Minbar Libya

دراسة في أسباب التحول

بقلم محمد فتوح

بدأ التيار المدخلي في الانتشار بالمملكة العربية السعودية منذ حرب الخليج الثانية، وقد كان هذا التمدد في اتجاه مضاد لتيار الصحوة الذي انتشر وذاع صيته في هذا الوقت.

الجزء الثاني

شيطنة المعارضين

تعتبر فكرة الشيطنة للمخالف وعدم الالتقاء معه في منتصف الطريق، ثاني أهم الميزات المميزة للمداخلة بعد غلوهم في طاعة ولاة الأمور!

ومن هذا المنطلق يُرمى المخالفين السياسيين للحكام بمصطلحات شرعية مثل البدعة والفسق والخوارج.

كل ذلك دون اعتبار أو تفرقة لأصناف المعارضين أنفسهم أو لأنواع المظالم التي يطلب الناس بإسقاطها عن كاهلهم، مع تقديم هذه الأفكار كمُسلمات عقدية، وتعطيل تام كذلكللخلاف الفقهي القديم في حالات الخروج على وليّ الأمر وأشكال هذا الخروج المختلف وتطور مصطلح الخوارج ذاته.

وأن الخارجيين ليسوا بالضرورة عملاء ومأجورين أو خوارج مثل الخوارج الذين قاتلوا عثمان وعليّ، وهو ما فرق فيه الفقهاء قديما؛ يقول الإمام ابن حجر مفرقًا بين خروج الخوارج، وخروج البغاة، وخروج أهل الحق: “وقسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن عليّ، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط وهم البغاة” واعتبر ابن حجر أن هذا مذهب قديم للسلف.

احتكار الحق والنظرة المدخلية.

يُصدر المداخلة أنفسهم باعتبارهم الممثل الأوحد للصواب، وبناءً على هذا التمثيل يرى المداخلة سائر الفصائل الإسلامية دخيلة على الفكر الإسلامي، وإن كانت سلفية كذلك، وإنما هدفها إسقاط البلدان الإسلامية ومنهج السُنة!

يقول ربيع المدخليّ: “فأهل البدع لا بد من التحذير منهم، إذ إن كشف عوارهم، وبيان ضلالهم من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض، لأن هؤلاء خاضعون لقيادات بدعية ضالة متسترون مكرا باسم السلفية، لكنهم ما لبسوا لباس السلفية بقوة إلا ليتمكنوا من سحقها”.

ويتولد عن هذه الفكرة مناوئة المداخلة لكل الفصائل الأخرى وعدم الوثوق فيها، وقد بدأ هذا منذ اللحظة الأولى حين ناوئ المداخلة تيار الصحوة الذي عارض العائلة المالكة في استقدام قوات أمريكية، فانطلقت الرسائل والكتب والتسجيلات تنال من دعاة الصحوة وتصفهم بالخوارج والبغاة وتحث على سجنهم والتصدي لهم، بينما كان علماء الدين التقليدين في المملكة، والمعنيين أكثر بالأمر؛ على درجة أكبر من التفهم والاحتواء لشباب الصحوة هؤلاء مثل الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد صالح العثيمين.

كما أن ذلك يولد انغلاقًا على النفس، ما يلبث أن يتحول إلى رؤية أُحادية تُقصي كل من خرج عنها، ولا تتقبل وجهات النظر وتعددها، بل وتعمل على إسقاط كل الرموز الأخرى.

وهو ما حصل من المداخلة في حروبهم العاتية مع رموز الإسلاميين ومحاولة اسقاطهم والتجني عليهم، لاسيما رموز الإسلاميين الحركيين مثل؛ حسن البنا وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب ويوسف القرضاوي وعبد الله عزام!

الرصيد السابق من التعامل الأمني

يصرح المداخلة بالتعامل مع الأجهزة الأمنية، ويعتبرون هذا التعامل دينًا يدينون به، وهو ما أولاهم العديد من الرُتب والامتيازات في الأماكن والدوائر الوظيفية. ويستعين المداخلة بقربهم من الحكومات على تصفية معاركهم مع خصومهم من الإسلاميين على وجه الخصوص.

أتاحت وشائج الصلة تلك بين المداخلة والأجهزة الأمنية إمكانية واسعة للتوظيف والاستخدام، بل يتبرع المداخلة بذلك ويرون في ذلك دينيًا وواجبًا من صلب عقيدتهم، وقد غذت العديد من الأجهزة الأمنية هذه الوشائج ودعمت تواجد التيار المدخلي حتى أصبح القوى الدينية الضاربة لها والمتحركة باسمها، وهو ما تم في السعودية ومصر وليبيا، وقد ذكرنا في بداية الدراسة بدايات الاقتراب بين المدخلية ونظام القذافي السابق، متمثلًا هذا الاقتراب في رعاية الساعدي القذافي للتيار المدخلي.

كانت تلك بعض العوامل الداخلية المنبعثة من الفكر المدخلي نفسه، والتي أهلت المداخلة لخصومة الإسلاميين والحرب ضدهم تحت لواء خليفة حفتر في ليبيا، على الرغم من علمانية المشروع الذي يحمله، لكن هذه العلمانية تبدو في نظرهم أهون خطرًا عن المداخلة من الإسلاميين الحركيين والذين يعتبرونهم أخطر على الإسلام من أعداءه الأصليين، ومن اليهود والنصارى!

العوامل الإقليمية لتحويل المدخلية لمليشيات

جنبًا إلى جنب مع هذه العوامل الداخلية، اجتمع عدد من العوامل الإقليمية أهلت السلفية المدخلية للعبور إلى أقصى اليسار في ليبيا، لتحمل سلاحها المقدس في خدمة مشروع علماني، ومن هذه العوامل الإقليمية:

بروز السلفية المدخلية كتيار متجاوز للقارات

منذ عقود طويلة وشكلت ظاهرة السلفية ظاهرة عالمية، وعزز من انتشارها الدعم الذي دفعت به المملكة العربية السعودية منذ سبعينات القرن الماضي. وهو ما حول السلفية بمختلف تمظهراتهاإلى تيارات عالمية وإن كانت تفتقر إلى التنظيم.

فكما أن هناك سلفية عالمية جهادية، فهناك سلفية عالمية علمية، وأخرى حركية. وليست المدخلية بدعًا من ذلك، وهو ما جعل المدخلية تيار عالمي حقيقي له رموزه وقادته ومُوجهيه العابرين للقارات وإن لم يجمعهم تنظيم بالمعنى التقليدي.

وسيكون لهؤلاء الرموز دور كبير في توجيه هذا التيار في اليمن وليبيا، وتدعيم تشابكات الفتوى في المعارك القتالية التي ستنشأ في البلدين

ردة الربيع العربي وموقف المداخلة من الثورات

مثل الربيع العربي حالة صدمة عنيفة للفكر المدخلي، والذي يعتبر فكرًا سلفيًا مهادنًا على مر تاريخه، وأداة في يد استبداد الحكام. وهو ما جعل المداخلة في خانة الأعداء للثورات والفاعلين فيها، ولم يتسامحوا مع الثورات ومطالب الشعوب في الحرية والكرامة والعدالة.

بعد مرحلة انحسار الربيع العربي في مصر واليمن وليبيا، انقض المداخلة في تحالف مع قوى الثورة المضادة لإثبات نظريتهم في خطأ الثورات، وادانتها، وعملوا كذلك على إسقاط الإسلاميين، والذين يمثلوا خطرًا على المنهج الإسلامي النقي بحسب المداخلة، وهو من الأسباب التي دفعتهم للتعاون مع قوى علمانية وإقليمية ضد الإسلاميين الذين صعدوا لسُدة الحكم بعد الربيع العربي.

طبيعة البيئة الليبية بعد ثورة 17 فبراير.

ثم عامل أخر جعل المداخلة على هذا القدر من العنف بالأخص، ويتمثل في طبيعة البيئة الليبية بعد الثورة، والتي مالت إلى استعمال السلاح وفرض السيطرة، وتحقيق المكاسب بلغة القوة.

ساهم هذا المناخ في تشجيع المداخلة على استخدام القوة، وقد تمثل ابتداءً في إجبار بعض الأئمة والخطباء على ترك جدوله في الخطابة المحدد في الأوقاف، لصالح خطباء آخرين يعينهم المداخلة، وهو ما حذرت منه دار الإفتاء الليبية وعلى الرأس منها الصادق الغرياني، واعتبرت هذا لون من ألوان العبث بالدولة وعدم الثقة بأهل الدين.

وهذه الحالة من فرض السيطرة بالقوة ستتطور لاحقًا لإسكات الخصوم بقوة السلاح كذلك، ولن يجرؤ أحد على إظهار مخالفتهم علنًا.

تحولات السعودية وتمكين المداخلة

بينما حاول محمد بن سلمان الظهور بصورة الأمير المستنير، والذي يدفع بلاده نحو مزيد من اللبرلة والحداثة وتحجيم الدين عن الفضاء العام كما كان في السابق، فقد عمد ابن سلمان إلى إقصاء كل المخالفين له من النشطاء والمعارضين المُحتملين في حملة الاعتقالات التي شنها والتي عُرفت باعتقالات سبتمبر/أيلول من العام 2017.

فراغ ديني كبير خلف هذه الأعداد الفاعلة في الداخل السعودي والتي غُيبت خلف القضبان، وكان لزامًا أن يُسد هذا الفراغ بتيار أخر أكثر مُهادنة، ولا يتحدث في الوقت ذاته عن المنكرات الشرعية التي استحدثها الأمير الشاب.

كان المداخلة على الرأس من هؤلاء المتعاون معهم. فقد أقصت الحكومة تياراتهم المعادية من الإسلاميين، وعملت على توليتهم المناصب الدينية والإشراف الوعظي وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شريطة ألا يُنكر على وليّ الأمر أفعاله ولا منكراته، وهو ما عزز الفتاوى المدخلية المنادية بتمجيد وليّ الأمر وطاعته، والحط من المخالفين والزراية عليهم.

يتبع.

***

محمد فتوح ـ باحث مصري، مهتم بقضايا الاجتماع السياسي وقضايا الحركات الإسلامية المعاصرة

_____________