Minbar Libya

بقلم موسى  ساي

في عام 1936 قاد الجنرال الإسباني “فرانشيسكو فرانكو ” انقلابا عسكريا ضد الحكومة الإسبانية المنتخبة في إسبانيا.

وقد كانت محاولة الانقلاب فاشلة حيث لم يستطع السيطرة على كامل البلاد وكان يسيطر بقوة السلاح على جزء منها فقط وبقي الجزء الآخر يقاوم ويرفض حكم العسكر.

وتسبب ذلك في حرب أهلية دموية استمرت عدة سنوات قبل أن تنتهي بسيطرته على البلاد بشكل كامل بفضل دعم الفاشية له في كل من إيطاليا والنازية في ألمانيا بالإضافة إلى استغلاله لعنصر الدين حيث نال دعم الكنسية الكاثوليكية وطبقة النبلاء في سبعينات القرن العشرين، وكان من آخر الديكتاتوريات في أوروبا .

وفي الخمسينيات استوحى الجنرالات العرب فكرة الانقلابات العسكرية بل وأصبحت سنة مؤكدة وحاضرة في كل مصر وسورية والعراق وليبيا والسودان واليمن.

وعاشت خلالها الشعوب وعلى مدى أكثر من نصف قرن من الزمان تحت جناح الطاعة والتسبيح بحمد الحاكم المُخلّصْ منقذ الأمة وحامي حمى الدين .

واتسمت تلك العقود بالتخلف والتأخر المعرفي والتصحر الفكري وحلت محلها الشعارات القومية وصناعة الطغاة والنفخ في صولاتهم

وفي محاولة غير مسبوقة انتفضت الشعوب بصوت مسموع في وجه حكم العساكر الذي جثم على ظهر الأمة وأدت الانتفاضات التي اشتهرت باسم الربيع العربي وسرعان ما أنهت حكم ثلاثة من أعتى الدكتاتوريات.

في المرحلة الأولى وبعد سنين عجاف التحق بهم ثلاثة آخرين وتعثر السابع في مرحلة تاريخية فاصلة استطاع خلالها الشارع أن يدلي بصوته بكل حرية دون أن يسترق منه السمع ويجد نفسه في غياهب السجون والمعتقلات السيئة الصيت.

إلا أن ذلك الربيع باغته خريف ساخن مدعوم أكثر من اللازم من قبل أنظمة وجلت من أن تصل إليها رياح التغيير ونسمات الانعتاق من براثن وجور “طويل العمر” الذي يرى الحكم هبة إلهية مقدسة يعتبر الحديث عنها من أكبر الكبائر الموجبة للقتل والسحل الفوري.

فجندت كل قواها لإعادة الشعوب إلى حظيرة الطاعة مستخدمة نفس الحرس الكلاسيكي “الجنرلات” وبذات الطريقة القديمة “الانقلابات” و سرعان ما نجح  ذلك في إزاحة أول نظام مدني بشكل دموي غير مسبوق.

تبع ذلك انقلاب شكلي قام به صاحب أسوأ هزيمة في تاريخ العسكرية بعد أن عاد من منفى غامض قرب مقر أشهر مخابرات في العالم، الذي لم يكن ليصمد يوما واحدا من دون الأيادي السوداء التي أدخلته شاشة العربيةبعد أن اختفى من ذاكرة الليبيين.

إن العقل الجمعي للعديد من الأنظمة العربية غير قابل للتطور والتقدم البشري في الجانب المعرفي بشكل خاص لأنه يرى في ذلك نهاية للقدسية التي ورثها ويحافظ بها على عرشه .

وما يحصل اليوم في بلادنا جزء من تلك العقلية الكلاسيكية، فحفتر ليس طالب سلطة فحسب بل منقذ مشروع القدسية للحكام ومن المؤكد أن ذلك لا يتم إلا عن طريق العنف والصلف وإلغاء الآخر، ولذلك فإن من الصعب أو المستحيل إيجاد آلية مشتركة مع من يصر على أن يكون وحيدا ويتحكم في كل التفاصيل مهما كلفه ذلك ويعتبر الأمر مسألة حياة أو موت.

***

موسى تيهو ساي ـ كاتب ليبي

___________