Minbar Libya

ثمة أزمة مصرفية لا يجري الحديث عنها بالشكل الكافي تهدد بمفاقمة القتال المهلك الذي تدور رحاه في طرابلس، وإشعال حرب طويلة الأمد للسيطرة على الموارد وتعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.

إن إيجاد مخرج من هذه الأزمة يتطلب الاتفاق على وقف لإطلاق النار في طرابلس ووضع حد للانقسام المستمر منذ أربع سنوات بين الفرعين المتنافسين للمصرف المركزي.

الجزء الأول

ما الجديد؟ 

تصل الأزمة المصرفية التي جرى تجاهلها لوقت طويل في ليبيا إلى أوجها في الوقت الذي تحاول فيه القوات التي يقودها المشير خليفة حفتر السيطرة على طرابلس.

إن استمرار صراع طويل سيعيق الجهود الرامية إلى إعادة توحيد النظام المصرفي المنقسم، ويغذي احتمالات حدوث انهيار مالي وحرب اقتصادية تدور بموازاة الحرب العسكرية.

لماذا حدث ذلك؟ 

تعد الأزمة التي تلوح في الأفق نتيجة مباشرة لانقسام عمره أربع سنوات بين المصرف المركزي في طرابلس وفرعه الشرقي، والذي يعود بدوره إلى الانقسام السياسي الأوسع الذي نشأ في العام 2014. وربما أسهمت رغبة حفتر بإحكام سيطرته على المصرف المركزي وعلى أصول الدولة في تحديد التوقيت الذي اختاره لهجومه.

ما أهمية ذلك؟ 

إذا جمّد المصرف المركزي عمليات مصرفين تجاريين رئيسيين بسبب تدني الاحتياطيات، فإن من شأن هذا التحرك أن يزعزع استقرار الحكومة التي تتخذ من المنطقة الشرقية مقراً لها ويقطع التمويل عن القوات التي يقودها حفتر. ومن شأن هذا أن يعمق الانقسام السياسي بين السلطتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها وأن يحدث انتكاسة اقتصادية حادة في سائر أنحاء البلاد.

ما الذي ينبغي فعله؟ 

إضافة إلى وقف إطلاق النار، ينبغي على الأطراف المتصارعة في ليبيا، في الحد الأدنى، التوصل إلى اتفاق حول وضع إجراءات معيارية لعمليات المصارف التجارية في شرق ليبيا والعمل على إعادة توحيد المصرف المركزي. كما ينبغي على شركاء ليبيا الأجانب تقديم الخبرة والمشورة ومنح الأولوية في المفاوضات لتسوية الأزمة المالية.

الملخص التنفيذي

في الوقت الذي تخوض فيه القوات الموالية للقائد العسكري الذي يتخذ من المنطقة الشرقية مقراً له خليفة حفتر معارك مع مجموعات مسلحة في غرب ليبيا موالية اسمياً للحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، فإن أزمة مصرفية طال إهمالها وتحمل احتمالات الانفجار من شأنها أن تفاقم من عدم الاستقرار في البلاد.

في نيسان/أبريل، بدأ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس بفرض قيود على عدد من المصارف التجارية في المنطقة الشرقية، والتي تغطي معاً 30% من الاحتياجات المصرفية التجارية في ليبيا.

بدأت هذه القيود بالظهور قبل هجوم حفتر، الذي قد يكون مدفوعاً جزئياً بالنزاع المصرفي المتصاعد الذي تعود جذوره إلى الانقسام السياسي في ليبيا في العام 2014. إذا طبق المصرف المركزي المزيد من الإجراءات التقييدية، فإن هذا سيقوض قدرة الحكومة في الشرق على دفع رواتب الموظفين وقوات حفتر.

ويمكن لهذا بدوره أن يدفع حفتر إلى وقف الصادرات النفطية من المناطق التي يسيطر عليها وأن يطلق حرباً اقتصادية.

إن تحاشي وقوع أزمة كهذه يتطلب تسوية بين المصرف المركزي في طرابلس وفرعه الشرقي في بنغازي، الذي يعمل بشكل مستقل منذ العام 2014، حول كيفية معالجة عمليات المصارف التجارية. وينبغي على شركاء ليبيا الدوليين العمل لتحقيق ذلك الهدف.

المعركة الدائرة حول طرابلس تسببت أصلاً بمقتل ما لا يقل عن 300 شخص ونزوح عشرات الآلاف خلال شهر من القتال.

لقد تعثر هجوم الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر، والذي بدأ في مطلع نيسان/أبريل، حتى الآن في محيط العاصمة في وجه مقاومة شرسة من المجموعات المسلحة المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة. يُظهر الطرفان ثقة بأنهما سينتصران بدعم عسكري ومالي من رعاتهما الخارجيين.

كما أنهما رفضا وساطة أطراف حيادية خارجية مثل الأمم المتحدة. توحي جميع المؤشرات بوجود مأزق طويل الأمد ومدمر بشكل كبير.

على خلفية استمرار القتال، فإن السلطات في طرابلس لا تظهر رغبة كبيرة في الاستجابة إلى الأزمة المصرفية الوشيكة. إنها تعرف أنها تتمتع بميزة الوصول الحصري إلى أموال الدولة المتأتية من مبيعات النفط، وأن تنازلاً من قبلها سينقذ ذات المصارف التي ساعدت في تمويل القوات العسكرية التي تحاصرها حالياً.

وقد تشعر سلطات طرابلس بإغراء السماح للأزمة المصرفية بالوصول إلى أوجها، أو حتى اتخاذ إجراءات إضافية مثل قطع الرواتب عن موظفي الخدمة المدنية العاملين في الشرق والذين تدفع رواتبهم طرابلس حالياً، من أجل قطع قنوات التمويل عن شرق ليبيا، وبذلك تعيق قدرة الجيش الوطني الليبي على الاستمرار في القتال.

قد تبدو مثل هذه الاستراتيجية منطقية من الناحية العسكرية، لكنها ستعقد وتضاعف الأزمة الاقتصادية المستمرة، مع ما سيحدثه ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة على البلاد بأسرها.

يمكن للمشاكل المتزايدة التي ستواجهها المصارف التجارية أن تتسبب في حالة من الهلع الجماعي، وتفاقم أزمة السيولة القائمة وتعيق تقديم الخدمات؛ حيث لن تكون الشركات الحكومية الرئيسية والشركات الخاصة، التي تحتفظ بحسابات في هذه المصارف، قادرة على معالجة الدفعات أو إصدار رسائل اعتماد لاستيراد السلع الأساسية التي تعتمد عليها ليبيا بشكل كبير.

كما يمكن لحدوث ضائقة مالية في الشرق أن يؤدي إلى العودة إلى القتال من أجل السيطرة على المصدر الوحيد للعائدات في ليبيا والمتمثل في نفطها. على المدى القصير، يمكن لحفتر أن يطلب من داعميه الإقليميين الأثرياء – بشكل رئيسي الإمارات العربية المتحدة والسعودية – تمويل مجهوده الحربي، لكن مع استمرار القتال، يمكن للحكومة في الشرق أن تقرر إغلاق حقول نفط البلاد ومنصات التصدير، ومعظمها يقع تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي.

وهذا سيعمق الانقسام بحكم الأمر الواقع بين الشرق والغرب، بما في ذلك انقسام القطاع المصرفي، وقد يصبح مقدمة للتقسيم. ويمكن لجميع هذه التطورات أن تعقّد بشكل كبير الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الليبي بمجمله.

لمنع حدوث هذا السيناريو الكارثي، ينبغي على التحالفات العسكرية المتنافسة في شرق وغرب ليبيا أن تتفق على نحو عاجل على وقف لإطلاق النار ومن ثم الانطلاق فوراً إلى مفاوضات بين محافظي المصرف المركزي المتنافسين لتسوية النزاعات حول كيفية معالجة المعاملات المالية في الشرق.

كما ينبغي على اللاعبين الخارجيين أن يضغطوا على الأطراف للشروع في مسار العمل هذا وأن يقدموا لهم الخبرة والمشورة.

وينبغي على الولايات المتحدة بشكل خاص استعمال نفوذها التاريخي على القطاعين المالي والنفطي في ليبيا وتعاطفها مع حفتر، الذي أعلنته مؤخراً، لدفع الطرفين نحو تسوية مالية.

يعد هذا خطوة محورية ينبغي أن تدعم المفاوضات السياسية والعسكرية حول إعادة توحيد مؤسسات الحكم، بما في ذلك إعادة توحيد المصرف المركزي وتعيين محافظ جديد للمصرف.

في المحصلة، فإن إعادة توحيد حكومتي ليبيا المتنافستين ومؤسسات الدولة، بما في ذلك مؤسساتها المالية، يمكن أن يحقق الاستقرار الذي ينشده مواطنوها. أما إعادة التوحيد بالوسائل العسكرية الذي يبدو أن حفتر وداعموه يراهنون عليه فمن المرجح أن يحدث أثراً عكسياً.

إن الوعد بالتوصل إلى تسوية مالية يمكن أن يحدث الفرق الذي تحتاجه الأطراف الليبية للموافقة على وقف لإطلاق النار وإعادة وضع المفاوضات السياسية على مسارها الصحيح.

يتبع

____________