Minbar Libya

يحقق أتباع المذهب السلفي المدخلي حضوراً بارزاً على جانبي الانقسام الليبي، الأمر الذي يثير المخاوف حيال الأجندات المتشددة التي يتم فرضها من خلال المؤسسات العسكرية والدينية. ينبغي أن يضمن المفاوضون أن تكون قوات الأمن التي تجري إعادة بنائها حيادية سياسياً وأن يتعهد المداخلة باحترام التعددية.

الجزء الرابع

دور المداخلة في المجموعات المسلحة

وفر الصراع الذي بدأ في العام 2014 فرصا للمداخلة لحمل السلاح. في بنغازي، وشعورا منهم بالاضطهاد بسبب اغتيال عدد من السلفيين النشطين في القطاع الأمني في عامي 2013 و 2014 من قبل مسلحين غير معروفين، انضموا إلى عملية الكرامة وهي التحالف الذي يضم عسكريين وقوات محلية أطلقها في مايو 2014 خليفة حفتر، الذي كان ضابطا كبيرا في جيش القذافي وغادر البلاد وتحول إلى المعارضة في ثمانينيات القرن العشرين، وعاد إلى البلاد بعد العام 2011.

تناغم خطاب حملة حفتر، الذي وصف عمليته بأنه حرب على الإرهابووصفه للإخوان المسلمين والآخرين. منذ البداية، وصم حفتر وقواته خصومهم ومنتقديهم غير الإسلاميين ـ بما في ذلك حلفائهم السابقين واحيانا حتى المسؤولين غير الليبيين ـ بأنهم أعضاء في الإخوان ومتعاطفين معهم، ما كان يعني أن عمليته نشرت شبكة واسعة النطاق.

دفعت المخاوف من أن حفتر أراد فرض نفسه كماكم عسكري، إضافة إلى حصيلة الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو 2014، التي بدا أنها تغير الاتجاه السياسي لصالح عملية الكرامة التي يقودها، دفعت تحالف من المجموعات المسلحة الإسلامية وغير الإسلامية المعادية لحفتر وحلفاءه لإطلاق عملية فجر ليبيا، لإخراج القوت المتحالفة مع حفتر من العاصمة.

أتاح هذا التحول مجالا سمح للمجموعات المسلحة في طرابلس والتي تضم المداخلة في صفوفها للتوسع. رغم أن العديد من رفاقهم المداخلة في شرق ليبيا كانوا قد انضموا إلى حفتر حينذاك، فإن أولئك الموجودين في طرابلس ركزوا بدلا من ذلك على بناء شبكة نفوذهم داخل المؤسسات من خلال الإنضمام إلى بعض أكبر المجموعات المسلحة في العاصمة والتعايش ـ ولو بقلق ـ مع مجموعات مسلحة أخرى كانوا، لولا ذلك، مختلفين معها، سياسيا وعقائديا.

أـ في الشرق

دفع اغتيال عدة سلفيين في بنغازي من أواسط العام 2013 وحتى مطلع العام 2014 ـ وخصوصا قتل العقيد كمال بزازة، وهو إمام معروف كان يعمل أيضا في مديرية أمن بنغازي ـ إضافة إلى العداء القديم مع الإخوان المسلمين والإسلاميين الآخرين، دفع مدخلي المدينة إلى الإنضمام إلى عملية الكرامة، وهي الحملة التي شنها ضد الإسلاميين، بعد إطلاقها في مايو 2014 بوقت قصير.

كان المقاتلين المداخلة جزءً من عدة وحدات شاركت في الحملة في بنغازي والمناطق المحيطة بها، بما في ذلك في قوات الصاعقة الخاصة، لكنهم شكلوا أيضا مجموعات مسلحة سلفية بشكل واضح تحت مظلة عملية الكرامة.

انضمت المجموعات المسلحة المدخلية إلى الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر اعتبارا من العام 2014 ـ ومنذ مطلع العام 2018 بتشجيع علني من المدخلي نفسه، الذي أصدر فتوى داعمة لحفتر ـ وأصبح محوريا في قوته القتالية.

نظرا لتمكينهم نتيجة لذلك، فإن رجال الدين المداخلة يهيمون الآن على الفرع الشرقي للهيئة العامة للأوقاف والشؤون الدينية، وهي المؤسسة الحكومية التي تدير المساجد.

لقد أصدرت اللجنة العليا للإفتاء التابعة للهيئة أحيانا فتاوى دينية مسيسة للغاية، لما في ذلك عدة فتاوى تتعلق بالصراع، حيث تشجع على سبيل المثال الناس على القتال مع الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر ضد أعدائه، الذين تصفهم بـ الخوارج“. لقد أدت جهود الهيئة في محاولة فرض أجندتها العقائدية إلى الإصطدام بعبد الله الثني، رئيس الحكومة غير المعترف مع حفتر والتي تتخذ أيضا من شرق ليبيا مقرا لها.

في ديسمبر 2018، حاول الثني كبح جماح مدير الهيئة العامة، متهما إياه باستيراد ايديولوجيات خارجية مضرة بالانسجام الاجتماعي والأمن الوطني.

في حين ينزع حفتر إلى التقليل من أهمية دورهم ـ لأنه يتعارض مع محاولاته تصوير نفسه على أنه قائد جيش محترف وشرعي وتقديم عملية الكرامة لليبيين والحلفاء العرب على أنها ضد الاسلاميين، بينما يقدمها للغرب على أنها علمانيةـ فإن المداخلة الذين انضموا إلى عملية حفتر كان ينظر إليهم على أنهم المقاتلين الأكثر تصميما.

مؤيدوهم في شرق ليبيا غالبا ما يصفونهم بأنهم العمود الفقريللجهوم أو قوات الاقتحام في عملية حفتر“. على حد تعبير أحد مستشاري حفتر السابقين، فإن المداخلة هم الذين قاموا بالقتال الحقيقي من أجل حفتر. لقد تعرضوا لخسائر فادحة في الأرواح“.

شخصية أخرى من شرق ليبيا لاحظت أنه في بعض الأحيان أرسل المقاتلون المداخلة في عمليات ما كان مقاتلون آخرون لينضموا إليها لأسباب قبلية، وقال: إن حقيقة أن المداخلة مدفوعين بأيديولوجيا تعلو على الاعتبارات القبلية تعني أنهم مفيدين في الحالات التي كان المقاتلون الذين انضموا إلى عملية حفتر يترددون في القيام بها بسبب الحساسيات القبلية“.

في طليعة المجموعات المدخلية الشرقية كانت كتيبة التوحيد، التي تأسست في بنغازي في المراحل الأولى من عملية الكرامة، ومجموعة أخرى بقيادة أشرف الميار تعرف بإسم كتيبة السلفية.

كان الميار يظهر بشكل متكرر في صور مع حفتر وكان يتم استقباله من قبل حلفاء حفتر في مجلس النواب في مدينة طبرق الشرقية. في يونيو 2017، لاحظت لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا أن القادة السلفيين في تحالف حفتر كانوا قد دعوا إلى إعدام المرتدين“.

كما ذكرت اللجنة إفادات تتعلق بـ قسم خاصفي سجن قرنادة في شحات، في شرق ليبيا، يشرف عليه عضوان من كتيبة التوحيد، حيث يزعم أن عمليات ضرب وتعذيب تجري هناك. رعت التوحيد أعضاء في اجدابيا والبيضاء قبل أن يصدر حفتر مرسوما في فبراير 2017 بحل الكتيبة، حيث انضم أفرادها إلى تشكيلات أخرى، بما في ذلك وحدة جديدة سميت كتيبة 210، التي تنشر حساباتها على وسائط التواصل الاجتماعي بشكل متكرر مديحا للمدخلي.

أتى قرار حل كتيبة التوحيد بعد أن بدأ سكان بنغازي بطرح أسئلة حول أهدافها بعيدة المدى والأشخاص المرتبطين بها، خصوصا أيديولوجيتها المحافظة المتشددة.

مع تقدم حفتر في بنغازي اعتبارا من 2015 فصاعدا، سيطر المداخلة على المساجد والمؤسسات الدينية. بل إن بعض السكان بدأ يطلق عليهم أنصار شريعةأخرى ـ في إشارة إلى المجموعات السلفية الجهادية التي وحدت صفوفها مع التحالف المعادي لحفتر المعروف بمجلس شورى ثوار بنغازي.

على حد تعبير أحد سكان بنغازي، دعمنا حفتر للتخلص من أنصار الشريعة والآن نرى هؤلاء الناس يتمكنون نتيجة لذلك. إنهم مسلحون، وهم سلفيون متشددون ويحاولون فرض أفكارهم علينا. ما الفرق بين الإثنين؟

كما أتى قرار حفتر بحل كتيبة التوحيد بعد ظهور مخاوف متنامية بين شخصيات عسكرية محورية داخل تحالفه حول دور المداخلة والحاجة إلى تخفيف النفوذ السلفي في الجيش الوطني الليبي بشكل عام. وبسبب الطريقة التي بنى فيها حفتر تحالفه اعتبارا من مايو 2014 فصاعدا، حيث جمع ضباطا مستائين في دوائر الجيش الوطني الليبي، حيث اخترقوا الوحدات النظامية للجيش والبنية الأمنية الأوسع في بنغازي.

إحدى الوحدات التي يهيمن عليها المداخلة في الجيش الوطني الليبي هي كتيبة طارق بن زياد. لفتت هذه الكتيبة الإنتباه في فبراير 2017. بعد نشر فيديو لإعدام من اشتبه بأنه مقاتل في تنظيم الدولة الاسلامية من بنغازي. في نوفمبر 2017، اعتقل أحد أفراد الكتيبة، محمد الفكري، من قبل أفراد في الجيش الوطني الليبي في بنغازي لعلاقته بما بدا أنه إعدام دون محاكمة لـ 36 رجلا في بلدة الأبيار التي يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي.

طبقا لتقارير إعلامية محلية، فإن أحد أولئك الذين قتلوا، قتل على ما يزعم لأنه كان صوفيا، فقد كان رجلا متدينا في الواحدة والسبعين من العمر، الشيخ مفتاح البكوش الورفلي.

في مارس 2018، انضمت الكتيبة إلى عملية شنها حفتر في منطقة سبها جنوب ليبيا وشاركت في هجوم آخر في جنوب ليبيا في يناير 2019، حيث انضمت إلى المجموعات المسلحة التي يهيمن عليها المداخلة.

في أبريل 2019، تحركت قوات حفتر، المعززة ببعض المجموعات المدخلية، على طرابلس بهدن ظاهري هو أخضاع الميليشيات المحلية، وعزل الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة والسيطرة على السلطة.

كما كان نفوذ التيار المدخلي في الجيش الوطني الليبي واضحا في زيارة قام بها إلى ليبيا في مطلع العام 2017 أسامة العتيبي، وهو داعم مدخلي من السعودية، بدعوة من القيادة العامة للجيش الوطني الليبي. قام العتيبي بجولة ألقى فيها الخطب في شرق ليبيا ودُعي لزيارة الزنتان من قبل قائد المنطقة العسكرية الغربية في الجيش الوطني الليبي، إدريس مادي. ودفعت خططه لإلقاء محاضرات في طبرق ـ المدينة الشرقية التي يتخذ مجلس النواب منها مقرا له ـ دفعت إلى احتجاجات من قبل رئيس البلدية وسكان آخرين.

اللجنة العليا للإفتاء التي يهيمن عليها المداخلة في شرق ليبيا طلبت صراحة من القيادة العامة للجيش الوطني الليبي ورئاسة أركانه السماح لجنودهم بإطالة لحاهم وهو ما كان محظورا في الجيش الليبي.

من الملفت ملاحظة العدد الكبير من أفراد الجهاز الأمني في شرق ليبيا الذين يطلقون لحاهم الآن ويحلقون شواربهم على الطريقة السلفية. وقد أثار هذا مخاوف حول المدى الذي حققته الأيديولوجيا المدخلية في اختراق الجيش الوطني الليبي .

على حد تعبير أحد الأكاديميين في بنغازي: هذا يظهر نفوذ المداخلة في القطاع الأمني. كان إطلاق اللحى أمرا غير وارد من قبل في الجيش أو الشرطة الليبيين لكن المناخ يشجعها الآن“.

لقد أصدر المدخلي عددا من الفتاوي المتعلقة بالصراع الليبي من السعودية، ومعظمها كشف عن أجندة تركز بشكل أساسي على محاربة الأعداء الأيديولوجيين (خصوصا الإسلاميين الآخرين) بدلا م الوقوف إلى جانبي الصراع المؤسساتي بين السلطات الغربية والشرقية.

في فبراير 2015، أصدر فتوى يحظر فيها المشاركة في المعركة بين قوات حفتر والقوات المعادية له في غرب ليبيا، حتى مع انضمام السلفيين إلى تحالف حفتر.

لكن في العام التالي أصدر فتوى أخرى يدعو فيها جميع السلفيين في ليبيا إلى مواجهة سرايا الدفاع عن بنغازي، وهي مجموعة مسلحة شكلها عسكريون ورجال ميليشيات معادين لحفتر، بما في ذلك العديد من الإسلاميين الذين كانوا أعضاء في مجلس شورى ثوار بنغازي. كانت سرايا الدفاع عن بنغازي قد حصلت على موافقة المفتي العام في طرابلس، الصادق الغرياني، وهو أحد منتقدي المدخلي وأتباعه.

في فتوى أخرى نشرها على موقعه الخاص في يوليو 2017، أشار المدخلي مرة أخرى إلى بنغازي ودعا السلفيين إلى صد عدوانالإخوان المسلمين، الذين وصفهم بأنهم أكثر خطرا على السلفيين من اليهود والنصارى“.

انتقدت فتوى العام 2016 من قبل الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الدينية ومقرها طرابلس، التي اتهمت المدخلي ليس فقط بالتحريض بل أيضا بإساءة تمثيل القتال في بنغازي. كما أدينت من قبل الإخوان المسلمين الليبيين، الذين دعوا حكومة الوفاق الوطني لمناقشة ما وصفوه بـ التدخل الصارخ الذي يؤدي إلى الإحتكاك بين الليبيين والسلطات السعودية“.

لقد تطورت مقاربة المدخلي إلى احتضان أكثر صراحة لحفتر، خصوصا بعد نجاح الأخير في فرض سلطته في شرق ليبيا. في مطلع العام 2018، وزع أتباع المدخلي في ليبيا رسالة صوتية حث فيها شيخهم أتباعه صراحة على التوحد خلف حفتر. بالمقابل، بدأ حفتر يدافع علنا عن المداخلة بوصفهم حلفاءه، وأصر ـ في مقابلاته مع وسائل الأعلام الأجنبية على الأقل ـ على أنهم يؤمنون بسلطة الدولة ويحترمون الهيئات المنتخبة ديمقراطيا.

كما قلل أفراد الحلقة الداخلية لحفتر من أهمية القضية عندما طرح دبلوماسيون ونشطاء هواجسهم حيال مواقف المدخلي من الأقليات الدينية والمجتمع المدني. طبقا لفاضل الديب، المستشار السياسي لحفتر:

نحن في مرحلة نرحب فيها بكل من يرغب بالقتال مع الجيش الوطني الليبي. لا نستطيع أن نقول لا للسلفيين، ولا للأمازيغ (البربر، الذين ينتمي كثيرون منهم إلى المذهب الإباضي في الإسلام والذين يعتبرهم المداخلة مرتدين) أو أي شخص آخر. طالما أنهم يحترمون القانون العسكري ولا يقومون بالدعوة الدينية وهم في الجيش، يمكنهم الإنضمام إليه

يتبع .

____________________________