Minbar Libya

على مدى نحو شهرين متتالين، تتعرض مناطق جنوب العاصمة الليبية طرابلس إلى هجمات عسكرية منظمة من قبل قوات تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر.

تلك الهجمات أدت إلى زيادة الكلفة البشرية إلى آلاف القتلى والجرحى ونزوح نحو 82 ألف مواطن من مناطق الاشتباكات، فضلا عن خسائر في البنية التحتية وتدمير مساكن ومنشآت قدّرها مراقبون بنحو 5 مليارات دولار.

حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والطرف الآخر في الصراع، أعلنت عن ميزانية طوارئ تجاوزت ملياري دينار ليبي (نحو 1.4 مليار دولار) لمواجهة تداعيات الحرب اقتصاديا ومعيشيا، في حين لم تعلن الحكومة الموازية الموالية لحفتر عن أي ميزانية واضحة بشأن فاتورة الحرب.

ويقول الخبير المعماري يوسف دعاس، إن هناك سبع مناطق في جنوب طرابلس تحتاج إلى إعادة إعمار شبه كاملة بسبب الحرب، منها “خلة الفرجان، قصر بن غشير، فطرة، منطقة جامع الكحيلي”، موضحا أن جلّ المناطق بجنوب طرابلس أحياء عشوائية، فضلاً عن أراض زراعية ومتاجر تضررت من المعارك المسلحة.

وأضاف دعاس أن الخسائر تقدّر بنحو 5 مليارات دولار، وفي حالة استمرار القتال فإن المبلغ سيزيد بشكل كبير.

وقال إن الدمار الذي حاق بالبيوت والمنشآت في بلد يعاني أصلا من قصور البنية التحتية، يؤدي إلى أضرار بالغة بالأهالي، مشيراً إلى أن التدمير طاول بيوتاً ومدارس ومساجد ومؤسسات وطرقاً وأعمدة إنارة وغيرها.

وتشهد ضواحي العاصمة طرابلس، مواجهات مسلحة بين قوات تابعة لحكومة الوفاق وأخرى تابعة لحفتر، منذ 4 إبريل/نيسان الماضي.

ومن جانبه، يرى المحلل الاقتصادي بشير عاشور أن “الكلفة المادية للحرب يجب أن تشمل مجالات أخرى، منها فواتير الأسلحة المستخدمة التي تدفع بالعملة الصعبة، وكذلك أجور وإعاشة وتنقّل العسكريين، فكلها تدفع من الخزانة العامة، سواء بطريقة مباشرة وشرعية من حكومة الوفاق الوطني أو عبر سلف مالية تحمّل كدين عام على الاقتصاد الليبي تقوم بسحبها الحكومة الموازية المؤيدة لحفتر في شرق البلاد”.

وأوضح عاشور، أن كلفة إعادة الإعمار المالية كبيرة، في ظل ما يعانيه الاقتصاد الليبي في الوقت الحاضر، مضيفاً أن هناك مدنا مثل بنغازي وسرت وتاورغاء بحاجة إلى إعادة إعمار بشكل عاجل، فضلا عن جنوب العاصمة طرابلس حالياً.

وكان مدير المشروعات في بلدية بنغازي، أسامة الكزة، قال، في تصريحات سابقة، إن إعادة إعمار بنغازي تحتاج إلى 50 مليار دولار، وذلك في الوقت الذي لا تزال تعاني فيه المدينة من تراكمات الحرب التي دمرت البنية التحتية في أغلب الأحياء.

وأكد مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (غير حكومي)، أحمد أبولسين، أن بناء الدولة أهم من إعادة الإعمار عبر خطط ومشاريع تستهدف إصلاح ما دمرته الحرب.

وقال أبولسين : نحتاج إلى بناء دولة بشكل متكامل وإنهاء الحروب في البلاد، لأنها تستنزف الاقتصاد الوطني وثروات البلاد.

وتبلغ قيمة إعادة إعمار ما دمرته الحروب في سورية وليبيا واليمن، نحو 360 مليار دولار، حسب تقرير للبنك الدولي في عام 2017.

وكان صندوق النقد الدولي نصح، أواخر إبريل/نيسان الماضي، صناع القرار في ليبيا “بخفض الإعانات الحكومية والنفقات غير الضرورية، وإعادة ضبط سعر الصرف لإصلاح اقتصادها”، لكن الاضطرابات الأمنية المستمرة بعد التصعيد العسكري الأخير في طرابلس هي أبرز ما يواجه مساعي الإنعاش، حسب مراقبين.

ومنذ عام 2015، فرض مصرف ليبيا المركزي سياسات تقشفية وتقليص الإنفاق العام في حدود المرتبات ودعم الدواء، مع استمرار الأزمات المعيشية خلال السنوات الماضية.

وفي ظل تراجع الإيرادات النفطية وضعف القوة الشرائية للدينار، فرضت حكومة الوفاق الوطني، في العام الماضي، رسوما على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 183%، وذلك من أجل البحث عن مخرج من الأزمة الاقتصادية.

ورفض ديوان المحاسبة (حكومي) ميزانية عام 2019 بحجم 46.8 مليار دينار (33.83 مليار دولار)، مشيراً إلى أنها تفتقر لأي شكل من أشكال الإصلاح المالي والاقتصادي، سواء من ناحية ترشيد الإنفاق أو وضع ضوابط له، فضلا عن عدم اتخاذ سياسة مالية متوازنة.

وتنفق ليبيا سنوياً 30 مليار دولار لتغطية الإنفاق العام، من دعم ورواتب ونفقات حكومية، ويبلغ الحد الأدنى للأجور 450 دينارا (321 دولاراً). فيما انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي لليبيا إلى نحو 67.5 مليار دولار بنهاية 2018، مقارنة بـ123.5 مليار دولار في عام 2012، وفق البنك الدولي.

وفي ظل حالة التقشف الحكومي، تراجعت قيمة واردات ليبيا من حوالي 32.2 مليار دينار ليبي (23 مليار دولار) عام 2013، إلى 8.1 مليارات دينار (5.8 مليارات دولار) عام 2017.

____________