Minbar Libya

بقلم أحمد قاسم حسين

هذه الورقة تهدف إلى الوقوف على الواقع العسكري والسياسي في ليبيا، قبل حرب حفتر على العاصمة، وترصد مواقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في ليبيا من المعارك الدائرة في طرابلس ومحيطها، وتستشرف مسارات تلك الحرب التي دخلت شهرها الثاني، من دون أن تحقق الهدف المرجو منها، وتداعياتها المحلية والإقليمية.

الجزء الثالث

رابعًا: مواقف الدول المعارضة لهجوم حفتر

دخلت تركيا على مسار الأزمة الليبية، وقد كان موقفها رافضًا للتصعيد العسكري الذي أقدم عليه حفتر، وداعمًا لحكومة الوفاق الوطني. يُذكر أن موقف حفتر من تركيا يرتكز على حربه على حركات الإسلام السياسي الليبية التي يقيم معظم قادتها في تركيا، وذلك في مسعى لتعزير ثقة حلفائه في الرياض وأبوظبي والقاهرة التي تختلف مع أنقرة في المنطقة.

ومن جهتها تعارض قطر، التي تربطها علاقات إستراتيجية بتركيا، هجوم حفتر، وترى فيه تقويضًا لجهد الأمم المتحدة في تحقيق الاستقرار في ليبيا.

وقد تحركت الدوحة دبلوماسيًا في الدول ذات الثقل والتأثير في مسار الأزمة الليبية، من خلال زيارات قام بها وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعد هجوم حفتر على طرابلس.

أما الموقف الإيطالي، فهو رافض لهجوم حفتر على طرابلس وداعم لحكومة الوفاق. لكن روما غير قادرة على قيادة القاطرة الأوروبية نحو إصدار موقف موحد بسبب الانقسام في الموقف الأوروبي تجاه الأزمة الليبية عامة.

فروما تنطلق في مقاربتها للأزمة من منافسة باريس على النفوذ. ومع ذلك، تحاول باريس وروما إعادة ترتيب أوراقهما في ليبيا؛ بهدف ضمان مصالحهما النفطية، ولا سيما أن أهم شركتين نفطيتين تعملان في ليبيا تحملان الجنسيتين الفرنسية والإيطالية، وهما توتال و إيني .

والجدير بالذكر أن زيارة حفتر الأخيرة إلى روما لم تحمل أي جديد على مستوى وقف المعارك في محيط طرابلس، إذ دعا رئيس الحكومة الإيطالية، جوزيبي كونتي، حفتر إلى وقف إطلاق النار، والسير في طريق الحل السياسي.

وعارضت بريطانيا هجوم حفتر على طرابلس، ورأت أن لا مسوغ له.

وكانت بريطانيا، في بداية الحرب على طرابلس، قد دعت إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن، على أن يصدُر بيان رئاسي من المجلس، يتضمن تهديدًا بمحاسبة قوات حفتر، إن لم توقف هجومها، وتدعوه إلى الانسحاب من الأراضي التي سيطر عليها في محيط طرابلس، ووقف النشاط العسكري قرب المدينة، وحث جميع الأطراف على العودة إلى مسار العملية السياسية.

لكن روسيا اعترضت على ذلك، فغاب الإجماع، ولم ير المقترح البريطاني النور.

وقد صدر عن جلسة مجلس الأمن بيان صحفي، لا يتمتع بصفة رسمية، يطالب فيه المجتمعون حفتر بوقف هجومه على طرابلس، محذرين من أن هذا الهجوم يعرّض الاستقرار في ليبيا للخطر.

خامسًا: سيناريوهات محتملة

دخلت حرب العاصمة شهرها الثاني من دون أن يحقق حفتر مراده بدخولها؛ إذ ساهمت مواقف الدول الإقليمية والدولية في إطالة أمد المعارك التي يدفع تكلفتها الباهظة المواطن الليبي، وهو ما يدل على أن دخول حفتر طرابلس ليس بالأمر اليسير، ويضع سير المعارك أمام احتمالين:

الأول: استبعاد الحسم العسكري واستمرار المعارك، ولا سيما بعد أن امتصت القوات المساندة لحكومة الوفاق الوطني صدمة الهجوم، وتوحدت الكتائب المتنافرة والمتناقضة في طرابلس ومحيطها، ودخلت كتائب مصراتة على خط المعارك.

ويعني ذلك استمرار المعارك والقتال في محيط طرابلس، ودفاع القوات المساندة لحكومة الوفاق عن العاصمة، الأمر الذي سيدفع حفتر إلى اعتماد الإستراتيجية ذاتها التي اتبعها في المنطقة الشرقية القائمة على تفكيك التحالفات، والحرب الطويلة الأمد، معتمدًا على دعم القوى الإقليمية والدولية المساندة له.

الثاني: تدخّل دولي لوقف إطلاق النار، وهو احتمال ضعيف حتى هذه اللحظة، في ظل تناقض المواقف الإقليمية والدولية تجاه هجوم حفتر على العاصمة. لكن إطالة أمد الحرب قد يحرج حلفاء حفتر الإقليميين والدوليين الذين توقعوا أن تكون حربه خاطفة على العاصمة التي يقطنها نحو ثلاثة ملايين مواطن ليبي، فهي خزان بشري كبير، وفيها مقر حكومة الوفاق الوطني الشرعية المعترف بها دوليًا، ومؤسساتها السيادية (الوزارات، ومصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط)، ومقر البعثات الدبلوماسية الدولية العاملة في ليبيا، على أن يفضي وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية جديدة، تجمع الفرقاء الليبيين على طاولة المفاوضات لحل الأزمة الليبية.

***

أحمد قاسم حسين ـ يعمل باحثًا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. حاصل على إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق، عمل مساعد مدرس في كلية العلوم السياسية بجامعة دمشق قسم العلاقات الدولية. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة فلورنسا الإيطالية، تتركز اهتماماته البحثية حول العلاقات الدولية.

__________

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات