلمات خلال قمّة الدول العشرين التي جرت خلال السياق الملتهب المتعلّق بمقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعوديّة باسطنبول.

العلاقة بين ماكرون والسعوديّة شهدت عدّة محطّات مهمّة عمل من خلالها الرئيس الفرنسي الشاب على بناء تحالف قويّ مع الأمير الصاعد في بيت آل سعود، فمن جهة يستخدم ماكرون الدبلوماسية الناعمة للتدخل في القضايا المختلفة، ومن جهة أخرى يضمن تدفّق السلاح الفرنسي إلى السعوديّة، وفوز الشركات الفرنسيّة بصفقات تقدّر بمليارات الدولارات.

لعل أبرز المواقف التي بيّنت على حجم النفوذ الفرنسي المتصاعد في بيت آل سعود كان تدخّل ماكرون من أجل حلّ أزمة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي احتُجز في السعوديّة لعدّة أسابيع وأجبر حسب مصادرعلى تلاوة بيان استقالته، قبل أن يتدخّل ماكرون لاستدعائه في «زيارة» إلى فرنسا، ثم عودته إلى لبنان.

«دبلوماسيّة صفقات السلاح» التي تستخدمها السعوديّة من أجل ضمان موقف الدول الكبرى كالولايات المتّحدة وفرنسا وبريطانيا، استطاعت من خلالها أن تُسكت قادة هذه البلدان على انتهاكات حقوق الانسان في اليمن وملفّ الصحافي خاشقجي.

وهو ما تأكّد من خلال تصريح ماكرون بأنّ إيقاف بيع الأسلحة الفرنسيّة إلى السعودية بسبب قضيّة الصحافي المقتول خاشقجي يعتبر «ديماغوجيّة»، بما فيها الدبّابات والصواريخ الموجّهة التي جرى بيعها للسعودية والإمارات يجري استخدامها في حرب اليمن، وهو ما فتح عليه بابًا واسعًا من الانتقادات.

مصر كانت أيضًا إحدى أركان هذا الحلف الذي يقف خلف المشير حفتر، والتي عرفت بدورها علاقات استراتيجيّة مع الفرنسيّين، عمادها صفقات أسلحة بلغت 2.5 مليار دولار، بعد صفقة طائرات «رافال» التي بلغت أكثر من مليار دولار سنة 2015.

بعيدًا عن حجم تأثير هذه العلاقات بين فرنسا من جهة ومصر والخليجيّين من جهة أخرى، فإنّ زيارات ماكرون لهذه البلدان وتمسّكه بصفقات السلاح رغم الانتقادات الهائلة التي يتعرّض لها من الصحافة ومنظّمات حقوق الانسان، تبيّن على توجّه فرنسا نحو الاستعانة بـ«القادة الأقوياء».

أولئك هم الذين يمكن الاعتماد عليهم في المقاربات الأمنيّة ومشاريع الحرب على الإرهاب وإيقاف الهجرة غير الشرعيّة، بغضّ النظر عن السجلّ الحقوقي والديمقراطي في بلدانهم، وهذا ما ينطبق على الجنرال حفتر في ليبيا.

التدخل الفرنسي في ليبيا يرجع إلى سنة 2011 حين قادت فرنسا الحلف الأطلسي من أجل الإطاحة بنظام القذّافي، لكن سرعان ما وجدت نفسها أمام فوضى عارمة وحرب أهليّة دمويّة بين فرقاء ليبيا ما بعد القذّافي، خصوصًا بعد حادثة مقتل السفير الأمريكي في مدينة بن غازي 2012 ثم صعود «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) هناك.

ذلك ما جعل الفرنسيّين يراهنون على المشير خليفة حفتر باعتباره الرجّل القويّ في ليبيا الذي سيستطيع إعادة شيء من الاستقرار والهدوء إلى الساحة الليبية، إذ يعتبر الفرنسيون حفتر أمرًا واقعًا يفرض نفسه في الميدان.

التكملة في الجزء الثاني

***

عبد الله كمال ـ مدون وكاتب صحافي جزائري

________

ساسة بوست