Minbar Libya

مر ما يقارب الشهرين منذ زحف المشير خليفة حفتر بقوات الجيش الوطني الليبي إلى طرابلس، تحت قيادته، محاولًا الاستيلاء على العاصمة، من قاعدته في شرق ليبيا.

الجزء الرابع

مسارٌ محتمل

ترى «مجموعة الأزمات الدولية» أنَّ ترك الحرب في طرابلس تتطور دون بذل جهودٍ صادقة من أجل الدفع بكلا الطرفين إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، هو أمرٌ شديد الخطورة. فبالدعم المُقدم من الخارج، يمكن أن يتصاعد النزاع، متسببًا في دمارٍ مادي هائل، ومعاناة إنسانية في العاصمة والمناطق المجاورة.

وتعتقد المنظمة أنَّ ذلك من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى زعزعة الاستقرار في شرق ليبيا، المقر الرئيسي لحفتر، حيث بدء زعماء القبائل يُبدون سخطهم من الحرب الدامية الدائرة في العاصمة، والتي يعتبرونها غير ضرورية.

أما في الجنوب، فقد مكّن الفراغ الأمني الذي تسبب فيه إعادة نشر قوات الجيش الوطني الليبي في العاصمة خلال أبريل الماضي ميليشيات الدولة الإسلامية (داعش) من العودة، وهو تطورٌ يقوض منطق فرنسا في دعمها قوات حفتر.

هذا وقد تؤدي إطالة مدة المعركة في طرابلس إلى إشعال فتيل حربٍ في مناطق أخرى بهدف السيطرة على الموارد المالية والنفطية في البلاد.

ومع رفض كلٍّ من قوات حفتر والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني إيقاف أعمال العنف في خضم ذلك الجمود السياسي، من المُرجح أن تتواصل الحرب في طرابلس وحولها.

وفي اللحظة الراهنة، لا يبدو أيٌّ من الطرفين على استعدادٍ لوقف إطلاق النار، أو التسوية سياسيًّا، إذ إن كليهما متلهفٌ لإحراز انتصارٍ حاسم يُمكّنه إما من إبطال الإطار السياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة (وهو حال حكومة الوفاق الوطني المستفيدة من الاعتراف بها دوليًّا، وما يستتبع ذلك ماليًّا وعسكريًّا)، وإما تعديله لصالحه (في حالة قوات حفتر).

وحسبما ترى المنظمة، تشير الديناميات على الأرض إلى هذا الاتجاه السلبي. فلا يتضح بعد ما إذا كان حفتر وداعموه داخل ليبيا وخارجها سيرضون بأقل من السيطرة الكاملة على البلد؛ ما سيتيح لهم إملاء شروطهم الخاصة للإطار السياسي الجديد، وقد أمسك حفتر بزمام السلطة.

ويؤمن الكثيرون في طرابلس بأنَّهم لن يرضوا بأقل من ذلك، ولهذا السبب قد أقسموا على مواصلة القتال. وفي المقابل، الكثيرون في معسكر حفتر لا يعتبرون السراج شريكًا شرعيًّا في التفاوض، بل يصورونه أسيرًا تحيط به الميليشيات؛ ولذلك فهم يرفضون صميم فكرة التفاوض ويواصلون القتال أيضًا.

واحتمالات تصاعد هذا الوضع كبيرة في تقييم المنظمة، وذلك مع تدفق الأسلحة والمعدات من الخارج، لكنَّ الحال ستنتهي على الأرجح بأزمة جديدة أشد تدميرًا. لهذا ينبغي لكلا الطرفين، وداعميهما الخارجيين، أن يعيدا تقييم ميزان القوى والاحتمالات المستقبلية التي ربما تخرج بشكلٍ أكثر واقعية، وعلى ذلك يكون عليهم الابتعاد عن التصريحات المتفاخرة عن الانتصار الوشيك.

وينبغي لتلك الجهات الإقليمية، وخاصةً المؤيدة لحفتر، أن تُبدي اهتمامًا بوقف تصعيد التوترات، وإلا وجدت نفسها مضطرةً إلى تمويل قوات حفتر والحكومة الشرقية الداعمة لها؛ الذين من المتوقع أن يُفلسا عندما تصل الأزمة المصرفية التي ظلت تنمو منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018 إلى ذروتها في المستقبل القريب جدًا.

وتشير المنظمة إلى وجود مطلبٍ أساسي لدى الطرفين قبل التفاوض لخفض التصعيد، وهو أن يشعر كلاهما بأنَّ مصالحهما الأساسية تؤخذ في الاعتبار. إذ تقول حكومة السراج والقوات الموالية لها إنَّها ترغب في انتهاء الجهود العنيفة من جانب قوات حفتر بهدف إطاحتها، وأن يتوقف الهجوم على طرابلس، وتريد ضماناتٍ بخضوع القوة العسكرية لرقابةٍ مدنية.

وبدورها تقول الحكومة الشرقية إنَّها ترغب في حصتها العادلة من إيرادات النفط، وتحرير العاصمة من حكم الميليشيات كما تصفه، وذلك قبل العودة لاستئناف المفاوضات على خارطة طريقٍ سياسية. وبتناول هذه الأهداف من حيث قيمتها الظاهرية، فهي غير متعارضة بالضرورة، ومن ثم، يجب أن يكون من الممكن التوصل من خلال المفاوضات إلى وقف إطلاق نار، ما سيسمح باستكمال المفاوضات السياسية والمالية والعسكرية التي تحقق تلك الأهداف.

لهذا ترى «مجموعة الأزمات الدولية» أنَّه ينبغي للجهات الدولية المعنية الضغط على الطرفين من أجل الموافقة على وقف إطلاق النار، والوصول إلى حلٍّ توافقي: انسحاب قوات حفتر في هذه المرحلة من الضواحي المحيطة بطرابلس مباشرةً دون المدن الأخرى في طرابلس الكبرى كما يطلب السراج. وعليهم أيضًا الموافقة على اتخاذ خطواتٍ لمضاعفة فرص التزام كلٍّ منهما بتطبيق وقف إطلاق النار.

تتمثل هذه الخطوات:

أولًا في وجود دعمٍ دولي قانوني من خلال قرارٍ من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار مُتفق عليه،

وثانيًا الإقرار على آلية مراقبة دولية وتأسيسها، آلية قد تتألف من أفراد مراقبة من دول الاتحاد الأوروبي غير مسلحين، ولديهم أجهزة استطلاع وصور ملتقطة بالأقمار الصناعية،

وثالثًا فرض عقوبات على أي منتهِك محتمل لوقف إطلاق النار،

ورابعًا الالتزام الكامل بالحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى ليبيا، والذي يتم انتهاكه علنًا في الوقت الحالي.

ولتمهيد الطريق أمام تسويةٍ سياسية، تشير المنظمة إلى أنَّ كلا الطرفين يحتاج إلى تسكين أسوأ المخاوف والأفكار المُسبقة لدى خصومهما. وبالنسبة لجانب حفتر، يعني هذا الابتعاد عن الخطاب العدواني الذي يتبناه إلى هذه اللحظة، وأن يعترف علنًا بحكومة الوفاق الوطني شريكًا شرعيًّا في المفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة، والتي سيكون عليه الالتزام بها.

أما بالنسبة للسراج، فهذا يعني أن يضمن موافقة الفصائل العسكرية المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني على المفاوضات، والتي قد تكون نتيجتها هي نهاية الاتفاق السياسي الليبي، وهو اتفاق تقاسم السلطة الذي أُبرم عام 2015، وأفضى إلى حكومة الوفاق الوطني (ودعم الأمم المتحدة لها).

وتُنوِّه المنظمة كذلك إلى أنَّ أي مفاوضات لاحقة تجري ينبغي ألا تقتصر على حفتر والسراج وحدهما، بل تشمل طائفةً واسعة من الأطراف المعنية الأخرى في أنحاء ليبيا بانقساماتها المؤسسية والعسكرية.

وتضيف المنظمة أنَّ الولايات المتحدة تحديدًا عليها تغيير نهجها تجاه الطرفين، من خلال التأكيد مرةً أخرى تأييدها لحكومة الوفاق الوطني المُعترف بها دوليًّا، وحث كلا الطرفين على الموافقة على وقف إطلاق النار المُراقب دوليًّا كما ورد أعلاه، والعودة إلى المحادثات.

إذ بإمكان واشنطن إحداث فارقٍ ملموس من خلال الدفع بكلا الطرفين إلى اتفاقٍ على كيفية إدارة مالية الدولة، وإعادة توحيد المؤسسات الاقتصادية التي انقسمت منذ عام 2014، مثل البنك المركزي. لن يحل هذا الاتفاق الأخير كل شيء، لكنَّه ضروري لتحاشي أي أزماتٍ أخرى، ولمعالجة بعض مشكلات ليبيا ما بعد 2011.

الخاتمة

تخلُص المنظمة إلى أنَّه ما لم يحدث تغييرٌ جذري مفاجئ ومُستبعد في الآن ذاتهفي ميزان القوى على الأرض، فعلى الأرجح ستكون المعركة في طرابلس طويلةً ومدمرة ودامية.

لكن في الوقت الراهن، فكلا الطرفين قد شرعا في سلك طريقٍ خطر يتجه نحو التصعيد، وقد يؤدي على الأرجح إلى جذب الجهات الخارجية بصورةٍ أكبر إلى الحرب. وكلما طالت الحرب في طرابلس، زاد الخطر في اندلاع حربٍ أهلية تحرق بلدًا آخر في منطقة مضطربة للغاية بالفعل.

إلا أنَّ هناك طريقًا بديلًا، حسبما أوضح تحليل المجموعة، لكنَّه سيتطلب أن يتنازل كلا الطرفين، وأن يتوقف داعموهم الخارجيون بالأخص عن تأجيج الصراع، وأن يوافقوا بدلًا من ذلك على العمل في اتجاه تطبيق وقف إطلاق النار، وتمكين المبعوث الخاص للأمم المتحدة لاستئناف المفاوضات السياسية والمالية والعسكرية.

______________