Minbar Libya

بعد أن استهلك كل الفرص التي يمكنه من خلالها الولوج إلى حل سياسي للأزمة في ليبيا،ووضع يده على أصل الداء متمثلا في انتشار السلاح.

انتشار السلاح مكّن محورا إقليميا (مصر والإمارات والسعودية) من دعم فصيل عسكري شرق البلاد (قوات حفتر) لتنفيذ مشروع سياسي عسكري (انقلاب على الشرعية)، متيحا له الوقت الكافي لأن يصل إلى مشارف العاصمة طرابلس (في الثالث من أبريل 2019).

عاد المبعوث الأممي غسان سلامة، مجددا لطرح مبادرات ورؤى جديدة بعد قرابة الشهرين على فشل مشروعه السابق (تنصيب حفتر على ليبيا)، الذي وصل فيه إلى حد الترتيبات الأخيرة لإطلاق ملتقى وطني جامع في غدامس لتقرير مصير الانتخابات والدستور.

وقال سلامة، في مقابلة أجرتها معه قناة روسيا اليوم (الداعمة لحفتر)”، وبثت ليلة الخميس، إن الانتخابات هي من ستحسم الجدل القائم حول الشرعية في البلاد، لكنه اعتبر أن التدهور الأمني في بعض المناطق وعدم إصدار مجلس النواب (في طبرق) قانون الانتخابات هو ما يعيق إجراءها.

ولمّح المبعوث الأممي إلى شكل مبادرته الجديدة بقوله: “لن يكون هناك حل سياسي في ليبيا إلا بعد وضع نظام متكامل لتوزيع ثروات البلاد، مؤكدا أن الصراع على السلطة في ليبيا يتمحور حول ثرواتها، وأن أي حل لهذا الصراع يجب أن يتضمن توزيعا لهذه الثروات.

وفي محاولة فيما يبدو لترضية أطراف دولية (فرنسا) متنفذة في الملف الليبي وتشكل حالة الصراع فيه طالب، سلامة بوجوب إيجاد آلية لتوفير رقابة دولية على أوجه ورود وصرف ثروات البلاد، مؤكدا أنه بدأ في حل هذه المشكلة بالتوازي مع الحل السياسي“.

ويعبر الباحث السياسي الليبي سعيد الجواشي عن مخاوفه من إثارة ملف الثروة في وقت تشهد فيه البلاد أكثر الأوضاع حساسية، قال: “المدافع لا تسكت على مشارف العاصمة، و(اللواء المتقاعد) خليفة حفتر مصر على السيطرة الكاملة، ويأتي من يخلط بين المال والحل السياسي (!!!) سلامة ولاشك يضع البنزين على النار، متسائلا لا دستور يحتكم له الجميع، ولا هياكل سياسية مستقرة. فكيف ستقسم الثروة والكل متمترس وراء سلاحه“.

ويرجح الجواشي أن البعثة الأممية كانت تسير في هذا الاتجاه منذ تبنيها لمشروع الإصلاحات الاقتصادية الذي فرضته (!!) على حكومة الوفاق، فـدخولها في الملف كان الخطوة المفضية للتدخل الكامل في الشأن الاقتصادي والادعاء بأنه جزء من حل المشكلة“.

الجواشي يرى أيضا أن عمل البعثة عبر مساراتها السابقة، سيما في عهد سلامة المقرب من السياسة الفرنسية وصاحب العلاقات مع قادة دولة الإمارات، كان يركز في أغلب أعماله على طرابلس، وقال لم نر أي حديث للترتيبات الأمنية التي نص عليها الاتفاق السياسي لتطبق في كل البلاد، إلا في طرابلس (وبنغازي تحت سيطرة ميليشيات حفتر الإجرامية)، ففي الوقت الذي كان حفتر يوسع من رقعة سيطرته (في برقة)، كان سلامة منهمكا في إضعاف قوة التشكيلات المسلحة (مصنفا إياها بالإرهابية) في طرابلس، ويحاول أن يضعف ويربك ملف الاقتصاد“.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن إحاطات سلامة التي كان يقدمها للأمم المتحدة كلها كانت تغفل الحديث عن جرائم حفتر في بنغازي ودرنة، ثم في الجنوب، وإن أدانه فعلى استحياء، دون التدخل لوقف آلته الحربية لسنين (منذ خمس سنوات والدعم العسكري والمالي يأتيه من دول تحالف الشر العربي)، وهو الذي تمكن في أيام (قليلة) من فرض وقف إطلاق للنار بين التشكيلات المسلحة في طرابلس أكثر من مرة (ولكن لم يتدخل على الإطلاق خلال سنوات دك بنغازي بالطيران المصري والإماراتي والفرنسي وحصار درنة من قبل قوات مصرية وطيران إماراتي)”.

واتهم الباحث السياسي سلامة بـمحاباة حفتر، وقال: “تصريحات أعضاء مجلس الدولة في طرابلس تكشف بشكل جلي عن أن سلامة كان يعلم بأن حفتر يستعد للهجوم على طرابلس (وكان لقاء أبوظبي للتمويه)، ولم يكن ملتقى غدامس سوى مسكن وتمطيط للوقت، فعلى مدار شهرين رفض الإفصاح عن شكله وأجنداته والمستهدفين بالمشاركة فيه، وحتى بعد فشله لم يعلن عن شيء“.

ويعتقد الجواشي أن شكل المبادرة الجديدة التي لمح لها سلامة ممثلة في تقسيم الثروة (وكأنه ثورة ليبيا عبارة عن كعكة) مؤكدا أن المبادرة هي خطوة لإنقاذ موقف حفتر بعد فشله في تحقيق انقلابه العسكري وسيطرته على طرابلس. لا يريدون أن يخرج الرجل خاسرا، ويتوجب على خصومه أن يفقدوا الورقة الرابحة، وهي موارد النفط، رغم أن حفتر هو من يسيطر على مواقعه“.

وكانت مصادر ليبية مسؤولة تحدثت لــالعربي الجديدفي وقت سابق عن مساعٍ تقودها دولة الإمارات لإقناع أطراف دولية فاعلة، على رأسها واشنطن، بنقل صلاحيات تصدير النفط لمؤسسة نفط موازية في بنغازي، على اعتبار أن قوات حفتر هي من تؤمن المنشأت النفطية.

وبحسب رأى الصحافية الليبية، نجاح الترهوني، فإن ربط ملف الثروة بالحل السياسي يبدي تجاوبا ضمنيا مع مطالب حفتر، التي أعلن عنها قبيل إطلاق حملته العسكرية على طرابلس، بالقول إن جيشه يحمي مواقع النفط، لكنه لا يتحصل على نصيبه من ثروة البلاد (وهو تصنيف ووصف دقيق لطبيعة قوات حفتر الإرتزاقية والتي تسعى للسيطرة على ثروة ليبيا بقوة السلاح).

وتقول الترهوني إن التكهن بأهداف مشروع سلامة الجديد غير ممكن حتى الآن (لأن سلامة يخفي أكثر مما يعلن)، وربما هو مرحلة من مراحل خدمة سياسة دول (إقليمية وأوروبية) يميل سلامة لتنفيذ مصالحها عبر مظلة الأمم المتحدة، أو إنه يحاول حل أزمة التمويل التي يعاني منها حفتر حاليا، بعد أن أوقف البنك المركزي في طرابلس رواتب مقاتليه التي كانت تصل عبر الحسابات العسكرية الرئيسية في طرابلس، مشيرا إلى أن القول بالتوزيع العادل للثروات كان من مطالب الفدراليين.

ونادى التيار الفدرالي (المشبوه) في ليبيا، الموجود في شرق البلاد (بنغازي) ، بالحل السياسي من خلال الخيار الفدرالي الذي يمكن كل إقليم من الحصول على نصيبه من الثروة الوطنية النفطية، وحقه في إدارتها بشكل مستقل. (ومن المتوقع أن يكتشف الفيدراليون بأن الفساد هو سيد الموقف بعد حصولهم على ما يسعون إليه)

وتساءلت الترهوني عن شكل الآلية التي ستقسم بها ثروات البلاد بشكل عادل، وقالت سلامة يعرف أن منابع النفط تتركز في إقليم واحد (وهذه مغالطة مقصودة)، بل كيف سيضمن أن يسلم حفتر مواقع النفط وموانئه التي يسيطر على أغلبها اليوم“. مذكرة بسيطرة رئيس حرس المنشأت النفطية السابق إبراهيم الجضران على موانئ النفط، ثم عمد إلى ابتزز السلطات أكثر من مرة عبر غلق الموانئ ووقف التصدير.

وأشارت الصحافية الليبية إلى خطورة استخدام لفظة تقسيمبدلا من التعبير المتداول سابقا في الأوساط المحلية وهو التوزيع العادل، وقالت: “لا يمكن فهم هذا التحول المفاجئ في البحث عن حلول الأزمة من السياسي إلى الاقتصادي سوى أن وراء هذا المشروع حلولا لأوضاع حفتر المرتبكة بعد فشله في احتلال طرابلس، والتغير الحاصل في الجنوب الليبي الذي بات يهدد سيطرته الاسمية هناك“.

***

المحرر: نصوص توضيحة أدخلت بين قوصين على النص الأصلي لمزيد الفائدة.

____________