Minbar Libya

ثمة أزمة مصرفية لا يجري الحديث عنها بالشكل الكافي تهدد بمفاقمة القتال المهلك الذي تدور رحاه في طرابلس، وإشعال حرب طويلة الأمد للسيطرة على الموارد وتعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.

إن إيجاد مخرج من هذه الأزمة يتطلب الاتفاق على وقف لإطلاق النار في طرابلس ووضع حد للانقسام المستمر منذ أربع سنوات بين الفرعين المتنافسين للمصرف المركزي.

الجزء الرابع

ثالثاـ نحو الذروة: الإجراءات المالية التي اتُخذت في سبتمبر 2018

تفاقم التباين في حسابات المصارف التجارية لدى فرعي المصرف المركزي عندما تبنت حكومة طرابلس رزمة إصلاحات اقتصادية أشارت إليها بوصفها إجراءات ماليةفي سبتمبر 2018 في محاولة لتحرير الوصول إلى رسائل الاعتماد (التي كان المصرف المركزي قد وضع سقفا لها منذ 2014)، وتقليص عمليات السوق السوداء وتحسين السيولة في المصارف.

كان المكون الرئيسي في هذه الإجراءات فرض رسم خدمة يبلغ 183% يضاف إلى سعر الصرف الرسمي على جميع مشتريات العملات الأجنبية التي تشمل عمليات تجارية وشخصية. في حين ظل سعر الصرف الرسمي 1.39 دينار مقابل الدولار.

دخل هذا الإجراء حيز التنفيذ في أكتوبر 2018 عندما بدأ المصرف المركزي بالموافقة على طلبات رسائل الاعتماد.

في البداية امتدحت سلطات شرق ليبيا الإجراءات المالية التي تبنتها طرابلس لأنها كانت قد دعت منذ وقت طويل إلى نظام أكثر انفتاحا لمنح رسائل الإعتماد ولحفظ قيمة الدينار من أجل خفض سعر الصرف في السوق السوداء، الذي كان قد وصل إلى سبعة دنانير مقابل الدولار.

قبل إجراء هذه الإصلاحات، كان معظم الليبيين والتجار الصغار يتمكنون من الوصول إلى العملة الأجنبية من خلال السوق السوداء وبالنسبة لحكومة شرق ليبيا كانت تلك الوسيلة الوحيدة للوصول إلى العملة الأجنبية، بالنظر إلى أن الفرع الشرقي للمصرف المركزي لم يكن بحوزته أي عملات أجنبية.

إلا أن هذه الإجراءات، خصوصا الرسم الجديد، سرعت المشاكل الناجمة عن نظام التسوية المزدوج وأحدثت رد فعل غير متوقع، حيث فرضت ضغوطا فورية على حسابات المصارف التجارية لدى المصرف المركزي، مكان الإيداع الوحيد للعملة الأجنبية في البلاد.

حتى المصارف التجارية التي تعمل في شرق ليبيا يتوجب عليها الاعتماد على احتياطياتها في المصرف المركزي للحصول على العملة الأجنبية.

المصارف التجارية تأثرت بدرجات متفاوتة، لكن المصرف التجاري الوطني ومصرف الوحدة تعرضا لأسوأ الآثار بسبب حجم عملياتهما. على حد تعبير الحبري: “لو بقت (طرابلس) على سعر الصرف السابق لشراء العملات الأجنبية، ما كانت المشكلة لتظهر إلى السطح قبل ثلاث سنوات لكن مع فرض الإجراءات المالية في اكتوبر، فإن نفاد احتياطيات المصرف التجارية في طرابلس تسارع.

تسببت الكلفة الإضافية لرسائل الاعتماد المشتراة بين أكتوب وديسمبر 2018 بانخفاض مفاجئ في إيداعات هذه المصارف (حتى 50% بالنسبة لبعض المصارف طبقا لفرع بنغازي للمصرف المركزي) ما جعلها تصل إلى ما دون العتبة المطلوبة أو الاقتراب كثيرا منها.

بشكل اعتيادي، عندما تنخفض احتياطيات المصارف التجارية إلى ما دون التعبة المطلوبة، يستطيع المصرف المركزي أن يقرر في البداية تقييد عملياتها، على سبيل المثال بالحد من الاتجار بالعملات الأجنبية أو تقليص كميات الأموال التي يمكن تحويلها إلى الحد الأدنى، وإذا استنفدت الأموال بشكل كامل، يمكنه أن يعلّق جميع عمليات المصرف.

لكن إذا قرر المصرف المركزي أن يساعد في منع مصرف تجاري من الإفلاس، يمكنه أن يقرض المصرف أموالا لزيادة احتياطياته (بشكل يشبه عملية إنقاذ) أو تقليص الحد الأدنى المطلوب للإيداعات. عندما بدأت المصارف الشرقية دق نواقيس الخطر في مطلع عام 2019 لم تتبع سلطات طرابلس أي من هذه الإجراءات الوقائية، ورفضت حتى الاعتراف بالمشكلة علنا. بدلا من ذلك، سمحت لاحتياطيات المصارف التجارية بالانخفاض أكثر.

استمر اسنزاف الاحتياطيات بعد يناير 2019، عندما قامت المصارف بعمليات موافق عليها بالعملات الأجنبية، سواء على شكل رسائل اعتماد أو تعويضات عائلية وأموال مخصصة للاستخدام الشخصي. لا تتوافر أرقام دقيقة عن التكاليف الإجمالية لهذه العمليات لكن من المرجح أن تكون كبيرة.

مصرف الوحدة وحده قال إنه تلقى طلبات من زبائنه للحصول على تعويضات عائلية بقيمة 500 مليون دولار (نحو 700 مليون دينار). وبسبب هذه الإجراءات وغيرها، انخفضت احتياطيات المصرف لدى المصرف المركزي أكثر بالمقارنة مع الأرقام التقديرية في نهاية 2018، وفي أواسط مارس 2019، وصلت إلى ما بين مليار وملياري دينار، في حين أن احتياطياته لدى الفرع الشرقي للمصرف المركزي ارتفعت إلى ما بين خمسة إلى ستة مليارات دينار في الفترة نفسها.

احتياطيات المصرف التجاري الوطني لدى المصرف المركزي انخفضت أيضا، لكن الحد الذي وصلت إليه موضع جدل، فطبقا لفرع بنغازي للمصرف المركزي، وصلت إلى 2 -3 مليارات دينار في مارس 2019، في حين أن احتياطياته لدى فرع بنغازي ظلت مرتفعة، أي نحو تسعة مليارات دينار.

مدراء المصرف التجاري الوطني في طرابلس، من جهتهم يدّعون أن احتياطياته لدى المصرف المركزي كانت أكثر بقليل من أربعة مليارات دينار. رغم هذا التباين، فإن هذه الأرقام تشير إلى أن المصرفين يقتربان بخطورة من الحد الأدنى المطلوب قانونيا، الأمر الذي من شأنه أن يدفع المصرف المركزي لاتخاذ إجراءات ضدهما، ويرجح أن تكون على شكل قيود على عملياتهما بالعملة الأجنبية أو قيود على التحويلات الإكترونية.

مسؤولو المصرف المركزي والحكومة في طرابلس إما يقللون من أهمية المشكلة مع المصارف التجارية واحتياطياتها أو ينكرون وجودها. إلا أن البيانات المنشورة للمصرف المركزي تعكس حقيقة حدوث انخفاض مفاجئ في المبالغ الإجمالية لاحتياطيات المصارف التجارية في طرابلس منذ تنفيذ الإجراءات المالية في 2018.

في الشهور الثلاثة بين أكتوبر وديسمبر 2018، انخفض إجمالي الإيداعات الفعلية للمصارف التجارية لدى المصرف المركزي بأكثر من 10% من 101 مليار دولار في سبتمبر إلى 93 مليار دولار في نهاية العام.

يرتبط انخفاض الودائع بالدينار بزيادة شراء العملة الأجنبية وتحويل الأموال إلى الخارج. (مقابل كل 100 دولار أميركي يشتريه مصرف تجاري من المصرف المركزي، يسحب الأخير من حسابات المصرف مقابل ذلك بالدنانير الليبية . استنادا إلى سعرالصرف المحدد من قبل المصرف المركزي.) وهذا لا يقتصر على المصارف في شرق ليبيا، فالمصارف في غرب ليبيا أيضا تشتري كميات كبيرة من العملة الأجنبية لتغطية الواردات من السلع الاستهلاكية وتحويل رأس المال إلى الخارج.

لكن المصارف الشرقية تتأثر أكثر لأن نسبة أكبر من ودائعها الاحتياطية موجودة في فرع بنغازي للمصرف المركزي، الذي لا تعترف به طرابلس.

لم تصبح البيانات عن الشهور الثلاثة الأولى من عام 2019 متوافرة علنيا بعد، لكن عندما يتم الإفصاح عنها، من المرجح أن تظهر المزيد من الانخفاض في الودائع الاحتياطية لدى المصرف المركزي. مع بداية رمضان في مطلع مايو، ارتفع الطلب على رسائل الاعتماد لأن الناس يتسوقون أكثر خلال الأعياد، ما يفرض المزيد من الضغوط على حسابات المصارف التجارية لدى المصرف المركزي. في أواسط مارس 2019، بدأ مرعي البرعصي، رئيس مصرف الوحدة بإطلاق جرس الإنذار.

سنواجه مشكلة حقيقية قريبا جدا، فالطلب على العملة الأجنبية مرتفع واحتياطياتنا لدى المصرف المركزي منخفضة. بعد حوالي شهر ستتكشف المشكلة أكثر، وسنصل إلى لحظة لن نكن عندها قادرين على تغطية المزيد من الطلبات (للتعويضات ورسائل الاعتماد). إلا أن نفاد ودائعنا في طرابلس يمكن أن يؤثر أيضا على دفع الرواتب. وماذا سيحدث عندها، أنا فعلا لا أعرف.

يتبع

______________