Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

هذه الورقة تهدف إلى الوقوف على الواقع العسكري والسياسي في ليبيا، قبل حرب حفتر على العاصمة، وترصد مواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في ليبيا من المعارك الدائرة في طرابلس ومحيطها، وتستشرف مسارات تلك الحرب التي دخلت شهرها الثاني، من دون أن تحقق الهدف المرجو منها، وتداعياتها المحلية والإقليمية.

الجزء الأول

المقدمة

منذ أن أطلق اللواء المتقاعد خليفة حفتر العملية العسكرية في الشرق الليبي “عملية الكرامة”، في أيار/ مايو 2014، وهو يضع نصب عينيه السيطرة على العاصمة طرابلس؛ لرمزية هذه الخطوة وإلا ستلاحقه صفة “متمرد” عسكري، يسعى لإخضاع المدن الليبية بالقوة العسكرية.

ويدرك حفتر أن الانقلابات العسكرية يُحكَم على نجاحها أو فشلها بالاستيلاء على العاصمة، ومؤسسات الحكم فيها، لذا سعى جاهدًا لإخضاع العاصمة ومحيطها، من خلال الهجوم العسكري الذي بدأه في 4 نيسان/ أبريل 2019 على طرابلس وما زال مستمرًا.

لم يحسم عنصر المفاجأة الحرب لمصلحة حفتر حتى الآن، وهو ما عكس فشلًا في تقديراته العسكرية لقوة حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج، والمكونات العسكرية التي تقاتل إلى جانبها.

فقد استطاعت تشكيلات الجيش الليبي، والكتائب المسلحة التابعة لحكومة الوفاق المنتشرة في طرابلس ومحيطها، امتصاص الصدمة، وتوحيد صفوفها، ومقاومة الهجوم العسكري الذي جاء عشية ترتيبات سياسية، تقودها الأمم المتحدة بين حفتر والسراج؛ بهدف التحضير للملتقى الوطني الجامع الذي كان يُفترض أن ينطلق منتصف نيسان/ أبريل لدفع الحل السياسي في البلاد.

أولًا: الواقع العسكري والسياسي في ليبيا قبل حرب العاصمة

لم تنجح الحكومات الليبية المتعاقبة، خلال السنوات الماضية، في ضبط الأمن والاستقرار في ليبيا، وبقيت أسيرة الكتائب المسلحة.

وقد حاولت حكومة الوفاق الوطني منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2015 – والتي جاءت وفق قرار مجلس الأمن رقم 2259، الصادر في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2015 الذي أقرّ بشرعية المجلس الرئاسي الليبي – ضبط السلاح المنتشر في عموم ليبيا، وتحديدًا في العاصمة ومحيطها حيث تنتشر الكتائب المسلحة.

لكن الحكومة فشلت بفعل عوامل داخلية مرتبطة بحالة التناقض بين توجهات الكتائب المسلحة ومصالحها في طرابلس ومحيطها، وبين دخولها في حالة من الاحتراب والاقتتال في ما بينها؛ إذ تميزت علاقتها بحكومة الوفاق بالتوتر، فتارة تكون قريبة منها، وتارة تدخل في نزاع وخلاف سياسي معها.

ومع سعي القوى الفاعلة في ليبيا لتحقيق مصالحها المتعارضة، وعدم مساندة حكومة الوفاق الوطني في بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على ضبط الأمن والاستقرار، اعتمدت حكومة الوفاق على بقايا تشكيلات الجيش الليبي، إضافة إلى الكتائب المسلحة.

تعتبر قوة حماية طرابلس القوة المسلحة المساندة لحكومة الوفاق الوطني، وتسهم في ضبط الاستقرار في العاصمة ومحيطها، وقد أُسست بعد هجوم اللواء السابع (الكانيات) المتمركز في مدينة ترهونة، أواخر عام 2018، على العاصمة.

ووفقًا لبيان أصدره اللواء السابع، فإن هدف الهجوم “استرداد الدولة من براثن العصابات التي نهشتها وعبثت بها، وتطهير البلاد من سيطرة العصابات المسلحة التي نهبت الوطن، وغيبت المواطن”.

وبعد ذلك، تألّف تحالف قوة حماية طرابلس، فضمّ تسع كتائب مسلحة، هي: كتيبة ثوار طرابلس، وكتيبة النواصي، وقوة الردع، وأم العقارب، والكتيبة 92 مشاة، والكتيبة 155 مشاة، وكتيبة يوسف البوني، والأمن المركزي أبو سليم، والسرية 42، وكتيبة الضمان؛ بهدف حماية العاصمة وتأمينها من أي اعتداء خارجي.

اللافت أن التحرك العسكري لمكون أساسي من كتائب مصراتة (لواء الصمود) كان متسقًا مع ما أعلنه اللواء السابع، من حيث ضرورة تحرير طرابلس من الميليشيات المسلحة التي تسيطر عليها، ولكن سرعان ما تغيّر تحالف كتائب مصراتة بعد إطلاق حفتر عمليته العسكرية في طرابلس؛

إذ تحالفت كتائب الصمود مع قوة حماية طرابلس في الدفاع عن العاصمة، ومنع حفتر من دخولها، وهو ما يدل على الطبيعة الهشة للتحالفات العسكرية في ليبيا عامة، والمنطقة الغربية خاصة، فهي تُبنى في جزء كبير منها وفق مصالح الكتائب المسلحة، وبحسب تعريفها لأمنها وعوامل بقائها، والأمر ذاته ينسحب على الكتائب المسلحة التي تقاتل مع حفتر.

وقبل بدء حرب العاصمة، بدأ حفتر، بعد بسط سيطرته على الشرق الليبي في منتصف كانون الثاني/ يناير 2019، عملية عسكرية سماها “تطهير الجنوب”، هدف من خلالها السيطرة على إقليم فزان في الجنوب، وهو إقليم يعاني سلسلة أزمات اجتماعية بين المكونات القبلية المتنازعة (أولاد سليمان، الطوارق، التبو، المقارحة، القذاذفة … إلخ)، وواقعًا اقتصاديًا صعبًا في ظل غياب شبه تام لمؤسسات الدولة، وأوضاعًا أمنية متردية بسبب الحدود الرخوة التي يتنقل عبرها الأفراد والجماعات المعارضة التشادية والسودانية المسلحة.

استثمر حفتر تلك العوامل في سبيل إحكام قبضته على أهم مدن الجنوب الليبي، واستطاع دخول مدينة سبها التي تبعد نحو 700 كيلومتر جنوب العاصمة، ومدن مرزق والقطرون وأم الأرانب، كذلك بسط سيطرته في هذه المنطقة على حقلي الشرارة والفيل، وسلمهما للمؤسسة الليبية للنفط التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

فحفتر يدرك أنه غير قادر على وضع مصادر الطاقة الليبية تحت تصرفه، إذ حاول القيام بمثل هذه الخطوة عند سيطرته على منطقة الهلال النفطي في الشرق الليبي، فأصدرت آنذاك حكومات كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا بيانًا يطالبه بإعادة تلك الموارد إلى المؤسسة الوطنية للنفط.

فمقاربات هذه القوى للأزمة الليبية ترتبط في الأساس بالمناطق الجيوسياسية الغنية بالطاقة، ولا تعبأ غالبًا بالحرب الأهلية التي تعصف بالبلاد، إلا في حدود تهديد أمنها ومصالحها.

لم تتعامل حكومة الوفاق الوطني تعاملًا جديًا وفاعلًا في مواجهة تحركات حفتر العسكرية في الجنوب الليبي؛ لذلك، باتت مصادر الطاقة في ليبيا – في الهلال النفطي الذي يضم حقولًا مهمة (السدرة، ورأس لانوف، والزويتينة)، وفي الجنوب حقلا الشرارة والفيل – تحت سيطرة قوات حفتر وحمايتها.

وقد وفرت قاعدة الجفرة الجوية في الجنوب الليبي، إلى جانب قاعدة الوطية غرب مدينة غريان، نقاط الدعم الجوي اللوجستية في حرب حفتر على العاصمة، فضلًا عن مجموعة من الكتائب المسلحة الموالية له التي تنتشر غرب العاصمة، في مناطق الجميل ورقدالين وصبراتة وزلتن.

لكنّ نطاق تحركها العسكري محدود، ولا سيما أنها مطوقة بكتائب جنزور وكتائب الزاوية المعارضة لحفتر، وهو وضع يجعل تحركها محدود الفاعلية العسكرية، ما لم تتحرك وفق خطة شاملة للهجوم.

أما ما يتعلق بالمشهد السياسي الذي سبق هجوم حفتر على طرابلس، فقد اجتمع حفتر بالسراج في العاصمة الإماراتية، أبوظبي، في 27 شباط/ فبراير 2019؛ لإيجاد حل للأزمة السياسية.

ولم يكن ذلك هو اللقاء الأول الذي جمعهما على الهدف والغاية نفسيهما، فقد اجتمعا سابقًا في أبوظبي في عام 2017، وفي باريس في تموز/ يوليو من العام نفسه. كما التقيا في عام 2018 أيضًا في مؤتمر باريس الذي عُقد في أيار/ مايو، وفي مؤتمر باليرمو في تشرين الثاني/ نوفمبر، اللذين خُصصا لبحث الأزمة الليبية.

لكن لم ينتج من هذه الاجتماعات أي خطة، أو خريطة طريق، تضع حدًا للانقسام السياسي الذي تشهده البلاد.

لقد كان هدف حفتر من الاجتماع كسب مزيد من الوقت، رافضًا أي حل سياسي يقود إلى حل الأزمة. وقد أعلن عمليته العسكرية، في 4 نيسان/ أبريل 2019، باسم “طوفان الكرامة”، ضاربًا عرض الحائط كل جهد بذلته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لعقد المؤتمر الوطني؛ فتحركت قواته نحو العاصمة من سبعة محاور، مقوضًا بذلك جهد التسوية السياسية. ودخلت قواته مدينة غريان الواقعة على بعد نحو 90 كيلومترًا جنوب العاصمة، ثم سيطرت على منطقتي صرمان وصبراتة غربها.

لقد بدأ حفتر هجومه على طرابلس بالتزامن مع وجود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس فيها، واستطاعت حكومة الوفاق والقوى العسكرية المساندة لها امتصاص صدمة الهجوم وتمكنت من صده.

يتبع

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

__________

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات