Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

بعد مرور عشر سنوات على ظهور تنظيم “القاعدة” في منطقة الساحل والصحراء، أتت الحملة العسكرية التي أطلقها قائد المنطقة الشرقية خليفة حفتر، للسيطرة على طرابلس، لتمنح التنظيم وجماعات مسلحة أخرى، مناخا ملائما للتمدد في الجنوب الليبي.

ويمكن القول إن تركيز قوات حفتر على معركة طرابلس، معطوفا على تواضع تسليحها ومُعداتها، وطول خطوط الإمداد من قواعدها في الشرق، أحدثا فراغا مُرعبا في الجنوب، وخاصة في الحقول النفطية، التي أصبحت منكشفة للجماعات المسلحة، من بينها “تنظيم الدولة” وجماعة “أنصار الشريعة” و”أنصار الإسلام” (مركزها في بوركينا فاسو).

وكانت تقارير عدة أكدت أن مقاتلي “تنظيم الدولة” الذين أخرجتهم قوات “البنيان المرصوص” من مدينة سرت الساحلية في 2016، تجمعوا في مناطق الجنوب الليبي حيث الدولة غائبة تماما منذ 2014.

توسُعُ رقعة الإرهاب

من هنا تحول المثلث الليبي الجزائري النيجري إلى بؤرة رئيسة من بؤر العنف والإرهاب. وزادت قرارات الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا أولاند بالتدخل العسكري في شمال مالي، لتخليصه من قبضة الجماعات المسلحة، من تعقيد الأوضاع وتوسيع رقعة الإرهاب في المنطقة. وأرسل أولاند في هذا الإطار أكثر من 4000 جندي فرنسي لكي ينتشروا في مسرح عمليات يُعادل مساحة القارة الأوروبية، ويمتد من موريتانيا غربا إلى تشاد شرقا، مرورا بالنيجر ومالي وبوركينا فاسو، في إطار “عملية برخان”.

وتعزز الحضور العسكري في المنطقة، بعد تلك العملية، بإرسال 12000 من القبعات الزرقاء في إطار “بعثة الأمم المتحدة لتأمين الاستقرار في مالي” أو “مينوسما”.

وتابع إيمانويل ماكرون سياسة سلفه أولاند، باعتماد خطة لتسليح الجيوش الهزيلة لكل من موريتانيا وتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وتدريبها ومعاودة هيكلتها، كي تتصدى للجماعات المسلحة.

بهذا المعنى باتت فرنسا اعتبارا من 2013، تتحكم بقوس جغرافي واسع يشمل مستعمراتها السابقة، وهي تعتبر جنوب ليبيا (فزان) امتدادا لذلك القوس، اعتمادا على أنها كُلفت بإدارتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وهذا ما يُفسر دعم باريس للواء المتقاعد حفتر، بعدما بات يتحكم في الجنوب الليبي، إضافة إلى تحكمه في منطقة برقة (الشرق).

والثابت أن فرنسا تغرق يوما بعد آخر في رمال الصحراء، التي لا تملك الوسائل اللازمة للسيطرة عليها، بدليل أنها لم تستطع إنقاذ 28 جنديا فرنسيا من القتل على امتداد السنوات السبع الأخيرة في هذه المنطقة.

وإذا ما اعتمدنا القياس، يمكن القول: إذا كانت الولايات المتحدة أمضت 17 عاما لكي تقتنع بأنه لا حل عسكريا في أفغانستان، وأن عليها أن تتحاور مع حركة “طالبان”، فإن المراقبين يتساءلون: كم تحتاج فرنسا من الوقت لكي تصل إلى قناعات مشابهة؟

أولويات أمريكية متغيرة

على عكس فرنسا، تتجه الولايات المتحدة إلى التخفيف من حضورها العسكري في هذه المنطقة، في ضوء تقدير جديد للتحديات الأمنية. وأعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) في أواخر العام الماضي، أنها ستُقلص من عدد العسكريين المنتشرين في أفريقيا بنسبة 10 في المئة خلال السنوات المقبلة، مع التركيز أكثر من ذي قبل على الرد على المخاطر التي يشكلها الروس والصينيون على المصالح الأمريكية في القارة.

لكن قائد القوات البرية الأمريكية في أفريقيا، المعروفة بـ”Usaraf” الجنرال روجي مليوتيي، أكد في تصريحات أدلى بها في كانون الأول/ديسمبر الماضي أن أمريكا معنية بتعزيز حضورها في أفريقيا، “ونحن نبحث عن فرص جديدة للتدخل” كما قال.

ويُقدر عدد العسكريين الأمريكيين المنتشرين حاليا في القارة بـ7200 جندي، وهم موزعون على عشرة بلدان، بينها النيجر وليبيا والصومال. وتتألف تلك القوات أساسا من “القوات الخاصة” التي تنفذ عمليات تستهدف جماعات مسلحة، بالتعاون مع الجيوش المحلية في كل بلد.

إلى جانب “القوات الخاصة”، هناك جنود آخرون يتبعون قيادة القوات البرية ويبلغ عددهم ألفي جندي، يعملون في أربعين بلدا أفريقيا، أساسا في أعمال التدريب، وبالأخص في تلك البلدان التي ترسل جنودها للمشاركة في بعثات حفظ السلام.

وتتعاون هذه القوات مع القوات الفرنسية المشاركة في عملية “برخان” في مالي، فهي التي تمنحها الدعم اللوجستي اللازم. وتُرسل عناصر من الجيوش الأفريقية إلى الولايات المتحدة لتلقي تدريبات تكميلية، وهم عادة ما يتولون مناصب قيادية بعد عودتهم إلى بلدانهم.

أمريكيون في ليبيا

بهذا المعنى تشكل القوات الأمريكية في القارة، ومن ضمنها ليبيا، هدفا للجماعات المسلحة، وأسفر هجوم استهدف عناصر من القوات الخاصة في 2017 في النيجر، عن مقتل أربعة جنود أمريكيين وأربعة نيجريين.

ويتضح من خطة الدفاع القومي التي وضعتها إدارة الرئيس الحالي ترامب، والتي يسعى البنتاغون لتطبيقها، أن الاهتمام بات مُنصبا على المنافسين الرئيسيين الروس والصينيين. وهذا يمكن أن يكون أحد الأسباب التي حملت الإدارة الأمريكية على سحب قواتها من ليبيا مع انطلاق الهجوم العسكري الذي شنته قوات حفتر للسيطرة على العاصمة طرابلس.

وأفاد مصدر ليبي مطلع أن قوات أمريكية لم يُحدد عدد أفرادها، كانت ترابط في منطقة بومشماشة بالقرب من مقر “المؤسسة الوطنية للنفط” في العاصمة، وغير بعيد عن قصر الملك الراحل ادريس السنوسي.

وأوضح المصدر أن تلك العناصر ليست قوة مقاتلة، وأن دورها كان يقتصر على تقديم دعم فني ولوجستي لقوات حكومة الوفاق. كما أن واشنطن أوقفت الضربات الجوية في ليبيا منذ كانون الأول/ديسمبر 2016.

نقطة الوصل

وحسب قيادة القوات الأمريكية بأفريقيا “أفريكوم” وجه سلاح الجو الأمريكي قرابة 495 “ضربة جوية دقيقة”، دعما لـ”حكومة الوفاق الوطني”، حتى ذلك التاريخ.

لكن بالرغم من الخطط التي وُضعت لاحتواء تلك الجماعات أو كسر شوكتها، يعتقد خبراء أنها حافظت على قوتها العسكرية والمالية، واستطاعت أن تُخرج من سرت قسما من مقاتليها لم يتسن تقديرُهُ، بالاعتماد على مساومات، لقاء الانسحاب بأقل معارك ممكنة. وزادت أهمية الساحة الليبية بعد هزيمة التنظيم في كل من سوريا والعراق، وخاصة بعد إخراجه من الموصل والرقة، إذ أن ليبيا تقع في نقطة الوصل بين المشرق العربي والمنطقة المغاربية وشمال الصحراء الكبرى، ما يُتيح للعناصر المنسحبة ملاذا آمنا نسبيا.

ويظهر ذلك في تمركز مجموعات من “داعش” وتنظيمات أخرى في محيط مدن الجنوب الليبي من الكفرة إلى سبها.

وركزت وزارة الدفاع الأميركية ضرباتها الجوية في ليبيا بصورة شبه تامة على مقاتلي تنظيم “داعش” وعلى المسلحين الآخرين النشطين في شمال البلد، وذلك منذ صعود دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة. والأرجح أن الموقف الأمريكي، والغربي عموما، من الصراع الدائر حاليا في ليبيا، سيكون انتظار مآل حرب طرابلس للتعاطي مع المنتصر فيها بكل براغماتية.

حرب استنزاف

في هذا المشهد المُركب، شكل قصف مقر مجلس النواب الليبي ليل الأربعاء/ الخميس في ساعة تكتظ فيها الأسواق والمقاهي المجاورة بالزبائن، الذين كانوا يشترون لوازم العيد لأبنائهم، انعطافا في “معركة طرابلس”، إذ حملت رسالة مفادها أن القائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر سيعترض بالقوة على انعقاد جلسات البرلمان في طرابلس، والتي ترمي لتسمية قائد للجيش الليبي عوضا عنه.

ويتعذر في ظل الانقسام الحالي للبرلمان تبلور غالبية في اتجاه أو آخر، إذ لم تستطع الكتلة المؤيدة لحفتر بقيادة رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، تجميع أكثر من 27 نائبا في المقر المؤقت للبرلمان في طبرق (شرق).

أما الكتلة المؤيدة لحكومة الوفاق فجمعت 57 نائبا وهي تستعد لاعتماد اتفاق الصخيرات (2015) بعدما حال الثنائي صالح – حفتر دون تحقيق تلك الخطوة طيلة أربع سنوات بقوة السلاح. وإذا ما استطاع البرلمان العودة إلى الاجتماع في طرابلس فسيبتُ في هذه المسألة بالغة الأهمية.

من أجل ذلك ضُرب مجلس النواب بصواريخ لو وقعت في الشوارع والأسواق المجاورة لأحدثت كارثة بحجم كبير، غير أن خسائرها اقتصرت على إلحاق أضرار جزئية بالفندق الذي يُتخذ منذ 2012 مقرا لـ”المؤتمر الوطني” (برلمان انتقالي) ثم لمجلس النواب.

عسكريا ما زالت قوات حفتر تراوح مكانها في تخوم طرابلس، بالرغم من البيانات المتفائلة التي يصدرها اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم تلك القوات، ويُعلن فيها أن قواته “تُسطر ملاحم الكرامة والعزة والاعتزاز وتُواصلُ تقدمها نحو العاصمة”. لكن المعارك ما زالت على بعد 80 – 100 كلم عن وسط طرابلس، وأساسا في عين زارة وقصر بن غشير، بسبب عدم قدرة القوات المهاجمة على تخطي دفاعات حكومة الوفاق.

واعتبر مراقبون أن استهداف مجلس النواب وقصف مناطق مدنية رسالة خاطئة من جانب قوات حفتر، ليس فقط للمنطقة الغربية، وإنما للشرقية أيضا.

في المقابل حاول السراج الانفتاح على قوى وقيادات من الشرق لفتح حوارات معها، وخاصة تلك التي لا تنسجم مع حفتر، والتركيز على المُكون الاجتماعي (القبلي)، الذي ما زال له ثقل مهم في المنطقة الشرقية. وقد يكون اجتماعه في تونس مع شخصيات مثل عبد الحميد الكزه، المنحدر من أسرة معروفة بتاريخها الوطني في سلوغ (بنغازي)، يندرج في إطار هذا التعاطي الجديد.

غير أن الشخصيات التي تتحاور مع السراج ليست لديها حاضنة اجتماعية كبيرة حاليا، لأن كثيرا منها لم يعد يقيم في المنطقة الشرقية. وعليه ففي غياب مسار سياسي يحتوي الأزمة، سيُراوح الوضعُ مكانه، وستبقى الحرب الدائرة في محيط طرابلس حرب استنزاف تُنهك الطرفين.

___________

القدس العربي