Minbar Libya

بقلم إبراهيم إيزر (ترجمة حميد العربي)

أغاديز، “بوابة الصحراء”. في هذه المنطقة الواقعة بين ليبيا والجزائر ومالي، تجد كل أنواع الإتجار غير المشروع، بما له في بعض الأحيان عواقب وخيمة على السكان.

هذه من النوع الجيد!” يهمس ربيع، وهو يتابع الدخان المتسلل من منخريه. “هذه الغانجا (القنب) جاءتنا من غانا، هي أفضل بكثير من تلك التي تأتي من نيجيريا”، يضيف الشاب الثلاثيني وهو يربت على سيجارة الكيف قبل تسليمها إلى جاره على اليسار.

في هذا الربيع من عام 2019 ، يتكدس نصف دزينة من الشباب في هذه الغرفة التي تقل مساحتها عن ستة أمتار مربعة، على أفرشة ذات ألوان زاهية ملقاة مباشرة على الأرض، ظهورهم إلى الحائط.

يقوم بعضهم بتفتيت القنب، ويسحب آخرون نفسا من سجائر الحشيش ويتأمل الباقي سحب الدخان التي تتراكم في الغرفة الضيقة. الجو حار وثقيل والهواء مسكر.

أنا أدخن القنب منذ أن كنت في التاسعة”، يؤكد سيتوماس، “لكنني الآن صرت أتناول الترامادول أيضا. أدفع 1500 فرنك أفريقي (2.3 يورو) للقرص”. يستمع الآخرون إليه، بشيئ من الفضول، فهو الوحيد في هذه الغرفة الذي يستهلك هذا المسكن ذو الآثار المهلوسة.

يوضح صديقه هارونا كمن يجد له مبرراً: “إنه يتناولها ليمنح نفسه قوة إضافية”. هو يعمل في مجال البناء ويساعده الترامادول على حمل الاكياس والطوب“. يضيف سيتوماس:”لكنني نادم على كوني عرفت هذا المخدر، صار لا يمكنني قضاء يوم دون تناوله“.

يجلس“عقرب”، تاجر المخدرات، الذي ينادى باسم “الريّس” متكئا على وسادة، وهو يستمع إليهم. هو يتاجر في القنب فقط ، لكن في إمكانه أن يدل على الأماكن التي يمكن الحصول منها على مواد أخرى. ويشرح: “هنا مفترق طرق، يمكنك أن تجد كل شيء. الهيروين والكوكايين للأغنياء، أما بالنسبة للفقراء، فهناك الترامادول والغانجا والغراء”.

الموت أفضل”

تُباع المخدرات في مدينة أغاديز، بشمال النيجر، على مشارف الأسواق، أو في محطة الحافلات أو عن طريق تجار المخدرات (ديلير). وهؤلاء التجار أكثر تحفظًا ولا يقبلون التعامل إلا مع المستهلكين الذين تم تقديمهم إليهم مسبقا.

هم يعرفون هذه المنازل المبنية من الطوب عن ظهر قلب، ويعرفون أي باب من الصفيح عليهم اجتيازه لتزويد زبائنهم، هؤلاء الذين يسارعون لإخفاء الأكياس البلاستيكية الصغيرة التي حصلوا عليها في أفرشتهم.

عند الغسق، تتوفر المؤثرات العقلية والقنب والكراك في السوق الليلية أو في الحانات، ويزداد عدد المستهلكين. تقول عديلة، وهي فتاة نحيفة ترتدي قميصا فيروزيا: “أصدقائي [الذين أتعاطى معهم المخدرات] كثيرون. هناك فتيات صغيرات، مجندات جديدات. بعضهن في سن 15 و 16”.

قبل أن صارت تستهلك الكراك، جربت عديلة الغراء والترامادول. وهي تدلي بشهادتها، جالسة على كرسي بلاستيكي، عند امرأة ساعدتها على الولادة الأخيرة. عديلة في الثانية والعشرين من العمر وقد أنجبت ستة أطفال، لم يبق منهم سوى اثنين على قيد الحياة.

ولكي تتمكن من الحصول على حصتها من الكراك بقيمة 25000 فرنك أفريقي ( 38 يورو)، تشتغل الفتاة بالبغاء. إنها لا تعرف ماذا يجب فعله لإنهاء الإدمان. تقول وعيناها مملوءتان بالدموع: “أفضل الموت على أن أعيش هذه الحياة ، مرتّ علي صعاب كثيرة”.

في اتجاه بلدان المغرب

المخدرات التي يتم تداولها في منطقة آغاديز لا تنتهي رحلتها هناك، حيث يكتفي الكثير منها بعبور شمال النيجر فقط. فأقراص الترامادول والديازيبام والأمفيتامين والميثامفيتامين تنتقل عبر بلدان الجنوب في إفريقيا الغربية لتصل إلى المنطقة المغاربية.

وعادة ما يتم نقلها بكميات صغيرة على متن شاحنات البضائع والحافلات والدراجات النارية. يعد اليوم الترامادول المخدر الأكثر رواجا في المنطقة. قام الديوان المركزي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات في سنة 2018 بحجز أكثر من 16 مليون قرص بالنيجر.

ويُستهلك الترامادول لميزاته المهلوسة وأيضا لآثاره المنشطة. يستهلكه البعض، مثل سيتوماس، لمواجهة أشغال يدوية شاقة. وتستعمله الجماعات المسلحة في المنطقة كمنشط مميز بالنسبة لها.

يشرح آدوم موسى، باحث مستقل بآغاديز: “تحتاج الميليشيات إلى المخدرات من أجل البقاء. شاهدت في سَبْها رجال ميليشيات من التوغو جالسين وأمام كل واحد منهم حصته من الترامادول. كانوا مُغَيبين، يتكلمون كلاما غير ذي معنى”.

تواطؤ السلطات وقوى الأمن

أما القنب المتداول في آغاديز فقد تم إنتاجه في المنطقة. ولقد اكتُشفت بعض مزارع القنب الهندي حتى بالنيجر. لكن النيجر تقطعه حركة هامة للاتجار بالقنب وراتنج القنب والتي تصل حتى المغرب ومصر.

وعلى الرغم من عدم وجود أدلة فكثيرا ما يتَهم المجتمع المدني النيجيري السلطات وقوى الأمن والعدالة بالتواطؤ في هذا التهريب. وينطبق الأمر أيضا على تهريب الكوكايين الذي يمر عبر إفريقيا الغربية ليصل إلى أوروبا.

يقول شرطي طلب عدم ذكر اسمه: “لا يأتي كارتل ليقيم في بلد ما هكذا. فهو يحضّر الأرضية ويخلق صداقات ويبني شبكة وعندما يتمكن من الإقامة فذلك يعني أنه اقتنع بأنه تحصل على حد كبير من المناعة”.

ومن سطح مبنى “راديو الصحراء” بآغاديز يذهب إبراهيم مانزوديالو، صحافي محقق، في نفس الاتجاه، شارحا كيف يتم عبور الصحراء لمهربي المخدرات: “أمامهم خياران: الأسلحة والمال”.

أما الأسلحة، فهي تستخدم للدفاع عن النفس ضد المعترضين طريقهم، “قطاع الطرق” والذين أصبحوا يتكاثرون في شمال النيجر، وهم متخصصون في مهاجمة قوافل المخدرات ويعيدون بيع البضائع التي يسلبونها.

أما المال فيستعمل لرشوة قوى الأمن في حال حدوث لقاء بالصدفة في عرض الصحراء. “أجريتُ حديثا مطولا مع أحد الناقلين وشرح لي ذلك. وقد أخبرني أن لديهم الوقت الكافي أحيانا لشرب الشاي مع أفراد الجيش وتبادل الحديث.

يعطونهم لحم الغزال ويعطيهم العسكر في المقابل سجائر أو ماء أو عصائر. ثم يأخذ القائد مظروفه، وهذا المظروف له وحده، أما العساكر فيتم تسليمهم حصصهم فرديا”.

أسلحة متوفرة كالأحذية

تأتي الأسلحة المستعملة لحماية قوافل المخدرات عموما من ليبيا. يقول بائع أسلحة بآغاديز: “الأسلحة؟ إن أردت ذلك فهي مثل الأحذية هناك. وإن أردت كلاشينكوف أو مسدس يمكنك الحصول عليه فورا”.

منذ سقوط القذافي والأسلحة تتدفق قادمة من ليبيا نحو الساحل. في النيجر يتم نقلها نحو غانا ونيجيريا كما تُستعمل أيضا من طرف السكان المحليين.

يحلل آكلو سيدي محمد، نائب رئيس المجلس الجهوي لآغاديز: “مع تفكك الدولة الليبية حيث لم تعد هناك دولة، ومع النزاع الحاصل في مالي ونفاذية الحدود، وتشاد ودارفور البعيد وبوكو حرام … كل بؤر التوتر هذه تخلق تداولا للأسلحة وإرادة في تأمين النفس، لأنه في كثير من الأحيان لم يعد الناس يعتمدون على الدولة في ضمان أمنهم”.

يقود الفقر أيضا عددا أكبر من الناس لتسليح أنفسهم بمدينة الشمال النيجيري. فهجرة السياح بسبب انعدام الأمن في الساحل وإغلاق بعض مواقع التنقيب عن الذهب وحظر ممارسة نشاط اقتصادي مرتبط بالهجرة قطع أرزاق العديد من أرباب العائلات والشباب. وأصبح عدد متنام من الآغاديزيين يتسلحون من أجل ارتكاب أعمال لصوصية في حين يتسلح آخرون للدفاع عن أنفسهم.

من البطالة إلى الجماعات المسلحة

عند حوالي منتصف الليل بوسط المدينة، نستمع الى آزوا، بائع أسلحة شاب، يوافق على وصف نشاطه: “لدي أصدقاء يأتون بالأسلحة إلى الأدغال. أحيانا ينادوني وأحيانا أخرى يقومون بدفن الأسلحة ويدلوني على مكانها. أقوم بدوري ببيعها”.

يشرح ذلك باتساع في حدقة العين وتأرجح الرجل بعصبية. “أشتري المسدسات ب100 ألف فرنك إفريقي (153 يورو) وأعيد بيعها ب150 ألف فرنك (229 يورو). أما بالنسبة للكلاشينكوف فإنني أشتريها ب300 ألف فرنك إفريقي (458 أورو) وأعيد بيعها ب350 ألف (534 أورو)” يضيف آزوا.

ومع ذلك فإن هذا الربح لا يسمح له بإعالة نفسه بالكامل، ويأمل آزوا ،27 سنة، لو أنه يستطيع العيش من عمل آخر. “في السابق كنت سائقا وكنت أعمل في الهجرة، ولكن منذ أن صار ذلك ممنوعا أصبحت عاطلاً عن العمل”.

منذ القمة الأوروبية بمدينة لافاليت في نوفمبر 2015، أصبح النيجر يحارب بصفة نشطة تهريب المهاجرين في المنطقة. وقد وجد الكثير من أبناء آغاديز، الذين كانوا يعيشون من الهجرة، أنفسهم خارج القانون.

يواصل بعض المهربين والسائقين نقل المهاجرين نحو أوروبا سرّا، ولكن جزءا كبيرا منهم ترك هذا النشاط. وقد وعدهم الاتحاد الأوروبي بمساعدة حتى يتركوا هذا النشاط ولكن لم يستفد منها حتى الآن سوى بعض المئات من الأشخاص من بين آلاف الطلبات.

لذلك يهدد بعض المحترفين السابقين في الهجرة السرية باستئناف نشاطهم من جديد، في حين تحول آخرون إلى أعمال تهريب جديدة كنقل الأسلحة والمخدرات. ومع ذلك تبقى الغالبية العظمى من الفاعلين السابقين في مجال الهجرة من شباب آغاديز بلا عمل.

يحذر الصحفي إبراهيم مانزوديالو: “يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يسقطوا بين أحضان بعض تجار الأوهام. أنا لا أتكلم عن مهربي المخدرات ولا أتكلم عن مهربي الأسلحة، بل أتحدث عن الإرهابيين الذين يتكاثرون في شمال مالي وجنوب ليبيا والذين يمكنهم بسرعة اكتساح منطقة آغاديز هذه”.

في الوقت الحالي يحلم آزوا أن يصبح سائقا عند منظمة غير حكومية مؤكدا: “نحن في حاجة إلى مساعدة، نريد عملا. إن وجدت شيئا فإنني سأترك بيع الأسلحة”.

من مخبئهم أيضا يناشد ربيع وسيتوماس النيجر بخلق مناصب شغل: “بعضنا يجيد العمل، نحن نعرف كثيرا من الأشياء ولكن مادام لا وجود لأي فرصة عمل فنحن هنا شبه مضطرين لتفجير رؤوسنا بهذه المخدرات”.

***

إبراهيم إيزر ـ صحفي

______________

المصدر: أورينت 21