Minbar Libya

بقلم فريدريك ويري وعماد الدين بادي

في 15 نيسان/أبريل، اتصل الرئيس دونالد ترامب هاتفياً بالجنرال الليبي خليفة حفتر، قائد ميليشيا يطلق عليها مسمى “الجيش الوطني الليبي”، مباركاً الهجوم الذي شنّه الجيش التابع له ضد الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.

الجزء الأول

تحدث الرئيس الأميركي مع حفتر هاتفيا عن “رؤية مشتركة” لليبيا، وأقرّ بقيمة حفتر في مكافحة الإرهاب، والحفاظ على إنتاج النفط، ورعاية عملية الانتقال الديمقراطي التي تشهدها البلاد.

لكن لايمكن لشيء أن يكون أبعد عن الحقيقة من هذه الأقاويل. فالهجوم المفاجئ الذي شنّه حفتر في 4 نيسان/أبريل، وأُطلق عليه اسم “طوفان الكرامة”، هو في الواقع محاولة انقلاب على السلطة وعملية نهب أراد أن ينفذها شخص يطمح في أن يحتكر السلطة لنفسه.

فناهيك عن الكارثة الإنسانية التي تسبّب بها الهجوم – أكثر من 400 قتيل بمن فيهم مدنيون وعشرات آلاف النازحين – فهو سيكون بمثابة نعمة لإنعاش الإرهاب، ولاسيما لتنظيم الدولة الإسلامية الذي قد يشهد طفرة جديدة.

قد يسفر الهجوم أيضاً عن تعثّر إنتاج النفط، ويقوّض أي فرصة لممارسة سياسات جامعة. والمفارقة هي أن، وبغض النظر عن نتيجته، سيعزّز هذا الهجوم نفوذ ميليشيات إقليم طرابلس التي تعهّد حفتر بتفكيكها. كما من المرجح أن يدفع هجومه بليبيا إلى دوامة اشتباكات منخفضة الوتيرة بين الميليشيات قد تدوم لسنوات.

تنبع تعليقات ترامب من سوء فهم عميق للمشهد المُفكّك وتوازن القوى في ليبيا. لكن أكثر مايثير القلق ليس بالضرورة احتضانه لشخص يسعى إلى أن يحتكر السلطة – على رغم أن هذا الأمر مُقلق – بل نظرته المُخطئة لحفتر كشخصية قد تبدّل قواعد اللعبة وبإمكانها أن تحقّق في نهاية المطاف نوعاً من الوحدة وإضفاء الطابع المؤسسي لليبيا.

هذا التقدير يتجاهل إحدى الحقائق التي برزت خلال مرحلة مابعد الثورة في ليبيا: إذ لم تتمكّن أي جهة مستقلة عسكرية أو سياسية من بسط هذا القدر من السيطرة والسيادة على كافة الأقاليم. بل وأيضاً، كان لدى الميليشيات ونخب الفصائل في ليبيا، بمن فيهم حفتر، مصالح اقتصادية وسياسية مشتركة في إبقاء الصراع على نار خفيفة، وتجنّب كلٍ من المحصلات الحاسمة في ساحة المعركة والمحاولات الخارجية لإنهاء الاقتتال.

كما استغلّت التشكيلات المسلّحة ببراعة المصالح الأجنبية المتنافسة وغير المنسّقة في ليبيا. فالتناقضات الداخلية ضمن الجيش الوطني الليبي ونقاط ضعفه ليست هي ببساطة التي تحدّ من فعالية حفتر كوكيل محتمل للقوى الخارجية الآملة بتوحيد ليبيا، بل حقيقة أن المشهد الأمني المتزعزع في إقليم طرابلس والعوامل الديموغرافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكامنة فيه، حالت لفترة طويلة دون تمتّع جهة واحد بالسيطرة على المشهد – ولاسيما جهة آتية من الشرق.

كونها الجهة الفاعلة الخارجية الأكثر نفوذاً المنخرطة بالنزاع، المؤشرات التي ترسلها واشنطن مهمة جدا. ربما تحاول وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان انتهاج سياسة متوازنة وواقعية أكثر إزاء النزاع، لكن فرضية البيت الأبيض المخطئة – والمُذاعة على نطاق واسع – تعيق فعاليتهما. فبدلاً من دعم ميليشيا على حساب أخرى، يُعتبر الفهم الجلي لطبيعة قوات حفتر وخصومه أمراً ضرورياً لتجنّب ارتكاب المزيد من الأخطاء الفادحة في ليبيا

يبدو أن اتصال ترامب الهاتفي يستند إلى سردية مخطئة إنما مألوفة روّجت لها قوات حفتر وداعموه العرب والمتعاطفون معه في الغرب، تقول بأن “جيش” الجنرال قادر على توجيه ضربة عسكرية قاضية إلى “الميليشيات الإسلامية والجهادية” (كما يروج) في طرابلس. لكن هذه المقولة لا ترتكز على وقائع راهنة.

فبعد ثورة العام 2011، وفيما سقطت بنغازي في لُجج الفوضى والإهمال، كان هناك فعلاً وجود ميليشياوي إسلامي متطرّف، بدأ تحالف حفتر، الذي حمل اسم “عملية الكرامة”، بمحاربته العام 2014. لاحقاً، تلقّى بعض هؤلاء الإسلاميين الدعم من فصائل ثورية متشدّدة في مدينتي طرابلس ومصراتة غربي البلاد.

لكن منذ أن حقّق حفتر انتصاره العسكري في بنغازي وعزز قبضته على شرقي ليبيا، تراجع التهديد الذي تمثّله الميليشيات الإسلامية بشكل ملحوظ. كذلك تراجع تدخل قطر وتركيا في ليبيا، ولاسيما بالمقارنة مع الدور الكبير الذي لا تزال تلعبه الإمارات العربية المتحدة ومصر.

في المقابل، همّشت الفصائل الليبية المعتدلة والبراغماتية وجود المتطرّفين في طرابلس ومصراتة، حيث تمّ نفي العديد من المقاتلين، إما بإقصائهم، أو سجنهم أو حتى قتلهم. وعليه، من الخطأ وصف طرابلس بأنها تعجّ بالإسلام المتطرّف، وحفتر على أنه المنقذ الذي يتقدّم الصفوف للقضاء عليه.

علاوةً على هذه السردية “المتطرّفة” المضخّمة، ليس لقوات حفتر سمات الجيش المحترف الذي تبدو عليه، إذ تضمّ عنصراً ميليشياوياً كبيراً غير نظامي وأيضاً مقاتلين أجانب من تشاد والسودان.

وتُظهر المقابلات التي أجريناها مع عناصر من الجيش الوطني الليبي ومسؤولين في الأمم المتحدة ومراقبين، أن هذا العنصر الميليشياوي يشكّل ما بين 40 إلى 60% من إجمالي عديد الجيش.

صحيح أن هناك نواة من وحدات المشاة ووحدات مدرعة ووحدات من القوات الجوية والشرطة العسكرية النظامية – وهذه هي الصورة المحترفة التي ربما تفسّر الدعم الشعبي لفكرة “الجيش الوطني الليبي”، استناداً إلى استطلاع أجري مؤخراً، والتي من خلالها يعتبر الليبيون الجيش الوطني بديلاً مرحباً به عن الميليشيات الجامحة والجشعة التي تعمّ البلاد.

لكن حتى هذه السردية معيبة. فإحدى أهم الوحدات النظامية التابعة لحفتر، وهي “كتيبة الصاعقة” التي غالباً ما يتمّ وصفها في الصحافة كمنظمة “نخبوية”، متورّطة في سلسلة انتهاكات، كما وجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى أحد أبرز ضباطها بارتكاب سلسلة من جرائم الحرب المتعمدة.

إضافة إلى ذلك، منذ أن بدأ حفتر حملته العسكرية في بنغازي في العام 2014، اعتمد إلى حدّ كبير على ميليشيات مشكّلة محليا تضم “متطوعين”. وإذ أُطلقت عليها تسميات ملطّفة على غرار “قوات الدعم”، كانت هذه القوات تضمّ أشخاصاً من ضواحي محددة من مدينة بنغازي، كما أن العديد منها أتت من قبيلة محلية نافذة وهي قبيلة “العواقير”.

وفي الواقع عملت قوات الدعم هذه كحراس للخطوط الخلفية في قوات حفتر، وساعدت أيضاً الوحدات النظامية خلال الهجمات على الخطوط الأمامية. ومع استمرار النزاع، شاركت أيضاً في انتهاكات عنيفة فهاجمت المنازل والشركات التابعة لأسر من بنغازي يُشتبه بأنها موالية لخصوم حفتر “الإسلاميين”.

كذلك، يلاحظ وجود مكون سلفي في “القوات المسلحة العربية الليبية”، الأمر الذي يتنافى مع سردية كون قوات حفتر هي جيش مؤسساتي ومحترف. فهؤلاء السلفيون الذين كانوا يحظون بدعم معمر القذافي خلال سنوات اضمحلال حكمه، كانوا متواجدين في صفوف القوات الأمنية للنظام السابق وهم يعادون عقائدياً الإسلاميين السياسيين الذين كان حفتر يحاربهم.

والمحاربون السلفيون هم مقاتلون رئيسون على الخطوط الأمامية في “القوات المسلحة العربية الليبية” أيضا. أما في المناطق الشرقية التي سيطر عليها حفتر، فقد مُنح هؤلاء مساحة ونفوذ لتطبيق منهجهم المتشدد لما يرونه كقيم اجتماعية إسلامية.

ويشير كل ذلك إلى أن أي دعم من إدارة ترامب لحفتر على أسس إيديولوجية هو في غير محله. صحيح أن حفتر يعادي الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي يحاول البيت الأبيض تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية، إلا أن حفتر ليس علمانياً.

في الآونة الأخيرة، انضمّ السلفيون إلى وحدات عسكرية في الجيش الوطني الليبي خاضعة إلى قيادة أبناء حفتر. ويشكّل هذا البعد العائلي لقوات حفتر دليلاً إضافياً على أن الجيش الوطني الليبي ليس ما يبدو عليه قطّ.

فالمقابلات التي أجريناها مع أعضاء من هذا الجيش وداعميه تشير إلى أنه بعد تلقيهما الحدّ الأدنى من التدريب العسكري، تمّ تسليم ولديه خالد وصدام مراكز قيادية، في إطار نهج احتكار للسلطة والحكم من قبل حفتر.

وتستفرد بالسلطة زمرة ضيقة من أفراد أسرته ومقربين من القبيلة التي يتحدّر منها – قبيلة الفرجان. وبشكل خاص، تلقت وحدة ابنه خالد حفتر، الكتيبة 106، عتاداً وأسلحة متطوّرة من الخارج، ما جعل بعض وسائل الإعلام، في الكثير من الأحيان، تقارن بشكل متكرر بين كتيبه 106 وإحدى أكثر القوات نفوذاً وحرفية في عهد القذافي، اللواء 32 المعزز الخاضع إلى خميس، الابن الأصغر للقذافي.

أخيراً، إن القبول وفي بعض الحالات، الدعم الفعّال الذي حظي به الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر من قوى خارجية كانا حاسمين لمسألة توسّعه. فالإمارات ومصر وفرنسا وروسيا دعمت الجيش الوطني الليبي، كل لأسبابها الخاصة، (سواء لمحاربة الإسلاموية أو لضبط أمن الحدود أو لمكافحة الإرهاب).

وقد أثبت حفتر، كالعديد من الوكلاء الشرق أوسطيين، براعته في استغلال هذه الرعاية. وتتحمّل الولايات المتحدة بعض المسؤولية بدورها: فعلى رغم أنه تردد أن واشنطن أوقفت انخراطها العسكري إلى جانب حفتر في العام 2015، إلا أن دبلوماسيين أميركيين، استنادًا إلى المقابلات التي أجريناها، أظهروا موقفاً تكيفياً بشكل متزايد إزاء الجنرال، آملين جرّه إلى العملية السياسية ومسلّمين ظاهرياً بدعمه المفترض لإجراء انتخابات.

كما التزموا الصمت إزاء تحرّكه العسكري في منطقة فزان – جنوب ليبيا – في وقت سابق من هذا العام، في خطوة اعتبرها على الأرجح معسكر حفتر بأنها ضوء أخضر ضمني.

خلال تقدّمه جنوباً، سمح فراغ على صعيدي الأمن والحوكمة للجيش الوطني الليبي بتغيير توجهات الميليشيات المشكّلة محلياً بفعالية – بما فيها تلك التي تولّت حراسة المنشآت النفطية – فأغدق عليها بعطايا النقد والعتاد. وأثناء توجّهه للهجوم على طرابلس، اعتمد حفتر استراتيجية مماثلة آملاً أن تقف الميليشيات المحلية في طرابلس ومحيطها في صفّه، ومُغرياً إياها بمزيج من المال والقوة والحسابات السياسية الوصولية.

لكن هذه الخطة أدّت إلى نتائج عكسية بشكل لافت. فقد اتّحدت ضده الميليشيات المتباينة في طرابلس التي كانت على خلاف لفترة طويلة. حتى المواطنون العاديون الذين رحّبوا ربما بحفتر في العاصمة كمنقذ من الميليشيات، انقلب عدد كبير منهم ضده.

البقية في الجزء الثاني

المصدر الأصلي: مركز كارينغي (ترجمة هبه المنسي)

***

فريدريك ويري هو زميل أقدم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومؤلف كتاب الشواطئ المحروقة: داخل المعركة من أجل ليبيا الجديدة .

عماد الدين بادي باحث غير مقيم في برنامج مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط.

__________

موقع الوطن العربي