Minbar Libya

بقلم أنيس العرقوبي

تعيش ليبيا إضافة إلى الحرب الطاحنة التي تدور رحاها على مشارف العاصمة طرابلس بين قوات حفتر، وقوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، أزمة اقتصادية خانقة هي الأشد وطأةً منذ سقوط القذافي.

وتُواجه ليبيا أساسًا منذ سنوات، أزمة سيولة نقدية ساهمت في تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين، إذ سجلت أسعار السلع الأساسية ارتفاعًا بنسب وصلت إلى 30%، ويعاني سكان العاصمة طرابلس وسائر أنحاء البلاد من الشلل الاقتصادي واختفاء معظم السلع الأساسية من الأسواق لانحسار عمليات الاستيراد بسبب نقص السيولة، وارتفاع الأسعار نتيجة تراجع الدينار مقابل العملات الأجنبية في السوق السوداء.

الحرب والانقسام

استمرار الحرب فاقم الأزمة الاقتصادية في بلد لم يستعد بعد الثورة مؤسساته، ولم يسيطر كليًا على مقدراته (منطقة الهلال النفطي) التي كانت ترزح تحت سيطرة الميليشيات (جضران).

وبالنظر إلى أن المصدر الأساسي الوحيد للدخل في ليبيا هو النفط، حيث تمثل صادراته ما يعادل 96% من إجمالي الصادرات الكلية للاقتصاد، كما تسهم عائدات النفط في الإيرادات المالية للبلاد بنسبة 95%، فإن العمليات العسكرية التي اندلعت للسيطرة على حقول وموانئ النفط، أدت في غالب الأحيان إلى شلل تام في عمليات الإنتاج والتصدير.

وقدرت المؤسسة الوطنية للنفط في العاصمة طرابلس، خسائرها جراء إغلاق الحقول والموانئ النفطية منذ أواخر عام 2013 وحتى مايو عام 2017، بنحو 130 مليار دولار.

من جهة أخرى، فإن صراع حكومتي غرب وشرق ليبيا أدى بدوره إلى الانقسام على المؤسسات، وأفرز نظامين ماليين متنافسين في الإنفاق وتحصيل الموارد، مما شكل ازدواجية في التعامل تسببت في خلل كبير في المنظومة المالية.

ولقد موّل المصرف المركزي الموازي حكومة الثنيمن ودائع المواطنين مخالفًا القوانين واللوائح، وبلغ حجم ديونها 22 مليار دولار، إضافة إلى طباعتها 9.6 مليار دينار (7.3 مليار دولار) في روسيا، ما أدى إلى زيادة حجم عرض النقود في الاقتصاد الوطني والتضخم.

وفي سياقٍ ذي صلة، فإن نصيب اللواء المتقاعد خليفة حفتر ناهز ثلث ميزانية الإنفاق التي اعتمدها البنك المركزي في السنوات الثلاثة الماضية (2016 و2017 و2018) التي بلغت نحو 29 مليار دينار (21 مليار دولار)، وفقًا لمحافظ البنك المركزي الموازي في شرق ليبيا علي الحبري، خصصها الأول لدفع رواتب قواته وتجهيزهم.

من جانب آخر، فإن الحديث عن خسائر الحرب لا يستقيم بعرض مقدار تمويلها وضخ الأموال فيها، ولكن انعكاساتها السلبية على الاقتصاد تتخطى ثمن الرصاص والبندقية إلى تكلفة ما تخلفه من دمار على مستوى البنية التحتية وكذلك الخسائر البشرية، حيث كشف تقرير ديوان المحاسبة للعام الماضي أن الدولة الليبية مدينة لمصحات ومستشفيات في الخارج منذ عام 2011، بقيمة 1.4 مليار دينار أي قرابة المليار دولار، وذلك دون احتساب مخلفات الحرب الحاليّة، فيما تجاوزت أعداد النازحين الذين تركوا منازلهم الواقعة في محيط الاشتباكات الـ120 ألف منذ بدء القتال، وستؤثر الأزمة مباشرة على خزينة الدولة من حيث الإنفاق.

الإنتاج والتنمية

رغم اعتماد المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برنامج الإصلاح الاقتصادي، تضمن فرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي ومراقبة عملية بيع دولار ومراجعة سياسة دعم محروقات، فإن الإجراءات لم تحد من تسارع معدلات التضخم وانتعاش الأسواق السوداء.

وتُواجه ليبيا تحديات جمة أهمها تباطؤ إعادة إعمار البنية التحتية للبلاد وغياب تنوع مصادر الدخل، إضافة إلى تهميش القطاع الخاص والخدمات وعجز الحكومات المتعاقبة على هيكلة الاقتصاد وتنفيذ حزمة إصلاحات حازمة مبنية على رؤية طويلة المدى تنقذ البلاد من حالة الركود، ومنها مراجعة الإنفاق العام بالميزانية وخاصة الأجور والرواتب والدعم السلعي.

من جهة أخرى، فإن تعطل تنفيذ المشاريع التنموية قبل عام 2011 إلى الآن والمقدرة بـ126 مليار دينار، سيترتب عنه تعويضات للشركات الأجنبية المنتصبة وتلك التي غادرت البلاد بفعل تواصل الاقتتال، وقد ترهق كاهل خزينة الدولة، وتخلق مناخًا غير مشجع على الاستثمار.

إن ارتهان الاقتصاد الليبي بالنفط فقط وفي السياق ذاته، يخشى المصرف المركزي خفض قيمة الدينار، ما يزيد من الضغوط المعيشية بارتفاع الأسعار، باعتبار أن البلاد تستورد معظم احتياجاتها من الخارج.

الحرب والاقتتال وضعف الإنتاج المحلي والارتكاز على التوريد، ليست الآفات الوحيدة التي تنخر الاقتصاد الليبي والعوامل الرئيسية المتسببة في الأزمات المتتالية.

الفساد أيضًا أحد أهم معوقات الاستقرار والبناء المؤسساتي، وعرفت ليبيا كغيرها من البلدان ما يُسمى باقتصاد الحرب تُستنزف فيها مقدرات الشعب عن طريق عرابي الفوضى وبارونات التهريب، وتجار العملة والسلاح، وجاءت ليبيا ضمن الدول العشرة الأكثر فسادًا (تقارير منظمة الشفافية الدولية من 2013 إلى 2017).

وأعلن مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، منذ أيام قيام أحد المصارف في المنطقة الشرقية خلال الأشهر الست الأخيرة، بفتح اعتمادات بقيمة 918 مليون دولار، تبين أن نحو 487 مليون دولار تعادل 53% من مجموعها، تتضمن شبهات غسل أموال.

***

أنيس العرقوبي ـ صحفي تونسي

_________