Minbar Libya

بقلم أنور الجمعاوي

جمع اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، منذ زهاء شهرين، ماله وأتباعه وعتاده، وسيّر قوافله المدجّجة بالسلاح نحو عاصمة بلاده طرابلس،

معلنا الحرب على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليّا، غير ملتفتٍ إلى المواثيق الأممية المتعلّقة بحلّ الأزمة الليبية،

مدّعيا أنّ الخيار العسكري هو السبيل الأمثل لبناء ليبيا الجديدة.

وشرّع الرجل وأنصاره، وكذا المنابر الإعلامية المؤيّدة لهما، لحملة “الفتح المبين” بجملةٍ من السرديات روّجوا من خلالها مشروعية الهجوم المسلّح على المدينة،

ومنها القول إنّ الحملة موجّهة لمكافحة الإرهاب،

ولنجدة سكّان طرابلس وتحريرهم من قبضة المليشيات،

والقول إنّ العمليّة محدودة زمنياً، ولن تتجاوز بضعة أيّام، ولن تستهدف المدنيين، ولن تُلحق بهم الأذى،

وإنّ المراد توحيد ليبيا وبناء جيش نظامي، احترافي.

يتبيّن المتابع لسير المواجهات في محاور القتال بين قوّات حفتر وجيش حكومة الوفاق الوطني أنّ المعركة لم تكن سهلة، وأنّ حسمها لا يبدو سريعاً، على خلاف ما توقّعه المشير والموالون له،

فعلى الرغم من أنّ الهجوم على طرابلس كان مفاجئاً، واغتنم حالة الارتخاء الأمني، فإنّ الجماعات المسلّحة الموالية لحكومة الوفاق نجحت في استيعاب الصدمة وتجاوزها، وتمكّنت من تثبيت القوّات المهاجمة عند نقاطٍ خارج المدينة.

ودخلت في حرب استنزافٍ ضدّ “الفتح المبين”، أدّت إلى تكبيد أشياع حفتر خسائر معتبرةً في العتاد والأرواح.

كما تمّ أسر العشرات، وتعطيل وتدمير آليات عسكرية عديدة استقدمها أتباع الجنرال من الخارج.

وبدا أنّ سردية تحرير المدينة من الإرهابيين لا تسْلَم لأصحابها، ذلك أنّ أغلب الذين يشاركون في معارك الدفاع عن العاصمة هم الذين شاركوا في عمليّة “البناء المرصوص”، ونجحوا في تحرير سرت من قبضة تنظيم داعش (2015).

كما أنّ حكومة الوفاق الوطني التي يروم أنصار حفتر تقويضها ساهمت، استخبارياً وميدانياً، في دعم جهود الولايات المتحدة الأميركية وقوّات “أفريكوم” في مكافحة الإرهاب، ومحاصرة فلول الجماعات المتشدّدة في الداخل الليبي.

وعلى خلاف ما توقّعت القوّات المهاجمة، بدا أنّ الجبهة الداخلية للجماعات الموالية لحكومة فايز السرّاج لم تتزعزع من الداخل، ولم ينفرط عقدها، بل بدت متماسكةً، متّحدةً في مواجهة الخطر العسكري الداهم.

ويُمكن تفسير ذلك بأنّ حكومة الوفاق بذلت جهودا معتبرةً في التقريب بين الكتائب، وتوفير الدعم المالي واللوجستي لها، وعملت على إدماجها ضمن هيكل دفاعي مؤسّسي، موحّد إلى حدّ ما.

يُضاف إلى ذلك أنّ أغلب المقاتلين في صلب قوّات “الوفاق” يأتون من خلفية قتالية مشتركة، باعتبارهم من الثوّار الذين نقضوا حكم القذّافي، وخبروا حرب الشوارع، ويرفضون رفضا مطلقا تنصيب حاكمٍ عسكريٍّ جديد في ليبيا.

ولذلك يُبدون شراسة كبيرة في القتال، وفي الدفاع عن طرابلس، لأنّهم يعتقدون أنّها معقل الثورة، ويرون أنّ سقوطها يعني نهاية الثورة، وتتويجا غير مستحَقّ للثورة المضادّة.

في خصوص السردية القائلة إنّ هجمة حفتر تروم إنقاذ المدنيين من المليشيات، وتحييدهم عن القتال، ورفض إلحاق الأذيّة بهم، تُثبت الوقائع خلاف ذلك،

فالواضح أنّ سكّان طرابلس لم يستقبلوا القوّات المهاجمة بالزهور والزغاريد. بل عبّروا عن غضبهم من اندلاع العمليّات القتالية في وقتٍ كان الليبيون يتطلعون فيه إلى عقد مؤتمر تصالحي بينيٍّ جامعٍ في مدينة غدامس، تشرف عليه الأمم المتّحدة.

كما نزل الناس إلى الشوارع، رافعين شعاراتٍ مضادّة للحلّ العسكري، من قبيل: “لا للحرب”، “نعم للدولة المدنية”، “لا لحكم العسكر”، وهو ما يُخبر أنّ عمليّة “الفتح المبين” لم تجد لها حاضنةً شعبيّة داخل العاصمة.

وتزايدت وتيرة الغضب الشعبي مع قطع قوّات حفتر الماء على طرابلس، وتوسيعها بنك أهدافها، ليشمل قصف مواقع مدنية، من قبيل قصف مطار معيتيقة الدولي، وطواقم طبّية وأحياء مدنية آهلة بالسكّان (حي بوسليم مثالا).

وأدّى احتدام المعارك إلى تهجير 82 ألف وجرح 2400 ومقتل 460.

ومن ثمّة دفع الليبيون المدنيون ثمنا باهظاً في حرْبٍ لم يختاروها، وفُرضت عليهم، على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الذي ما زالت مواقفه مشتّتة باهتة إزاء الحرب الدائرة في ليبيا.

أمّا القول إنّ استهداف طرابلس سيؤدّي إلى توحيد الليبيين، وتأسيس جيش نظامي احترافي، فيبدو أمراً بعيداً، بالنظر إلى أنّ:

الحرب الحالية عمّقت عمليّاً الانقسام داخل الاجتماع الليبي،

فبعثرت البلاد بين شرق وغرب، وبين موالين لفايز السرّاج ومناصرين لخليفة حفتر،

وأجّجت صراع المحاور الخارجية على ليبيا،

وفكّكت النظام السياسي، فظهرت حكومتان، وبرلمانان، وجيشان، وكلّ يدّعي الشرعية لنفسه.

ويؤثر ذلك سلبا على سيادة البلاد ووحدتها، ويزيد من معاناة المواطن الليبي الذي يجد نفسه في مواجهة ويلات ارتفاع الأسعار، ونقص السيولة، وانعدام الأمن.

والحديث عن تأسيس جيشٍ ليبيٍّ نظامي احترافي موحّد لا يكون بمصادرة العمليّة السياسية، والالتفات إلى عسكرة المجتمع، وبناء جيشٍ فوق الدولة، مهمّته حراسة الدكتاتورية.

بل يكون ببناء جيش احترافي جامع، لا يتدخّل في السياسة، بل يحمي الثغور والحدود والمؤسّسات السيادية، ويكون ضامنا للتعدّدية والتداول السلمي على السلطة، ويفترض أن تشرف عليه قيادة مدنية، وأن تكون له صلاحياتٌ محدودةٌ بموجب دستورٍ متفق عليه بين الليبيين، وهو مشروع لم يتحقّق بعد، وينتظر توقّف النزاع المسلّح، وتوجّه أبناء البلد الواحد نحو طاولة الحوار.

يُمكن القول، ختاما،

إنّ ليبيا تشهد مرحلة تاريخية دقيقة، توشك أن تتحوّل معها إلى دولة فاشلة، تتنازعها قوىً داخلية، وأخرى خارجيةٌ، طمعا في الثروة والسلطة.

وفي تقدير مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة “باتت ليبيا بعد الهجوم على طرابلس قاب قوسين من الانزلاق في حربٍ أهلية قد تؤدي إلى تقسيم دائم للبلاد. وسيستغرق رأب الضرر سنواتٍ”.

فالبلاد تواجه احتمال حربٍ دامية، واسعة، وخيمة العواقب، ستمثّل تهديدا لدول الجوار(تونس، الجزائر، مصر…)، وستؤدّي إلى موجات هجرةٍ غير نظامية، مكثفة تجاه أوروبا.

ومن غير البعيد أن يستغلّ تنظيم داعش حالة الانخرام الأمني، ليمتدّ في الداخل الليبي، وليهدّد المصالح الغربية في المنطقة.

ولذلك من المهمّ بمكان أن يضع الفُرقاء الليبيون حدّاً للغة البنادق، ويلتفتوا نحو طاولة الحوار بحثا عن مخرج سلمي، وحلّ توافقي للأزمة الحالية.

حلّ يؤسّس لبناء دولة مدنيةٍ ديمقراطيةٍ تقدّمية جديدة، تقطع مع زمن الدولة الشمولية.

ومعلوم أنّ القوى العُظمى، والدول الإقليمية ذات العلاقة بالشأن الليبي يُمكن أن تدفع في هذا الاتجاه، وإلاّ فإنّ مصالح الجميع ستكون في مهبّ حربٍ أهليةٍ، مدمّرةٍ، ممكنة.

***

أنور الجمعاوي ـ أستاذ وباحث جامعي تونسي، فاز بالجائزة العربيّة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة لتشجيع البحث العلمي (فئة الشباب) من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. له عدة أبحاث وكتب.

___________