Minbar Libya

مر ما يقارب الشهرين منذ زحف المشير خليفة حفتر بقوات الجيش الوطني الليبي إلى طرابلس، تحت قيادته، محاولًا الاستيلاء على العاصمة، من قاعدته في شرق ليبيا.

الجزء الثالث

جمودٌ سياسي في ليبيا

بحسب تحليل المنظمة، فإنَّ الجهود الرامية إلى إيقاف الحرب بالطرق الدبلوماسية فشلت في بدايتها. فبدلًا من إدانة حفتر لسعيه في إطاحة الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة بالقوة، أعلن البيت الأبيض دعمه في منتصف أبريل الماضي.

هذا التحول المفاجئ في واشنطن، الذي يتناقض مع سياسة الولايات المتحدة التي بدت في تصريحات وزارة الخارجية، ساهم في شل حركة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومنعه من إدانة الهجوم والإيعاز بأخذ إجراءاتٍ دولية. وجعل العواصم الأوروبية، حتى تلك التي كان لديها حافزٌ أوليّ لشجب الهجوم مثل روما، تتبنى نهجًا أكثر تهاونًا؛ فأدانت الهجوم شفهيًّا، واكتفت بذلك.

وإلى جانب ذلك، فقد شجع الموقف الجديد الذي اتخذته الولايات المتحدة داعمي حفتر الإقليميين في الرياض وأبوظبي والقاهرة على الاستمرار في تقديم الدعم المالي والعسكري لمواصلة هجومه العسكري، الذي وصفه دبلوماسي مصري بأنَّه «واجب قومي» على حفتر.

أما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فكان تقاعسه جليًا. إذ بعد مرور 10 أيام على بدء الهجوم، ظل أعضاء المجلس عاجزين عن الاتفاق على التصويت على مسودة صاغتها المملكة المتحدة، تدعو لوقف إطلاق النار. ورفضت فرنسا وروسيا تحديدًا مسودة تُلقي باللوم في ذلك التصعيد على قوات حفتر وحدها.

وطلب كل منهما وضع عباراتٍ إضافية تدعو حكومة طرابلس إلى مضاعفة جهودها لمكافحة الإرهاب. لكنَّ الدبلوماسيين يتفقون على أنَّ الولايات المتحدة لعبت دورًا حاسمًا في إيقاف أي مناقشات تخص ذلك النص.

وبررت واشنطن رفضها مسودة المملكة المتحدة بقولها إنَّها لم تضع آلية للتأكد من أنَّ وقف إطلاق النار سيُحترم، وفي النهاية، منعت معارضتها تلك المسودة من إحراز أي تقدم.

وتشير المنظمة إلى أنَّه عند تأمل الأمر بأثرٍ رجعيّ، يصعب اعتبار ذريعة الولايات المتحدة أكثر من مجرد ستارٍ لتحولها السياسي نحو دعم حفتر، وهو ما كانت قد بدأته بالفعل ولم تعلنه إلا يوم 19 أبريل. لم يتغير شيء منذ ذلك الحين.

وعقب المشاورات المُغلقة في 10 مايو، كان أفضل ما استطاع المجلس أن يتوصل إليه هو بيانٌ فاتر، أعرب فيه عن مخاوفه إزاء «الاضطرابات في طرابلس وتدهور الأوضاع الإنسانية، ما يهدد حياة المدنيين الأبرياء، ويهدد بدوره فرص التوصل إلى حلٍّ سياسي»، ويدعو جميع الأطراف إلى «العودة إلى وساطة الأمم المتحدة السياسية، والالتزام بوقف إطلاق النار، وإنهاء التصعيد من أجل نجاح هذه الوساطة».

وكان مجلس الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي قد استخدم لهجةً حادة في وصفه الحرب بطرابلس، تفوق أي جهةٍ دولية حتى هذه اللحظة، حسبما يرى تحليل المنظمة. إذ وصف بيانه الختامي، في 13 مايو، الهجوم العسكري الذي شنته قوات حفتر والتصعيدات التي أعقبته داخل طرابلس وحولها بأنَّها «تهديدٌ خطير للسلام والأمن الدولي».

غير أنَّ المجلس فشل في تحويل تلك العبارات إلى أفعال، مقيدًا نفسه بدعوة «جميع الأطراف إلى تنفيذ وقف إطلاق النار» والعودة إلى المفاوضات السياسية.

وتعتقد المنظمة أنَّه كان بمقدور المجلس إيقاع عقوباتٍ على الأطراف المُتهمة بزعزعة السلام والأمن الدولي إذا أراد ذلك، بل وحتى دعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى استغلال مواردهم (مثل القطع البحرية المخولة بالفعل بموجب عملية صوفيا التي ينفذها الاتحاد الأوروبي، أو أقماره الصناعية) في مراقبة تطبيق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

والحقيقة هي أنَّ تقاعُس الاتحاد الأوروبي عن فعل ذلك، بحسب أحد دبلوماسييه، يُقر بوجود «خواءٍ عام» يسود الاتحاد في ما يتعلق بليبيا. وعلى الرغم من أنَّ العواصم الأوروبية تعترف بحكومة الوفاق الوطني، يبدو أنَّ معظمها قد فقد الأمل فيها، متوجسين في الوقت نفسه مما قد يستتبع سيطرة حفتر.

وبصرف النظر عن الدمار الشديد الذي سببه في العاصمة، تخشي الغالبية أنَّه سيفرض في طرابلس سلطة جائرة تشبه تلك التي فرضها شرق ليبيا (حيث اعتقل الإسلاميين والأطراف السياسية المعارضة الأخرى، ونفذ إعداماتٍ غير قانونية). وهذه المعضلة، إلى جانب رفض واشنطن إدانة الهجوم على طرابلس، بالإضافة إلى علاقات فرنسا القوية بداعمي حفتر، تسببت في شللٍ سياسي بين معظم دول الاتحاد الأوروبي.

وبينما تعترف فرنسا رسميًّا بحكومة الوفاق الوطني، لكنَّها مقارنة بالدول الأوروبية تُعد الأكثر دعمًا صراحةً لقوات حفتر، إذ ترتبط بعلاقةٍ وثيقة معه منذ عام 2015. ووفق ما ورد في تحليل المنظمة، يتزامن ذلك مع تعاون باريس العسكري الوثيق مع أبوظبي، ويتسق بدروه مع أولوياتها في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، حيث نشرت 3 آلاف جندي في إطار عملية «برخان».

وجديرٌ بالذكر أنَّ دولة التشاد المجاورة هي شريكٌ جوهري في العملية، ومن نواحٍ عدة، يُعد دعم فرنسا لحفتر نتيجة طبيعية لتأييدها طويل الأمد للرئيس التشادي إدريس ديبي.

إذ إنَّ حفتر وديبي حليفان مقربان، ومن منظور باريس يُعتبر حفتر بميوله الاستبدادية حسبما وصفتها المنظمةشريكًا أفضل في ليبيا من ناحية درء الجهاديين وتسلل المتمردين التشاديين من جنوب ليبيا.

وكل ذلك تسبب في شعور حكومة السراج بالإحباط، وهددت بإيقاف عمل شركة النفط الفرنسية «توتال» في منتصف مايو، في محاولةٍ منها لإقناع باريس بتعديل سياستها تجاه حفتر. إلا أنَّ المسؤولين الفرنسيين بدلًا من ذلك اتهموا حكومة السراج بالتقصير في التعامل مع «الإرهاب» غرب ليبيا، وكان موقفهم شبيهًا لما أعرب عنه المسؤولون الإماراتيون.

وعلى الرغم من النهج الأكثر إنصافًا الذي تبنته في السابق روما وبرلين، يبدو أنَّ كلتيهما تقتربان أكثر فأكثر من اتخاذ موقفٍ شبيه بموقف باريس، فهما مترددتان في إدانة هجوم حفتر صراحةً، أو دعوة قواته إلى الانسحاب من غرب ليبيا؛ وهو المطلب الأساسي للسراج حينما زار عواصم أوروبا في مطلع شهر مايو.

وتُرجح المنظمة في التقرير رجوع ذلك جزئيًّا إلى تغيير سياسة الولايات المتحدة؛ إذ ستتردد معظم العواصم الأوروبية في اتخاذ موقفٍ مضاد لموقفها من ليبيا، وينطبق ذلك الآن أكثر وقد صار حليفا الحكومة الطرابلسية الرئيسيان هما أنقرة والدوحة.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنَّ دعم باريس لقوات حفتر، إلى جانب بعض التقييمات التقنية الأخرى لفرص حفتر في النجاح عسكريًّا، كان عاملًا مساعدًا في فتور أوروبا تجاه معسكر طرابلس.

كان هذا هو الحال حتى منتصف مايو على الأقل، أما الآن وبعد مرور سبعة أسابيع منذ بداية الحرب، التي تحولت بالفعل مع الوقت إلى مأزقٍ عسكري كما تنبأت المنظمة، فيبدو أنَّ بعض المسؤولين الأوروبيين يُعيدون تقييم افتراضاتهم، وربما كان الفرنسيون من بينهم.

لكنَّ المنظمة ترى أنَّ فرنسا تستحق بعض الثناء رغم ذلك، لكون ماكرون هو الزعيم الأوروبي الوحيد الذي دعا على الأقل إلى التوصل إلى آلية دولية لمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار. ويقول المسؤولون الفرنسيون إنَّهم يبحثون في كيفية تنفيذ تلك المراقبة؛ ومن الخيارات المتاحة استخدام أجهزة الرادار، أو مراقبين على الأرض.

إلا أنَّ فرص أن تتخذ تلك الأفكار شكلًا ملموسًا لا تزال ضئيلة، نظرًا إلى صعوبة مراقبة المواقع العسكرية في المدن. واحتمالات موافقة طرابلس أو بنغازي على فرض تلك المراقبة ضئيلة هي الأخرى، إذ إنَّ حفتر رفض وقف إطلاق النار، وطرابلس من جهتها ترفض أي مشروع لا يشمل انسحاب قوات حفتر التام من غرب ليبيا.

_____________