Minbar Libya

ثمة أزمة مصرفية لا يجري الحديث عنها بالشكل الكافي تهدد بمفاقمة القتال المهلك الذي تدور رحاه في طرابلس، وإشعال حرب طويلة الأمد للسيطرة على الموارد وتعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.

إن إيجاد مخرج من هذه الأزمة يتطلب الاتفاق على وقف لإطلاق النار في طرابلس ووضع حد للانقسام المستمر منذ أربع سنوات بين الفرعين المتنافسين للمصرف المركزي.

الجزء الخامس

رابعا: تحاشي وقوع أزمة مصرفية شاملة

من شأن تقييد عمليات المصارف التجارية بالعملة الأجنبية بشكل حاد أن يكون له تداعيات كبيرة. من غير الواضح كيف ستتكشف هذه الأزمة، جزئيا لأنه لم يقم أي خبير مختص بدراسة المشاكل التي تؤثر بهذه المصارف، ناهيك عن محاولة معالجتها.

لكن ثمة إجماعا يتنامى بين العدد القليل من الأشخاص الذين يتابعون الأزمة المصرفية الوشيكة مفاده أن ذلك يمكن أن يفاقم مشاكل السيولة الحادة أصلا في ليبيا، ما سيرفع سعر صرف العملات الأجنبية في السوق السوداء وهو ما سيتسبب بدوره بحدوث التضخم.

من المرجح أن يتأثر تقديم الخدمات أيضا، لأن العديد من الشركات الحكومية (مثل شركة الكهرباء أو شركة الخليج العربي للنفط) والشركات الخاصة التي تحتفظ بحسابات في هذه المصارف قد لا تتمكن من تمويل وارداتها، بما في ذلك قطع التبديل، أو دفع التزاماتها مقابل عقود الخدمة لصيانة بنيتها التحتية.

من شأن هذا التطور أن يؤثر بالقطاع المصرفي بأسره، خصوصا إذا حصل ازدحام على المصارف في سائر أنحاء البلاد. ويبقى هناك سؤال مفتوح ما إذا كان هذا سيؤثر أيضا على دفع رواتب الموظفين الحكوميين.

متحدثا في أواسط مارس، قبل أسابيع فقط من إطلاق القوات التي يقودها حفتر لهجومها على طرابلس، رسم الحبري صورة مروعة لما يمكن أن يحدث: “من الممكن نشوء حالة من الهلع. وقد تحدث ثورة ثانية هنا، بالإشارة إلى إحتمال قيام انتفاضة ضد طرابلس.

كما حذر من أنه إذا لم يتم العثور على حل لهذه المصارف، من المرجح أن يرد جيش حفتر، ملمحا إلى أن هذا يمكن أن يؤدي إلى مواجهة أخرى في المنصات النفطية وحقول النفط أو تسريع تقديم جيش حفتر نحو طرابلس.

مسؤول يعمل مع محافظ المصرف المركزي في طرابلس أقر بأن المواطنين يمكن أن يصابوا بالهلع إذا تم تقييد عمليات المصارف التجارية.

إذا فشلت المصارف، فإن التداعيات السياسية والعسكرية ستكون خطيرة أيضا، حيث إن هذا سيقلص بشكل حاد قنوات تمويل الحكومة الشرقية وبالتالي قدرات جيش حفتر. ومن شأن هذا أن يضيف رواية تصعيدية ضد سلطات طرابلس، حيث يتهمها أنصار حفتر ليس فقط بتمويل المجموعات المسلحة بل يتعمد إفلاس الحكومة في شرق ليبيا وجيش حفتر والشركات الخاصة، وهي أفعال يقولون إنها تبرر بأثر رجعي الهجوم على العاصمة.

على المدي القصير، فإن تقييدا لقنوات تمويل شرق ليبيا سيجبر السلطات هناك على الأرجح إلى السعي للحصول على تمويل خارجي لدفع رواتب موظفي القطاع العام، وستكون الممولتان الأكثر ترجيحا هما السعودية والإمارات.

يبدو أن الرياض قدمت أصلا الدعم المالي لحفتر لإطلاق هجومه الغادر على طرابلس، لكنها لم تمول رواتبه أو رواتب موظفي الحكومة أو تكاليفها التشغيلية، التي ما تزال الحكومة في الشرق تدفعها.

لكن إذا واجهت المصارف التجارية التي ساعدت في دفع رواتب موظفي الحكومة في الشرق قيودا كما هو متوقع، فإن السلطات هناك قد تدعو داعميها الخارجيين إلى تغطية جميع نفقات القطاع العام. بدلا من ذلك يمكنها أن تختار طبع المزيد من العملة لزيادة المتوافر من النقود رغم أن هذا يسسرع من ضغوط التضخم.

 لكن هذه تبقى حلولا قصيرة الأمد لن تنجح في معالجة الأزمة المصرفية، ولا في تحقيق المواءمة في نظام التقاصّ المزدوج المطبق على المدفوعات. ستظل المصارف التجارية المحلية ممنوعة من معالجة أوامر الدفع الأولية طالما ظلت احتياطياتها في المصرف المركزي تحت العتبة القانونية.

كما أن هجوم جيش حفتر لطرابلس أدى إلى تشدد المواقف في العاصمة، حيث يتحدث المسؤولون على نحو متزايد عن اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لتقليص الموارد المالية للجيش الغازي للعاصمة، بما في ذلك حذف أفراده من قوائم رواتب طرابلس، وحتى التوقف عن دفع رواتب موظفي القطاع المدني في الشرق.

متحدثا في أواخر أبريل، قال وزير الداخلية في طرابلس: “لدينا قاعدة بيانات جميع موظفي القطاع العام، ونستطيع تعليق رواتب جميع أولئك الموجودين في الشرق، وينبغي أن نفعل ذلك. دعهم يفهمون تبعات أفعالهم“. سيتمثل الأثر المباشر لمثل هذه الإجراءات العقابية في زيادة متطلبات الحكومة في الشرق من المدفوعات بشكل يتجاوز بكثير المستوى الحالي لنفقاتها ـ نحو ستة مليار دولار سنويا.

على المدى البعيد، إذا استمر الانقسام العسكري والسياسي العميق دون حدوث تغير رئيسي على الأرض، قد تراهن حكومة شرق ليبيا على السعي للوصول إلى إيرادات ليبيا النفطية وربط المصارف العاملة في الشرق، بما في ذلك فرع المصرف المركزي في بنغازي، بالنظام المصرفي الدولي.

لكن يشك بأن تكون قادرة على فعل ذلك، حيث إن الاتجار بالنفط والوصول إلى نظام التحويل الإلكتروني الدولي للأموال، سريفت، المستخدم في سائر أنحاء العالم، يعتمد بشكل كبير على موافقة الولايات المتحدة.

على مدى السنوات، أكدت واشنطن بشكل متكرر على مبدأ أن تظل المؤسسات المالية الليبية غير مقسمة وأن تتم إعادة توحيد حكومتها. المسؤولون الأميركيون لم يمنحوا الشرعية للحكومة الشرقية أو لفرع المصر المركزي في بنغازي، واحتفظت وزارة الخزانة الأميركية بعلاقات مع محافظ المصرف المركزي في طرابلس فقط.

في العديد من الأوجه، ضمن الموقف الثابت للولايات المتحدة في هذه المسألة تدفق إيرادات ليبيا النفطية فقط إلى المصرف المركزي في طرابلس، وبالتالي إلى الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، على مدى السنوات الماضية. لكن مع تلميح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعمه لحفتر في أواسط أبريل، وبالتالي تنسيق موقف الولايات المتحدة مع موقف السعودية والإمارات ومصر، فمن المحتمل حدوث تغيير على السياسة المتبعة حيال الشؤون المالية الليبية والقطاع النفطي.

يتبع

______________