Minbar Libya

حقق أتباع المذهب السلفي المدخلي حضوراً بارزاً على جانبي الانقسام الليبي، الأمر الذي يثير المخاوف حيال الأجندات المتشددة التي يتم فرضها من خلال المؤسسات العسكرية والدينية. ينبغي أن يضمن المفاوضون أن تكون قوات الأمن التي تجري إعادة بنائها حيادية سياسياً وأن يتعهد المداخلة باحترام التعددية.

الجزء السابع

رابعا: الأجندة المجتمعية والأيديولوجية للمداخلة

السؤال محوري في المناظرة الليبية حول صعود المداخلة هو: كيف سيتطور التيار مع الأخذ بالاعتبار أن البيئة الراهنة في ليبيا ربما تشجع طموحات تتجاوز الجذور المهادنة ظاهريا لهذه الأيديولوجيا. هذا الإحتمال يرعب عددا من الشخصيات الرفيعة داخل القطاع الأمني في ليبيا بشكل عام، حيث يعتبر البعض السلفية المدخلية تحديا رئيسيا لاستقرار البلاد، الآن وفي المستقبل.

مسؤول رفيع سابق في الحكومة الانتقالية عُين بعد سقوط نظام القذافي قال:

الطبيعة الخبيثة للمداخلة هي التي تثير أكبر القلق. الأمر لا يقتصر على انخراطهم العميق في القطاع الأمني وحسب، بل إنهم يحكمون قبضة قوية على القضاء الديني في البلاد من حيث سيطرتهم الواسعة على المساجد والمؤسسات الأخرى.

إن نجاح المداخلة في اكتساب مثل هذه القوة والنفوذ داخل المجالات الأمنية والدينية الاجتماعية في فترة قصيرة نسبيا يظهر أنهم لا يشبهون أي تيار آخر رأيناه من العام 2011. ينبغي لذلك، إضافة إلى غياب الوضوح حول أهدافهم بعيدة المدى، أن تثير قلقنا. هذا يعكس مخاوف أوسع حول التغيرات الاجتماعية ـ الثقافية التي سعى المداخلة لإحداثها، خصوصا في شرق ليبيا، من خلال سيطرتهم على المؤسسات الرسمية وحملات التخويف.

أ ـ السيطرة على المؤسسات الدينية

تمخض الانقسام السياسي الذي ظهر في أواسط العام 2014 عن حكومتين متنافستين في شرق وغرب ليبيا، وهو انقسام مستمر رغم الاتفاق السياسي الليبي الذي وقع في ديسمبر 2015 وتأسيس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

تمثلت إحدى تبعات هذا الإنقسام في تأسيس عدد من مؤسسات الدولة الموازية شرق ليبيا نظيرة لتلك التابعة لحكومة الوفاق. لقد كانت السيطرة على المؤسسات الدينية أولوية بالنسبة للمداخلة، خصوصا وأن المؤسسة الدينية الرسمية في غرب ليبيا كانت (حتى أواخر العام 2018) تحت سيطرة خصومهم الأيديولجيين.

إن حقيقة أن دار الإفتاء في طرابلس يرأسها الصادق الغرياني المقرب من عدد من المجموعات الثورية غير المدخلية إضافة إلى الإخوان المسلمين، تشكل نقطة خلاف مهمة.

عندما ظهرت الحكومتان المتنافستان في العام 2014، احدثت الحكومة الشرقية هيئتها الخاصة للأوقاف والشؤون الدينية (المعروفة اختصارا بالأوقاف) ومن ضمنها اللجنة العليا للإفتاء. وكانت هاتان نظيرتان للأوقاف ودار الإفتاء في طرابلس.

بمرور الوقت، ومع تطور العلاقات بين حفتر والمداخلة، تم ترفيع أفراد مقربين من التيار إلى مناصب رئيسية في هذه المؤسسات، ما منحهم نفوذا غير مسبوق في المساجد والمؤسسات الدينية، بما في ذلك الفروع المحلية لوزارة الأوقاف في سائر أنحاء شرق ليبيا. على حد تعبير أحد سكان بنغازي:

في بنغازي باتو يسيطرون على جميع المساجد الآن. وأدبيات ربيع المدخلي في كل مكان بينما يتم استبعاد أعمال آخرين، خصوصا الذين يختلفون معهم. إنهم يدينون في خطبهم الإخوان المسلمين والإسلاميين الآخرين وأيضا الصوفيين، والعلمانيين، والليبراليين وكل فكرة الديمقراطية والتعددية.

يبدو أن للمداخلة اليد العليا في معركة النفوذ للسيطرة على المؤسسات الدينية في طرابلس منذ أواخر العام 2018. في حين يبقى الغرياني، الذي كان خطابه العنيف وأراؤه المحافظة المتشددة حول الفصل بين الجنسين إشكالية، رئيسا لدار الإفتاء، فإن حلفاءه في أوساط المجموعات المسلحة يتراجعون وهو يقضي

معظم وقته خارج ليبيا، رغم أنه يحافظ على ظهوره عبر قناته التفزيونية، التناصح، ووسط التواصل الاجتماعي.

حتى قبل أن يبدأ نفوذ الغرياني بالتراجع، كان المداخلة يحرزون تقدما في السيطرة على عدد كبير من مساجد العاصمة، كما قال مسؤول ديني رفيع سابق، مضيفا أن العديد من الفروع المناطقية لأوقاف طرابلس باتت أيضا تحت سيطرتهم في البلدات التي لهم فيها وجود قوي. وأضاف، يمكنني القول إن أغلبية مساجد طرابلس باتت الآن تحت نفوذ المداخلة.

يشكل نفوذهم المتنامي مشكلة لأنهم يؤمنون بطريق واحدة وحسب. إنهم لا يقبلون العديد من مدارسنا التقليدية في ليبيا، وهذا يثير توترات خطيرة.

في أواخر العام 2018، حقق المداخلة انتصارا رئيسيا عندما أقنعوا السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بتعيين محمد الألباني، وهو داعية يعتبر على نطاق واسع متعاطفا مع التيار المدخلي، رئيسا لأوقاف طرابلس، بدلا من عباس القاضي، الذي كان مقربا من الغرياني.

يذكر أن السراج أجبر على الإنحناء أمام ضغط المداخلة عندما هددوه بالإنتقام بعد أن سمحت هيئة أوقاف طرابلس للصوفيين بإقامة احتفالات علنية بمناسبة المولد النبوي، وهي مناسبة شعبية للاحتفال بمولد النبي محمد (صلي الله عليه وسلم)، في نوفمبر 2018. يعاض المداخلة احتفالات المولد الصوفية ويعتبرونها غير إسلامية.

بعد تعيينه، أصدر الألباني تراخيص لعدد من الدعاة المداخلة تسمح لهم بإلقاء الخطب والانخراط في أنشطة أخرى في سائر أنحاء البلاد. كما سعى الألباني لاستبدال مدراء فروع الأوقاف في سائر أنحاء غرب ليبيا بأشخاص من المداخلة، إلا أن جهوده عورضت في عدد من البلديات، بما في ذلك مصراتة، حيث تصاعدت التوترات بين المداخلة والمجموعات المسلحة ذاث الصبغة الأكثر ثورية.

ب ـ المحافظة على تحالفاتهم الخارجية (السعودية ومصر)

في الوقت الراهن يبدو أن المداخلة أكثر اهتماما بعقد تحالفات تكتيكية على المستوى المحلي، ربما كرد فعل على مراكز القوى المتعددة في ليبيا وفي غياب أي سلطة مركزية حقيقية. رغم فتوى المدخلي التي تحث أتباعه على التوحد خلف حفتر وجيشه، فإن من المنطقي عمليا بالنسبة للفصائل المدخلية أن تتحالف مع كل من يعتبر سلطة في المناطق التي يعملون بها.

لقد أشار بعض الناس إلى أن موقفهم السياسي الذي متناقضا قد يكون نتيجة التعليمات التي تصدرها السلطات السعودية، التي تعترف رسميا بحكومة الوفاق الوطني في طرابلس لكنها تدعم حفتر عمليا. لكن ثمة تفسير آخر محتمل.

عارف النايض، السفير الليبي السابق في الإمارات والباحث الصوفي، قال:

في أي خطاب حول السلفية ينبغي أن تعي المستويات المتعددة التي يعملون عليها: المستوى العقائدي، والاستراتيجي والتكتيكي. فقط عند التفكير في المستوى الاستراتيجي يمكنك أن تفسر الظاهرة الغريبة المتمثلة في قتال المداخلة على الجانبين المتعارضين للإنقسام السياسي.

لو أنهم اجتمعوا في تحالف رسمي يتجاوز ما يوجد بشكل غير مترابط اليوم، فإنهم سيشكلون كتلة قوية للغاية. يبدو أن عددا من أتباع التيار ينظرون إلى البلد بوصفه فضاء تجريبي محتملا لطموحات أكبر، رغم أن الطبيعة المحددة لهذه الطموحات تبقى غامضة ـ جزئيا لأن المداخلة سريون ومبهمون في طريقة تنظيم أنفسهم.

إن النفوذ الذي يمارسه المداخلة اليوم يطرح أسئلة (ويثير درجة من الرعب في أوساط منتقديهم) حول أثرهم على المسار السياسي والإجتماعي والأمني طويل المدى لليبيا.

لقد أثار وجود مثل هذا التيار المحافظ المتشدد داخل البنية التحتية الأمنية للبلاد أصلا توترات مجتمعية وتسبب في أحداث عنف.

ويضاعف العداء الأيديولوجي الصريح الذي يحمله المداخلة للإسلاميين الوسطيين مثل الإخوان المسلمين التوترات ويجعل من تسوية الصراع الراهن أمرا صعبا. إن هذه العداوة تعكس بشكل خاص خطوط التصدع الإقليمية بين قطر وتركيا من جهة، اللتان دعمتا الإخوان وغيرهم من المجموعات الإسلامية، ومصر والسعودية والإمارات من جهة أخرى، التي دعمت حفتر وحلفائه.

علاوة على ذلك، فأن النزعة المحورية للمداخلة في تقديم الدعم غير المشروط للحكام من شأنه أن يعزز أي شخصية أو فصيل يسعى لفرض نفسه بطريقة غير ديمقراطية في الوقت الذي يدعي فيه امتلاكه للشرعية الدينية بالتحالف معهم.

إن كيفية تطور التيار المدخلي في ليبيا سيكون جزئيا انعكاسا لتطور علاقته بالقوى الخارجية، خصوصا السعودية لكن أيضا التيار المدخلي في مصر المجاورة. بصرف النظر عن العلاقة الأيديولوجية مع المدخلي، فإن منتقدي التيار في ليبيا يعبرون عن هواجسهم حيال وجود صلات محتملة بالحكومة السعودية أو أجهزتها الأمنية.

البعض يصف المداخلة بأنهم حصان طروادةللنفوذ السعودي في ليبيا، رغم عدم وجود دليل على هذا حتى الآن.

إن الشكوك الدائرة حول الدعم السعودي تنبع عادة من التصور القائل بأن العديد من المجموعات المسلحة المدخلية تنزع عادة لأن تكون أفضل تمويلا وتجهيزا من المجموعات الأخرى.

ثمة مؤشرات على الحكومة المصرية متخوفة من القوة والنفوذ المتناميين للمداخلة على الحدود مع شرق ليبيا كيف يمكن لذلك أن يؤثر على مداخلة مصر، والذين يتركز معظمهم في الإسكندرية، التي تشكل مركزا لليبيين الذين يعيشون في المنفى.

يتبع

_____________