Minbar Libya

بقلم أحمدعلي أوغلو

يتداخل العسكري والسياسي في الجزائر والسودان نتيجة تجارب سياسية معقدة وممتدة لكن ما يميز الجزائر والسودان أنهما استفادا من تجاربهما الخاصة وتجارب غيرهما، ويبقى أن نجاح حراك البلدين السلمي سيعطي بالتأكيد أملًا بإمكانية التغيير في المنطقة دون إراقة دماء وتهجير، وتدمير البلاد.

الجزء الأول

مما لا شك فيه، أن المؤسسة العسكرية الوطنية لعبت دورًا مهمًّا في تمهيد الطريق لبناء الدولة الحديثة ما بعد الاستعمار، وقدمت تلك المؤسسة نفسها على أنها الدرع الواقية لبقاء ذلك الكيان القومي الوليد، فارتأت أن تدير البلاد تارة بشكل مباشر وتارة من وراء الكواليس، وأظهرت ذلك الانخراط في الحياة السياسية على أنه عبء ثقيل، والتزام أخلاقي، وتكليف لا تشريف.

لكن الحقيقة أن الجزائريين مثلًا يدركون أن المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي للبلاد، ويطلقون على حكم الجنرالات والدولة العميقة السلطة المطلقة وهي تجمع مؤثِّر، ونافذ جدًّا من القلة الثرية، من الأوساط الداخلية للنظام الحاكم.

وبوجود مثل هذه المجموعة، لا تحتاج القوات المسلحة للظهور على المسرح بشكل مباشر؛ إذ اشتُهرت الجزائر بأنها الديمقراطية الخاضعة للسيطرة، أو البلد الذي يحق فيه للقوات المسلحة والنخبة المختارةللمواطنين غير المنتخبين، اتخاذ القرارات الرئيسية، بما في ذلك اختيار الرئيس نفسه.

أما في السودان، فالمتتبع لتاريخه الحديث، يجد أن ذلك البلد عاش تحت أنظمة عسكرية أطول بكثير مما عاشه في ظل حكومات مدنية منتخبة؛ إذ لم يهنأ السودان بحكومة مدنية أكثر من عامين أو ثلاثة.

غالبًا ما تنتهي تلك الحقبة المدنية المؤقتة باضطرابات، ونزاعات سياسية تؤدي إلى عدم استقرار، وتدهور اقتصادي، يستدعي تدخل الجيش، وكأن تلك الحقب المدنية كانت بمثابة درس من المؤسسة العسكرية للشعب وقطاعاته المدنية بأنهم عاجزون عن إدارة أنفسهم، وقاصرون عن مواجهة التحديات، ومفتقرون لأدوات إدارة البلاد.

والمفارقة أن الجيش إذ يقدم نفسه بديلًا ومنقذًا، ما إن ينقض على السلطة حتى يوظف عقليته العسكرية السلطوية لقمع الحريات، والأحزاب، والحياة السياسية، والمدنية، ما يستدعي ثورة شعبية عارمة بعد أن ينهك الفساد والاستبداد العسكري مقدرات البلاد، ويبدد ثرواتها، ويقيد الحريات فيها، ويقضي على الحياة السياسية.

وكأن شعوب هذه المنطقة قد كُتب عليها أن تتيه في فلك تلك الحلقة المفرغة، فعليها إما أن تختار، جبرًا، الإدارة العسكرية الاستبدادية، أو إدارة مدنية يراد لها أن تفشل في إدارة البلاد، لتبقى ذريعة التدخل العسكري قائمة. وهذا ما سجلته دفاتر التاريخ الحديث في البلدين.

ليس من الإنصاف القول بأن المجتمعات العربية فشلت في إفراز نخب مجتمعية وأحزاب سياسية مؤهلة لكي تدير دفة البلاد، فلا المناخ السياسي للأنظمة القمعية أعطى فرصة حقيقية لممارسة ديمقراطية تفرز أحزابًا سياسية حقيقية ووازنة، ولا المؤسسة العسكرية ترغب في بزوغ شمس منافس حقيقي يحجِّم دورها، ويقيِّد صلاحياتها.

معايير ضبط العلاقات المدنيةالعسكرية 

لا يُجمع المختصون والباحثون في العلوم السياسية والعلاقات الدولية على تعريف واضح لطبيعة وضوابط العلاقات المدنيةالعسكرية، ففي النظرية التقليدية الأميركية مثلًا، يقدِّم صامويل هنتنغتون العلاقات المدنيةالعسكرية كمتغير تفسيري، يقوم على مبدأ الاحتراف والمهنية، بمعنى أن الجيش يجب ألا ينخرط في الحياة السياسة، ومهامه تنحصر في تنفيذ وإنجاز السياسة الدفاعية للبلاد.

بينما أضاف جانووتيز بعدًا آخر للنظرية التقليدية، التي تقوم على الحياد السياسي للجيش، بأن أكَّد على ضرورة مشاركة المؤسسة العسكرية في وضع أسس النظام الديمقراطي، وذلك لأنه يعتقد أنه من الصعوبة التطبيقية العملية بمكان أن يتم التعامل مع المؤسسة العسكرية على أنها كيان محايد، أو مرتزقةينفذون خططًا وسياسات وبرامج أمنية ودفاعية، مقابل امتيازات مادية، ومكافآت مالية.

وقدمت ريبيكا شيف عدة أدوات ومبادئ لتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسستين، كان أهمها التأكيد على أهمية الحوار، ومشاركة القيم والغايات العليا بين العسكريين من جهة، والنخب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى.

أما دوجلاس بلاند، فقد طرح نظرية تقاسم السلطةوالتي ترى أن دور المؤسسة العسكرية لا يقتصر على مجالات الدفاع عن حدود البلاد وأمنها من العدو الخارجي، بل يتعدى دورها إلى حفظ الأمن الداخلي وقت الضرورة.

المؤسسة العسكرية الجزائرية والسودانية

تنص معظم الوثائق الدستورية على أن الجيش الوطني مكلف بالدفاع عن وحدة البلاد وسلامة ترابها وسيادتها، ولا تذكر أي من هذه الوثائق الدستورية أي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسة العامة وإدارة شؤون البلاد.

لكن الواقع في المجتمعات العربية، الجزائرية والسودانية، كان مغايرًا لذلك تمامًا، حيث لعب الجيش الجزائري دورًا مركزيًّا في مفاصل الحياة منذ استقلال الجزائر.

فبالرجوع الى التاريخ السياسي للجزائر نجد أن الرؤساء المتعاقبين على حكم الجزائر كهواري بومدين، والشاذلي بن جديد، واليمين زروال، كانوا وزراء دفاع قبل أن يتسلموا مناصب الرئاسة.

وبالمثل، فإن المتتبع لتاريخ السودان الحديث يجد أن السودان لم يهنأ بعد استقلاله، عام 1956، بحكومة مدنية أكثر من عامين.

بدأ حكم الجنرالات في السودان عندما قفز الجيش على السلطة بقيادة الفريق إبراهيم عبود، عام 1958، أعقب حكم عبود حكمًا مدنيًّا بانتخابات جرت عام 1965.

إلا أن الجيش انقض على السلطة مرة أخرى عام 1969 بقيادة جعفر النميري، الذي ظل في الحكم 16 عامًا تخللتها محاولات انقلابية فاشلة، إلى أن انتفض الشعب انتفاضة جماهيرية واسعة أتت بالمشير عبد الرحمن سوار الذهب عام 1985، والذي سلَّم السلطة لحكومة منتخبة برئاسة الصادق المهدي، والذي انقلب عليه العميد (آنذاك)، عمر البشير، عام 1989.

فما الذي يدفع الجنرالات لدخول معترك الحياة السياسية وترك ثكناتهم العسكرية ووظيفتهم الرئيسية في حماية حدود البلاد وسلامة أراضيه؟ 

***

 أحمد علي أوغلو: أكاديمي وصحافي مهتم بقضايا الشرق الأوسط

……

يتبع.

_____________