Minbar Libya

بقلم مختار غميض

لم يكن التدخل الأجنبي في الشأن الليبي ليتكشف أكثر، لولا إقدام الجنرال المتقاعد خليفة حفتر على العدوان على العاصمة طرابلس، في آخر مساعيه لضم كل الغرب الليبي لنفوذه.

الجزء الثاني

ثالثا: الانقلاب الثاني لحفتر وفضيحة غريان

يبدو أن فرنسا ماضية إلى النهاية مع حفتر، وفي خطاب ممزوج، لكن ما يثير الاستغراب أكبر من ازدواجية المواقف، هو ما سرّ هذا التدخل المباشر في الشؤون الليبية ؟

ففي الرابع من ابريل المنقضي، أعلن حفتر عملية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب في استمرار لانقلابه المعلن قبل خمس سنوات، وهو عدوان متواصل رفضته حكومة الوفاق بشدة.

لكن فرنسا دعمت هجوم حفتر على طرابلس سرا من خلال عناصر مخابرات لها تم كشفهم في غرفة عمليات عسكرية بمدينة غريان جنوب طرابلس التي بدأ منها التسلل إلى العاصمة.

ورغم نفي السلطات الرسمية الفرنسية إلا أن إذاعة فرنسا الدولية نقلت عن مسؤول في الرئاسة التونسية أن العناصر تابعون للمخابرات الفرنسية.

واتهم مؤخرا وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا فرنسا مباشرة للمرة الثانية في نفس الشهر، بدعم خليفة حفتر في عدوانه على العاصمة طرابلس.

كما أمر علنا في لهجة جديدة، بوقف التعامل مع الجانب الفرنسي في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية بسبب موقف الحكومة الفرنسية الداعم لمجرم متمرّد على الشرعية“.

ولم تكن تلك التهم من فراغ، لقد جاءت بعد ساعات فقط من إعلان الناطق باسم قوات حفتر  مشاركة طائرات أجنبية صديقةفي قصف أماكن تتبع جيش الوفاق بطرابلس، توقّع خبراء عسكريون أن وراءها طائرات فرنسية بلا طيّار.

كما اتهم باشاغا، باريس بتقديم الدعم لحفتر وأبنائه وهي نفس الاتهامات التي وجهها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج وهي كذلك نفسها التي يحتج ضدها آلاف الليبيين في المدن الغربية.

كل تلك الردود الرافضة لانقلاب حفتر على المسار الانتقالي والعملية الديمقراطية جوبهت برفض خارجي من قوى دولية دعمت الأمم المتحدة في جهودها لحل الأزمة الليبية.

جهود كانت ربما ستثمر لولا أن سبقها حفتر بأيام معدودات وهاجم العاصمة، قبيل أسبوع فقط من زيارته للسعودية التي قيل إنها وراء الضوء الأخضر لعدوانه.

رابعا: نفاق سياسي ودولة عميقة

يبدو أن الدولة العميقة والإدارة الباريسية العريقة، لا همّ لا لها منذ تاريخ حضورها في ليبيا، سوى الحفاظ على مصالحها.

ومن أبرز مظاهر تقلّب أداء فرنسا السياسي وازدواجية مواقفها المصرح بها أو المخفي تلميحا، هو تفريط ساركوزي في صداقته مع القذافي خير دليل، كما أشرنا.

يبدو أن فرنسا سائرة في ذات التوجه ولن تحيد عنه، كما هو بيّن في تاريخ علاقاتها بليبيا وحتى الآن على الأقل، ومن المستحيل أن تتتخلى فرنسا العميقة عن ليبيا مستقبلا.

وإلا كيف نفهم النفاق السياسي (ذات النفاق الذي اتهمت به روما باريس) الواضح في الموقف الفرنسي المعلن من ‏حكومة معترف بها دوليا، وباتفاق سياسي وإشراف أممي ؟

وكيف ترضى فرنسا بقصف طيران دولة ضمن الاتفاق ورتبت للقاءات مصالحة ليبية ؟

وكيف تدعم فرنسا منقلبا ومعرقلا للاتفاق السياسي، على الرغم من وجود قرار حظر على ليبيا لتوريد السلاح ؟
لا يمكن فهم كل ذلك غير أن فرنسا متورطة عسكريا ومن خلال مخابراتها (الجناح السري للعمل السياسي) الذي انكشف في غريان مؤخرا.

لكن يبدو أن هذا تجاوز ليبيا ليصبح حاضرا بقوة في سوريا والجزائر أيضا، مستعمراتها العربيتين، اللتين مستهما رياح الربيع العربي.

وكان النظام الفرنسي ينتقد بشدة نظام الأسد لكن شركاته الخفية تتعامل معه عبر صفقات للتجسس على الثوار والناشطين السلميين، بل بالتواطئ مع إرهابيي داعشحتى !! في قضية شركة الاسمنت الفرنسية الشهيرة، والتي أطاحت برئيسها.

وكذلك فإن الإدارة الفرنسية العميقة ولوبياتها المهيمنة في مجال المال والسلاح، هي حقيقة بعيدا عن نظريات المؤامرة،  ستبقى مؤثرة بقوة وبعقلية عسكرية الى جانب غلاف دبلوماسي، وخاصة اقتصادي.

كذلك لم تستوعب باريس بآلتها الإعلامية الحراك الشعبي الجزائري الذي ساند جيشه، وتمسّك بتحرير العلاقة مع فرنسا القديمةالجشعة، فحاولت باريس مجاراة نسق الشارع الجزائري بمجرد استقالة بوتفليقة.

ثم سارعت فرنسا إلى تشتيت الرأي العام الفرنسي بتركيز أضوائها على حفتر في الجنوب ثم في طرابلس، فاستغل حفتر معها فرصة الحراك الجزائري للانقضاض على ليبيا برمتها مع خفوت صوت الجزائر القوي الرافض لإقصاء أي طرف ليبي أو تغليبه، دون اعتبار موقف الجزائر الرسمي الذي يرى في حفتر أداة خارجية لا تطمئن.

ومما عزّز تلك النظرة هو تهديد حفتر نفسه الصيف الماضي بنقل الحرب إلى الجزائر في ظرف قياسي بسبب مشاكل حدودية، رغم اعتذار ناطقه الرسمي في ما بعد.

خامسا: مستقبل الوجود الفرنسي بليبيا

عمليا وعلى ضوء المستجدات الحالية، يمكن القول إن فرنسا لن تستسلم بسهولة لكل مناوئيها ومنتقديها في ليبيا، وآخر تجليات هذا المسار هو مطالبتها بعد زيارة فايز السراج إليها، بوقف إطلاق النار على تخوم طرابلس دون اشتراط عودة قوات حفتر لمراكزها قبل العدوان.

ما يفسر ذلك ويعززه هو طلب فايز السراج منها بموقف واضح يدين العدوان.

ولئن أفصحت فرنسا نوع عن موقفها مقارنة بموقفها السابق ( بذلها جهودا لعدم إصدار قرار بمجلس الأمن أو قرار أوروبي، يدينان هجوم قوات حفتر) فإن ممّا لا شك فيه أن أملها قد خاب في حفتر الذي تسمّيه دائما برجل ليبيا القوي.

وبعدما كانت فرنسا تعتقد أن مقاتلي حفتر سيسيطرون على العاصمة في ظرف يومين، لذلك كانت قواتها الخاصة بغريان مستعدة لحماية الجنرال حفتر شخصيا في العاصمة كما تأكد، لكن فرنسا تفاجأت وتخلت عنه، مع المحافظة على شعرة معاوية، فاكتفت مؤخرا بطلب وقف إطلاق النار دون إدانة الهجوم على طرابلس.

كما تعلم فرنسا جيدا أن مستقبل حفتر لن يكون أحسن من ماضيه مع عدم حسمه المعركة عسكريا، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه سياسيا، فالأمر سيختلف حتما بعد تاريخ الرابع من ابريل.

الخاتمة:

قوات حفتر متورطة في العاصمة، وهي عالقة في تخومها كلما زاد بقاؤها تلقت ضربات مميتة، وكلما زاد تقدمها زادت غوصا في الوحل رغم دعمها بأرتال جديدة.

كما أن زيارة حفتر أخيرا للقاهرة تأتي في هذا الإطار (هي الثانية في ظرف أسابيع) لتلقي الدعم المعنوي، وربما لإدخال سلاح نوعي في سعي لتغيير المعادلة.

أما سياسيا، فتعمل حكومة السراج على إيجاد بديل مخاطب في المنطقة الشرقية لعزل خليفة حفتر، بينما يعمل السيسي على دفع التيار الفيديرالي في الشرق للمطالبة بالانفصال.

***

مختار غميض ـ صحفي مهتم بالشأن الليبي

_______________