Minbar Libya

على عكس ما تنضح به تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السامية، وعلى نقيض المعلن من سياسة فرنسا الخارجية، يبدو أن باريس قررت الاعتماد على القوة لمعالجة المشكلات التي تقف في طريقها داخل أفريقيا، خاصة في ليبيا.وإن تعجب فعجبٌ تصنيف ماكرون الاستعمار، الذي هو «جزء من التاريخ الفرنسي» باعتباره «جريمة ضد الإنسانية»، حتى لو أغضب اليمينين المتطرفين من بني جلدته.

إن تحتر فكفيلٌ بزيادة حيرتك إعلان ماكرون حرصه على إعادة صياغة العلاقة مع المستعمرات الفرنسية السابقة، لكن عند الممارسة العملية، تتوافق أفعاله تمامًا مع شعار «دعنا نذهب إلى الحرب»، على حد قول يوسف طوبي في «المعهد الملكي للخدمات المتحدة».

«هذا البلد الذي كان منذ وقت قصير يفخر بكونه رمزًا لعدم التدخل في شؤون الآخرين ورفض التورط في العراق، ها هو اليوم يتواجد بشكل كبير  على أرض أجنبية، وتنتشر قواته في منطقة الساحل، حيث يستثمر ما لا يحصى من الوقت والموارد البشرية». 

و«يبدو أن أيام عدم التدخل الفرنسي قد ولت قبل أن تبدأ»، على حد قول طوبي في تحليله المعنون «فرنسا في أفريقيا.. إحياء النابوليونية؟».

صحيحٌ أن عودة الفرنسيين إلى ليبيا ضرورة استراتيجية لكنها تمثل أيضًا لغزًا سياسيًا، نحاول كشف بعض جوانبه في السطور التالية.

دقِّق النظر مرة أخرى.. ماكرون لا يلعب على حبلين

من ناحية، يعد انخراط باريس في ليبيا عنصرًا أساسيًا في احتواء تدفقات الهجرة نحو أوروبا، وكبح الإرهاب، وحماية الاستثمارات الأوروبية في المنطقة.

ومن ناحية أخرى، فإن تدخل فرنسا السابق في ليبيا، والفضائح السياسية التي تورط فيها الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، وتمويل القذافي حملته الانتخابية، يجعل الوجود الفرنسي في طرابلس مسألة حساسة للغاية.

ما بين الضرورة الاستراتيجية والحساسية السياسية، دفع هذا اللغز فرنسا إلى ترجيح الحل الأكثر أمانًا، وهو: وضع رجل قوي مثل خليفة حفتر في السلطة؛ لإقامة النظام في البلاد ووضع حد للفوضى.

بل إن الإلحاح الذي تبديه فرنسا حاليًا تجاه ليبيا، إلى جانب اهتمامها الاقتصادي الكبير بتوطيد عمليات الاستحواذ الأخيرة لشركة «توتال»، عملاق النفط الفرنسي، في صناعة النفط الليبية؛ قد يدفع باريس نحو دعم أكثر انفتاحًا لحفتر.

ولا يتوهمن أحدٌ بأن «أمير الحرب» يمكن أن يكون نموذجًا يُحتذى في احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية؛ أو أن الموقف الفرنسي يُحَرِّكه شيء غير «الواقعية الصارمة» التي يؤمن بها أولياء الأمر في فرنسا «أكثر من قيم فولتير»

وساطة تحت تهديد السلاح

«أريد أن أقول لماكرون ألا يمس ليبيا. وأطلب من أصدقائنا في فرنسا، عشاق الحرية، مساعدتنا. ماكرون يدعم الميليشيات، يدعم حفتر، وأطفالنا يموتون كل يوم» صرَّح بها متظاهر ليبي يُدعى جمال من ساحة الشهداء في طرابلس لـ«وكالة الأنباء الفرنسية»، بموازاة إعلان وزير داخلية حكومة الوفاق الليبية، فتحي باش أغا، وقف التعاون الأمني مع فرنسا؛ بسبب دعمها للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر.

قبلها بشهر تقريبًا، حاولت مجموعة مسلحة مكونة من 13 فرنسيًا، تحت غطاء دبلوماسي، اجتياز الحدود البرية التونسيةالليبية، على متن سيارات رباعية الدفع، عبر معبر رأس جدير على الحدود مع ليبيا، لكن السلطات التونسية أجبرتهم على تسليم أسلحتهم.

في اليوم ذاته، حاول زورقان مطاطيان على متنهما 11 شخصًا يحملون جنسيات أوروبية وجوازات دبلوماسية عبور الحدود البحرية بين البلدين، حسبما أعلن وزير الدّفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي.

وفي حين أصرت باريس على أن «المجموعة المسلحة» ليسوا سوى أعضاء فريق أمني مكلف بتأمين السفارة الفرنسية في ليبيا، بيد أن تقارير صحفية أشارت إلى أنهم «مستشارون عسكريون» كانوا يقدمون دعمًا لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

لكن بعد مقتل ثلاثة عسكريين فرنسيين في حادث طائرة هليكوبتر في يوليو (تموز) 2016، لم يعد بمقدور الجيش الفرنسي أن يستمر في إنكار نشر قواته الخاصة في ليبيا، وإن التزم الصمت أو الإنكار حتى الآن حيال الاتهامات بدعم جيش حفتر الوطني الليبي.

يتهم الليبيون فرنسا أيضًا بـ«عرقلة أي محاولات من جانب الاتحاد الأوروبي لإدانة حفتر؛ باعتباره معتديًا». ويضمون إليها روسيا في الاتهام بـ«عرقلة أي إدانة من مجلس الأمن الدولي لحفتر». بل وصلت العلاقات إلى نقطة هددت فيها حكومة السراج لفترة وجيزة باستخدام الإجراءات الروتينية لمنع أي شركات فرنسية من العمل في ليبيا.

أطلق السراج أقسى انتقاداته للدبلوماسية الفرنسية، منددًافي حديثه إلى صحيفة «ليبراسيون الفرنسية» –بدعم باريس لـ«ديكتاتور»، بدلًا من «حكومتنا الديمقراطية». وحمّل فرنسا «المسؤولية جزئيًا عن هجوم حفتر على طرابلس»، في مقابلة أخرى مع صحيفة «لوموند».

برغم هذا كله، لا تزال باريس متمسكة بادعائها بأنها وسيط غير منحاز في الصراع الليبي، و «لا تلعب على الحبلين»، مستشهدة دائمًا باعترافها بحكومة السراج باعتبارها الحكومة الرسمية الوحيدة في ليبيا، حتى لو ظلت في الوقت ذاته تدعم خليفة حفتر بقوة على أرض الواقع.

على الرغم من أن باريس لم تعترف رسميًا بتقديم الأسلحة والتدريب والاستخبارات ودعم القوات الخاصة إلى حفتر، يبدو أن باريس كانت متورطة على الأرجح منذ عام 2015 في تدريب وتشكيل قوات حفتر العسكرية، بل لم يخفِ حفتر علاقاته مع فرنسا، ولم يُبق شأن الأسلحة الحديثة التي تلقاها من باريس سرًا، ضاربًا عرض الحائط بحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا.

الجنرالات ضد الإسلاميين مجددًا

يختزل خبير العلاقات الدولية الإسرائيلي جوناثان سباير الصراع الدائر في ليبيا بين حكومة طرابلس ومليشيات حفتر في جملة واحدة: «جنرالات ضد إسلاميين»، أو بكلمات أخرى: «بين رجل عسكري طموح وحكومة شرعية هشة». يرى سباير أن «الأحداث في ليبيا تشير إلى أن سياسات العالم العربي ما زالت قائمة على التنافس بين الجنرالات والإسلاميين. وغالبًا لا ينتج عن القتال بينهما انتصار أي منهما، بل تدمير الساحة التي يتصارعون عليها».

لكن الباحث الحاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من كلية لندن للاقتصاد، ودرجة الماجستير في سياسة الشرق الأوسط من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، حينما يتحدث عن المستقبل فإنه لا يملك إلا التواضع مكتفيًا بالقول إن «نتائج المنافسة الدائرة في ليبيا الآن أبعد ما تكون عن اليقين»، مستندًا إلى عدة أسباب:

  • جيش حفتر الوطني، على الرغم من اسمه وخلفيته الاحترافية، ليس فقط قوة عسكرية نظامية، بل قوة تضم عددًا من الميليشيات المشكوك في قدراتها.

  • حتى لو استطاعت قوات الجنرال في النهاية الاستيلاء على طرابلس، فمن المرجح أن تستمر المعارضة الواسعة لحكمه بما في ذلك المعارضة المسلحةفي غرب البلاد.

  • في الوقت ذاته، يظل جزء كبير من الصحراء الشاسعة جنوب ليبيا خارج قبضة القانون، ولا تقع تحت سيطرة أي من المتنافسين، وبالتالي فهي ساحة خصبة لنشاط تنظيم الدولة.

القوة الغاشمة.. هل تحدد سياسة فرنسا تجاه مستقبل ليبيا؟

«من المحتمل أن تستمر الحكومة الفرنسية في السير على قشر البيض عندما يتعلق الأمر بالتورط في ليبيا، متظاهرة بأنها تدعم المصالحة، لكنها تأمل من كل قلبها في فوز أحد أمراء الحرب»، حسبما يخلص التحليل المنشور في «المعهد الملكي البريطاني».  

هذه الآمال تتطابق مع رؤية وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن «حفتر بمقدوره القضاء على الإسلاميين الذين ازدهروا في ليبيا، بعد وفاة القذافي، وهددوا أوروبا بالاستيلاء على ثروة البلاد من النفط والغاز».

وهذا هو عين ما يأمله حكام مصر والإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة أيضًا: أن يتمكن حفتر وجيشه الوطني من ترسيخ سيطرته المركزية في ليبيا خلال الأشهر المقبلة، كما يقول جوناثان سباير.

أما ماكرون الذي يواجه حركة احتجاجات القمصان الصفر في الداخل، فيرى يوسف طوبي أنه «لن يكون لديه وقت لحلول معقدة لمشاكل أفريقية أكثر تعقيدًا؛ وبالتالي فإن القوة الغاشمة، أو دعم القوى المحلية الغاشمة، هو ما سيحدد سياسات فرنسا».

لكن لماذا تلعب فرنسا هذه اللعبة، التي ظاهرها الازدواجية لكنها في حقيقتها دعم واضح لمسار محدد؟

يرصد العقيد (متقاعد) الدكتور جاك نيريه في مركز القدس للشؤون العامة عدة أسباب منطقية:

  • الحاجة إلى وقف إمدادات الأسلحة وتدفق الجماعات الجهادية التي تهدد الحكومات الهشة في النيجر وتشاد ومالي باستخدام طرق الإمداد عبر ليبيا.

  • يمكن أن يكون الأمر أيضًا متعلقًا بإعادة الإعمار والعقود التجارية الكبيرة التي سيفوز بها من يتحكم في رسم مستقبل ليبيا، خاصة وأن فرنسا هي ثاني أكبر مستورد للنفط الليبي.

  • وبطبيعة الحال، يمكن ربط ذلك بتوافق باريس مع الأنظمة الإماراتية والسعودية والمصرية، التي اشترت من فرنسا أسلحة بمليارات الدولارات، وهي تدعم حفتر ولا تثق في حكومة سراج.

  • أيضًا، وفقًا للتعليل الفرنسي، يرتبط الصراع في ليبيا بمكافحة «الإرهاب الإسلامي في حزام الصحراء والساحل والكفاح المستمر ضد الإرهاب في الداخل».

  • لهذا كله، يبدو أن باريس تتبنى الموقف القائل بأنه من الأفضل «دعم حلول الرجل القوي، التي قد تكون أكثر الطرق فاعلية لمكافحة الإرهاب الإسلامي، واحتواء الهجرة الجماعية من أفريقيا إلى فرنسا وأوروبا».

الرهان على الحصان الخطأ.. كسب معركة وخسارة الحرب؟

قد يكون حفتر قادرًا على كسب الحرب بفضل حلفائه الخارجيين، لكن في كل الأحوال، ستبقى طرابلس مكانًا فوضويًا.

وأينما وُجِدَت الفوضى توافرت الأرض الخصبة لجماعات المقاومة، بما في ذلك تنظيمات مثل «الدولة» و«القاعدة»، لهذا السبب كتبت فريديريكا سايني فاسانوتي في موقع «لو فير» أن «حفتر هو الرجل الخطأ في ليبيا».

أفسد هجوم حفتر على طرابلس الفرصة لعقد مؤتمر وطني مدعوم من الأمم المتحدة في مدينة غدامس في منتصف أبريل (نيسان)، وكان يمكن أن يمثل لحظة حاسمة للوحدة.

لو كان حفتر أكثر حكمة في رأي فريديريكا – لكان قد جمع جيشه، وسمح للمؤتمر بالمضي قدمًا في سلام، وحينها كان بإمكانه أن يزعم أنه ساعد عملية السلام، وأن يعرض نفسه بوصفه زعيمًا ليبيًّا قادرًا وحده على ضمان دفع عجلة الوطن إلى الأمام.

منذ 500 عامٍ قبل الميلاد، كتب الجنرال والفيلسوف والخبير العسكري الصيني العظيم سون تزو أن «أفضل جنرال هو الذي يفوز في الحرب دون قتال»، لكن حفتر اختار العنف، ومن المستبعد أن ينتصر في الحرب حتى لو استطاع حسم بعض المعارك لصالحه.

_________