Minbar Libya

ثمة أزمة مصرفية لا يجري الحديث عنها بالشكل الكافي تهدد بمفاقمة القتال المهلك الذي تدور رحاه في طرابلس، وإشعال حرب طويلة الأمد للسيطرة على الموارد وتعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.

إن إيجاد مخرج من هذه الأزمة يتطلب الاتفاق على وقف لإطلاق النار في طرابلس ووضع حد للانقسام المستمر منذ أربع سنوات بين الفرعين المتنافسين للمصرف المركزي.

الجزء الثالث

ثانيا: من الإنقسام السياسي إلى الإنقسام المالي

أـ مصرف منقسمة

يعود أصل الأزمة المالية إلى القرار الذي اتخذ في سبتمبر 2014 من قبل مجلس النواب الذي كان قد نصب نفسه في طبرق في أغسطس بعد الانتخابات العامة التي طُعن بها والتي كانت قد أجريت قبل ذلك بشهرين، لتعيين النائب السابق لمحافظ المصرف المركزي، علي الحبري، محافظا مؤقتا، ليحل محل الصدّيق الكبير.

في الواقع فإن الحبري أصبح مديرا لفرع المصرف المركزي في بنغازي، الذي بات يعمل الآن بشكل مستقل، في حين ظل الصدّيق الكبير في منصبه في طرابلس.

وبالتالي، بدأت الحكومتان المتنافستان في شرق وغرب ليبيا بتنفيذ سياسات مالية ونقدية منفصلة، ومتعارضة.

رد المصرف المركزي في أكتوبر 2014 بفصل فرعه الشرقي عن نظام التقاصّ المؤتمن (نظام التسويات الإجمالية الأنية)، الذي تستخدمه المصارف التجارية الليبية لإدارة حساباتها لدى المصرف المركزي.

قبل العام 2014، كان لدى المصرف المركزي ثلاثة فروع عاملة ـ في طرابلس، وبنغازي، وسبها. ومن بين هذه، كان مصرفا طرابلس وبنغازي مرتبطان بالنظام المذكور. وكان هذا يعني أنه كان بوسع الفرعين معالجة الدفعات الحكومية والخاصة وإجراء التقاصّ عليها بالنسبة للوزارات، والشركات، وأصحاب الحسابات من الأفراد لدى المصارف التجارية.

اتخذ المصرف المركزي هذه الخطوة لمنع السلطات في شرق ليبيا من الوصول إلى الحسابات والأموال الحكومية (الاحتياطيات وإيرادات النفط على حد سواء). البرلمان الذي يتخذ من طرابلس مقرا له (المؤتمر الوطني العام المنتخب في العام 2012) اعتبر مجلس النواب المنتخب حديثا غير شرعي.

والقرار الذي اتخذ بفصل بنغازي عن نظام التسويات الإجمالية الأنية يسبق الحكم الصادر عن المحكمة العليا التي تتخذ من طرابلس مقرا لها في نوفمبر 2014، والذي يعلن فعليا أن انتخابات مجلس النواب في يونيو 2014 غير دستورية.

وهذا وفر الغطاء لاحقا للمصرف المركزي لاعتبار الحكومة المدعومة من مجلس النواب في شرق ليبيا غير شرعية واعتبار قرارات مجلس النواب المتعلقة بالمصارف، بما في ذلك طلباته لدفع مخصصات الموازنة، لاغية.

كان قرار المصرف المركزي يهدف بشكل خاص إلى منع تقديم الأموال إلى الجيش الذي أنشأه حفتر حديثا، والذي يدعمه مجلس النواب بينما تعتبره سلطات طرابلس غير شرعي. إلا أن المصرف المركزي استمر بدفع رواتب جميع موظفي القطاع العام الذين عينوا قبل الأزمة السياسية في العام 2014، بما في ذلك العديد من الموظفين في الشرق، وأبقى المصارف التجارية، بما فيها تلك العاملة في الشرق، مرتبطة بنظام التسويات الإجمالية الأنية.

رغم حرمانه من تمويل الدولة والوصول إلى عائدات النفط، التي توضع حصريا في خزائن المصرف المركزي المعترف بها دوليا بطرابلس. في البداية، تمكنت من الحصول على قروض من المصارف التجارية الليبية، ولاحقا في العام 2015، عن طريق سندات الخزينة التي تضمنها وزارة المالية في الحكومة المؤقتة والفرع الشرقي في المصرف المركزي.

سوّت السلطات في شرق ليبيا بعض هذا الدَّين بطبع عشرة مليارات دينار (سبعة مليارات دولار) ووضعها في التداول على مدى الفترة بين عامي 2015 و 2018 بشكل مستقل عن المصرف المركزي في طرابلس.

استمر تدفق الأموال إلى السلطات في شرق ليبيا حتى بعد تنصيب حكومة الوفاق الوطني في العام 2016 في طرابلس، وهي الحكومة التي اعترف بها مجلس الأمن، لكن ليس مجلس النواب.

ويستمر تعليق نظام التقاصّ المؤتمن في فرع بنغازي للمصرف المركزي حتى هذا اليوم، ما سيؤدي إلى نشوء نظامين ماليين متوازيين لكن متداخلين في شرق وغرب ليبيا.

ب ـ نظامان ماليان متوازيان

أوجدت سندات الخزينة التي بيعت بين عامي 2015 و 2018 دينا عاما في شرق ليبيا دون تفويض من المركز المصرفي في طرابلس، بلغ 35 مليار دينار (25 مليار دولار)، أو نحو تسعة مليارات دينار (ستة مليارات دولار) سنويا.

تستخدم حكومة شرق ليبيا نحو 65% من أموالها لتمويل عملياتها، بما في ذلك روواتب الموظفين الذين عينتهم بعد الأزمة السياسية في العام 2014 (والذين لا تشملهم موازنة طرابلس) إضافة إلى الموظفين الذين كانوا معينين قبل الأزمة لكنهم فصلوا عن نظام مدفوعات طرابلس لأسباب تقنية وسياسية بعد العام 2014. وتستخدم 30% أخرى لتغطية التكاليف المعيشية ورواتب الجيش الوطني التابع لحفتر (ومعظمها لا تغطي بموازنة طرابلس).

طوال هذه الفترة نفسها، بلغت موازمة حكومة طرابلس نحو 36 مليار دينار وسطيا (أقل بقليل من 25 مليار دولار) سنويا.

لا تشكل العائدات النفطية المصدر الرئيسي لدخل حكومة طرابلس، لكن بسبب انخفاض إنتاج وتصدير النفط والغاز، واجهت طرابلس أيضا عجزا في الموازنة، تراوح وسطيا بين 15 مليار دينار (10 مليار دولار) سنويا.

في مطلع العام 2019، أشار المصرف المركزي إلى أن إجمالي دَين حكومة طرابلس التراكمي لديه كان 62 مليار دينار (44 مليار دولار).

تغطي موازنة حكومة طرابلس معظم موظفي القطاع العام، بما في ذلك العديد من موظفي الخدمة المدنية وبعض أفراد جيش حفتر وعناصر الأمن الآخرين في شرق ليبيا الذين كانوا أصلا على قائمة رواتب العاملين في القطاع العام قبل أزمة العام 2014.

تدفع الحكومة الرواتب بإصدار شيكات إلكترونية من خلال نظام التسويات الإجمالية الآنية، التي يعالجها عبر المصارف التجارية في سائر أنحاء ليبيا. وتحول هذه الدفعات، مثلها مثل جميع العمليات الأخرى عبر أنظمة الدفع الإلكتروني، بما في ذلك التحويلات الإلكترونية، أولا من الحساب الرئيسي لحكومة طرابلس إلى حسابات الإيداع التي تحتفظ بها المصارف التجارية لدى المصرف المركزي.

الحال لم يعد كذلك بالنسبة لإنفاق الحكومة الشرقية بعد العام 2014. يرسل فرع بنغازي للمصرف المركزي، الذي يعمل بشكل مستقل، الشيكات يدويا إلى الماتب والشركات الحكومية، لكن يتم تخليصها في المصارف التجارية حيث يحتفظ الزبائن بحساباتهم وتمر عبر حسابات ضمان (موازية) لا تتواصل مع نظام التقاصّ الإلكتروني المؤتمت المستخدم في طرابلس.

والنتيجة وجود نظام مواز للحسابات الدائنة والمدينة للبنك التجاري في الفرع الشرقي للمصرف المركزي. ولذلك فإن جميع المصارف التجارية التي لها فروع في الشرق تستعمل نظامين متوازيين: نظام التسويات الإجمالية الأنية للعمليات “القانونية” التي يوافق عليها المصرف المركزي في طرابلس، ونظاما يدويا للعمليات الأخرى (التي تعتبرها طرابلس عمليات غير قانونية“) مع الفرع الشرقي.

طبقا للصدّيق الكبير، محافظ المصرف المركزي، بالإشارة إلى الاتفاق السياسي الليبي الذي وقع في ديسمبر 2015 والذي أوصل حكومة الوفاق إلى السلطة، فإن كل هذا (السندات التي تضمنها السلطات الشرقية) غير قانوني، لأنه لم يرد في اتفاق الصخيرات، علاوة على ذلك، قال إن المصرف المركزي لا يعترف بعملية التقاصّ اليدوية التي تجري في الشرق.

مدراء المصارف يقولون إنه طبقا للقانون المصرفي الليبي لا يستطيعون رفض معالجة الشيكات الصادرة يدويا من الفرع الشرقي للمصرف المركزي أو من المصارف التجارية. ويتفق على الحبري، محافظ الفرع الشرقي مع هذا الرأي. توجب على جميع المصارف التجارية، بما في ذلك أكبر مصارف ليبيا، مصرف الجمهورية، ومقره في غرب ليبيا، الاحتفاظ بحسابات يدوية لدى الفرع الشرقي للمصرف المركزي.

لكن مصرفين على وجه التحديد ـ المصرف التجاري الوطني ومصرف الوحدة ـ ومصرف ثالث خاص أصغر هو مصرف التجارة والتنمية، عالجت الجزء الأكبر من مدفوعات الحومة الشرقية بالنظر إلى أنها موجودة في الشرق ولديها العدد الأكبر من الفروع والزبائن في تلك المنطقة.

وهذا يفسر أن هذه المصارف بشكل خاص هي التي تأثرت بالنظام المزدوج بإجراء التقاصّ على الدفعات الذي يتوجب عليها استخدامه مع المصرف المركزي وفرعه الشرقي، أي استخدام نظام التسويات الإجمالية الآنية في طرابلس ونظام يدوي في الشرق.

لقد نجم عن معالجة دفعات حكومية شرق ليبيا وغيرها من العمليات التجارية بمرور الوقت تراكم الالتزامات المالية على الفرع الشرقي للمصرف المركزي لهذه المصارف التجارية.

النتيجة الرئيسية لهذا الأمر هو أن هذه المصارف التجارية راكمت احتياطات وودائع لدى الفرع الشرقي للمصرف المركزي، بينما استمرت في الوقت نفسه بالقيام بعمليات أخرى عبر المصرف المركزي في طرابلس، حيث تضاءلت احتياطياتها وودائعها بمرور الوقت.

ونتيجة لهذا النظام المزدوج في التقاصّ، احتفظت المصارف التجارية باحتياطياتها الرئيسية من الودائع لدى المصرف المركزي في طرابلس أجرت العديد من التعاملات معه، في الوقت الذي كانت تجري فيه المعاملات أيضا مع الفرع الشرقي للمصرف المركزي وتراكم احتياطيات (اعتمادات) لدى الأخير.

تبدو هاتين المجموعتين من الاعتمادات والودائع المصرفية التجارية متشابهة جدا، مع اختلاف جوهري، فالحكومة في طرابلس، وبالتالي المؤسسات المالية، تعترف باحتياطيات المصرف المركزي ولا تعترف باحتياطيات الفرع الشرقي.

وهذا يعني أنها لا تعترف أيضا بالاعتمادات التي راكمتها المصارف التجارية في الشرق. عمليا، لا تقوم حكومة طرابلس بالإشراف على احتياطيات الفرع الشرقي، وتعكس تلك الأموال فرض الحكومة الشرقية لسلطتها ببيع سندات الخزينة وطبع العملة دون موافقة طرابلس.

بمرور الوقت، راكمت المصارف التجارية اعتمادات لدى الفرع الشرقي بقيمة 21 مليار دينار (15 مليار دولار)، 65% منها يعود للمصارف الثلاثة الآنفة الذكر.

يعكس نظام التقاصّ المزدوج غير الاعتيادي الأثار الجانبية المعقدة للأزمة السياسية الليبية. لكن من وجهة نظر مالية لم تكن مشكلة ملحة طالما ظلت المصارف التجارية قادرة على الاحتفاظ بالحد الأدنى المطلوب قانونيا من الودائع (20% من إجمالي ودائع كل مصرف) لدى المصرف المركزي، وهو ما فعلته في الواقع، حتى مع مراكمة هذه المصارف للاحتياطيات لدى الفرع الشرقي للمصرف المركزي، فإن ودائعها لدى المصرف المركزي نفسه ظلت مستقرة نسبيا بين عامي 2015 ن 2018، وظلت فوق عتبة الـ 20%.

وهذا يشير إلى نظام التقاصّ المزدوج كان يمكن أن يستمر دون أن يؤثر في العمليات الكلية للمصارف التجارية.

يتبع

______________