Minbar Libya

بقلم السنوسي بسيكري

نقلت مصادر إخبارية حديثا للمبعوث الأممي لليبيا الدكتور غسان سلامة يجزم فيه بضرورة إدماج ملف الثروة في أي حل سياسي مقبل، وهو تصريح فريد جديد له علاقة بضغوط يواجهها سلامة، وسلامة أكثر حساسية لتصريحات خليفة حفتر منه إلى مطالب جبهة طرابلس.

عدد من مصادر الأخبار وتقارير الرصد والتحليل أشارت إلى أن كلام سلامة جاء بعد تصريحات لحفتر يقول فيها بأن جيشه لا يتحصل على التمويل اللازم من ثروة البلاد التي تقع تحت سيطرته وتحميها قوات تابعة له، وحفتر هنا يحاول أن يصدِّر أزمة التمويل التي يواجهها بعد تضخم إنفاقه العسكري وانتقال داعميه الإقليميين إلى سياسة المال مقابل الإنجاز.

 ربط مفخخ

أعتقد أن جزم سلامة بضرورة الربط بين الحل السياسي وتقسيم الثروة سيفتح بابا جديدا يوسع نطاق الجدل السياسي في ليبيا، أو أنه سيدفع إلى خيار متعجل مفخخ لا يحقق العدالة والمصلحة العامة ولا يوقف هدر الثروة وتضييع موارد البلاد.

لم يكن سلامة يوما موقنا بأن الصراع الليبي في حقيقته هو صراع على الثروة، ولم أسمع منه أن الصراع على الثروة هو الجوهر وإنما يتخفى حول الصراع على السلطة، وقد يكون سلامة مؤمنا بما يقوله اليوم منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، إلا أنه لم يصرح به بهذا الجزم، وهذا له دلالته.

أيضا ينبغي التنويه إلى أن حديث سلامة يأتي في خضم أزمة هي الأخطر منذ العام 2011م، وهي الهجوم على طرابلس، والتي ساهم المجتمع الدولي في استمرارها، وإطالة عمرها بعدم التدخل لوقفها، ولابد أن الحل المرتقب ذو طبيعة مختلفة، وربما سيكون مطلب تقاسم الثروة أحد أهم محاوره.

 أما البعد الفني في تقسيم الثروة فهو موضوع شائك وشديد التعقيد، وربط المسار السياسي به في هذه المرحلة الحرجة ومع هذا المنعطف الخطير إما أنه سيربك المسار السياسي ويضاعف من تعقيده، أو يجعل البحث عن حل سياسي دافعا لتبني مقاربة مفخخة لتقاسم الثروة كما سبقت الإشارة.

إن الاتفاق على تقسيم عادل وفعال للثروة لن يكون أيسر من أي قضية جدلية معلقة، ولن يكون أيسر من موضوع الدستور الذي قاد الخلاف حول آلية وضعه إلى عرقلته حتى صار البحث اليوم حثيثا عن مخرج بعيدا عن الدستور بعد أن كان متصدرا مطالب الانتقال وجزءًا أساسيا من النزاع.

ومن باب شحذ الأذهان والتفكير بصوت عال أقول لقد كانت حساسية ملف الدستور سببا في الضغط القوي لتمرير مطلب التساوي في عدد أعضاء الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، ولا يستبعد أن ترتفع أصوات تطالب بمفاهيم خاصة للقسمة لن يكون أعسرها قسمة عائدات النفط بالتساوي بين الأقاليم التاريخية الثلاثة.

معايير تقسيم الثروة

وفي ظل التراشق والشحن الجهوي الذي ارتفع منسوبه إبان الأعوام الماضية وعلا صداه خلال الحرب المشتعلة اليوم على تخوم العاصمة طرابلس، فإن معايير وضوابط تقسيم الثروة لا يمكن أن تكون موضوعية وتوافقية وعلى أساس من التراضي الذي تحوطه مشاعر الأخوة، ومن الممكن في هكذا وضع أن تكون الحقوق التي تفرضها الجغرافيا السياسية غالبة، وإذا وقع هذا فإن الانزلاق إلى ما هو أخطر محتمل.

ولك أن تتصور أخي القارئ كيف سينعكس هذا الموضوع على الحراك السياسي وعلى مواقف أطراف النزاع، وعلى شكل خارطة الاصطفاف على مستوى ليبيا.

ومن المهم التذكير بأن أخطاء الماضي القريب والبعيد ساهمت بشكل كبير في أن نندفع إلى خيارات ملغومة، ولو أن تفعيلا حقيقيا وقع على سبيل المثال للبلديات من خلال تفويضها صلاحيات تنفيذية وتوفير المخصصات المالية اللازمة للقيام بدورها الخدمي الواسع لما كان الحديث عن تقسيم الثروة مقلقا ولكان أيسر وأسهل وأكثر نجاعة.

إن التأخير في الحل السياسي والتعنت في التنازل في ملفات أقل حساسية واللجوء إلى القوة لفرض إرادة طرف على آخرين يوفر البيئة والمناخ اللازمين للدفع بخيارات يمكن استغلالها في غير مصالح المواطنين فتضيع معها العدالة المرجوة من توزيع الثروة، والفارق بين توزيع الثروة وتقسيمها كبير.

تقسيم الثروة لا يمكن أن يحل محل التوزيع العادل للثروة، وفي ظل غياب أطر دستورية وتوافقات على هياكل سياسية وإدارية فإن الزج بملف تقاسم الثروة يعني إضافة البنزين على النار وليس العكس.

وعندما تصبح الغاية هي تقاسم الثروة فإنها ستكون المحدد الرئيسي لمقاربة الهيكل والتنظيم الإداري أو ربما متجاوزة لها، وإذا قرن هذا بالوضع الاجتماعي المشبع بالجهوية فإن النتائج لا يمكن أن تكون إيجابية.

***

السنوسي بسيكري/ كاتب ليبي

________