Minbar Libya

بقلم إدول السعيد

صور “مدينة التوارق “أنصار القذافي” “مهرجان غات الدولي” هي أكثر الصور النمطية عند الكثير من أبناء الشعب الليبي من خارج المنطقة الجنوبية المترسخة في أذهانهم عن أهالي غات!

ممن لم يحالفهم الحظ في زيارة مدينة غات بعد أحداث ثورة فبراير، واستكشاف التنوع العرقي والثقافي واللغوي الذي تزخر به المدينة خلافا لغيرها من المدن الليبية، فمدينة غات ينطبق عليها قول المتنبي

ملاعب جنة لو سار فيها سليمان لسار بترجمان

فمعظم اللهجات الإفريقية يتحدث بها أهالي غات، بالإضافة اللغوتين العربية وهي اللغة الرسمية لدولة ليبيا والتماهقية وهي اللغة الشعبية والتي تحدث بها جبال أكاكوس قبل ما يزيد عن 5 آلاف سنة قبل ميلاد.

بالإضافة إلى المعالم الأثرية التي تنفرد بهما المدينة فيكفي أن نعلم أن أكبر متحف طبيعي عالمي المصنف على لائحة التراث الانساني (رسومات جبال أكاكوس) موجود على نطاق الحدودية الإدارية لمدينة غات.

كما أن في غات عُثر على أقدم مومياء محنطة عرفها التاريخي البشري الطفل (وان موهي جاج) والتي تعود إلى 5600 سنة قبل الميلاد ما يعني أنها أقدم من المومياءات المحنطة التي عثر عليها في مصر.

كما لا ننسى ايضا معركة (إيسين التاريخية) التي لا زالت أثارها شاهدة للعيان على مدى فداحة الهزيمة الأخلاقية قبل أن تكون عسكرية التي تعرضت لها وحدات النخبة في الجيش الفرنسي على يد الأسلاف.

المعركة التي أختلط فيها الدم الليبي مع الدم الجزائري في ملحمة تاريخية سطّر فيها الآباء أروع معاني البطولة والفداء والتضحية من أجل الوطن.

لكن المستغرب أن لا نجد ذكر هذه المعركة في كتب التاريخ الليبي إلا بصورة محتشمة ومحتشمة جدا!

وكأن معركة إيسين التاريخية لم تقع على التراب الليبي ولم يقودها أبطال ليبيين يفترض أن يتشرف بتاريخهم الشعب الليبي ويطالب بتدوين تاريخهم أسوة بغيرهم من المجاهدين لا أن يقوم بتهميشهم وكأنهم ليسوا من أبناء هذا الوطن!!!

ولا أجد تفسيرا منطقيا لهذا التهميش الحاصل لهذه المعركة وقادتها في كتب مناهج التاريخ الليبي سوى أن هذه المعركة (إيسين) لم تقع في شرق وغرب البلاد ولم تكون تحت لواء عمر المختار.

هذا حقا لا أمر مخجل.

لكن هذا النوع من الصور السالفة الذكرة المعتمة المخزّنة في ذاكرة الشعب الليبي عن مدينة غات وأهلها أعدّها صور قاصرة ومجحفة في حق مدينة غات وأهلها.

يقال رب ضارة نافعةفالسيول والفيضانات لم تجلب معها إلى مدينة غات الدمار والخراب فحسب، بل جلبت معها أيضا أشياء أخرى جميلة، فقد أصبحت الصور النمطية القديمة عن مدينة غات تتلاشى في أذهان الناس لتحل محلها صور أخرى جديدة مشرقة وأكثر إيجابية تعكس واقع الحال في مدينة غات.

فمنذ النكبة التي تعرّضت لها المدينة بسبب الأمطار والسيول والفيضانات التي أجتاحت المدينة خلال المدة القليلة الماضية وما سببته في جرف المزارع وخلع أسطح المنازل ونفق الحيوانات وجعلت أهالي غات يقضون أيام عيد الفطر المبارك جلوس في العراء بعيدين عن بيوتهم في حالة من الجهل بمستقبل مصيرهم!

هذه السيول لم تكشف لنا فقط عن مدى هشاشة البنية التحتية التي تعاني منها مدينة غات وما حولها من قرى، ولا مدى الرحمة التي تمتليء بها قلوب عموم الليبيين الذين قابلوا السيول والفيضانات.. بطوفان لا مثيل له من المساعدات الإنسانية التي سعوا من خلالها إلى جرف الأحقاد التي أمتلأت بها الصدور.

فقد كشفت السيول والفيضانات صور أخرى جميلة ورائعة وتعبر عن المعدن الأصيل للغواته (أهل غات)، كان المجتمع الليبي يجهلها وكأن الله أرسل هذه السيول ليكتشف العالم الرحمة التي تمتليء بها قلوب الليبيين.

ويكتشف الليبيون تماسك أهالي غات رغم اختلافهم واختلافاتهم، فقد كشفت السيول مواقف إنسانية عظيمة قام بها شباب غات ستخلّدها لهم الايام في أجمل صفحاتها وستظل لزمن طويل قصص تتناقلها الأفواه.

فحين هبّ شباب البركت لنجدة العائلات التي حاصرتها السيول في حي الشركة الصينية والبنت الليبية وغيرهما من الأحياء المحاصرة بالمياه المتدفقة من الوديان .

لم يفكّروا في المخاطر التي قد يتعرضوا لها ولم يخطر ببالهم بأن سكان الشركة الصينية جنس من البشر مختلف عن جنسهم.

أو أنهم أناس أتوا من كوكب أخر للسيطرة على كوكبهم، فقام شباب “البركت” بكسر الحواجز الاجتماعية المفتعلة التي لم يكونوا يوما جزء منها، فحملوا الشيوخ والمرضى والأطفال والعجزة على أكتافهم حتى تجاوزا بهم منطقة الخطر فعادوا إلى بيوتهم وروح التفاؤل بغد أفضل يراودهم.

غدا لا مجال فيه للحقد والحسد والكراهية .. غدا يتشارك فيه أبناء غات إعاجمهم واعرابهم .. أسودهم وأبيضهم في إعادة بناء مدينتهم دون إقصاء أو تهميش لأحد.

وحين هب شباب أوباري في أول أيام الكارثة بمركباتهم الخاصة حاملين معهم ما جادت به الايدي مسرعين لنجدة أهلهم في غات فكانوا أول الواصلين من خارج غات.

كان الاعتقاد السائد عند الكثير من أهالي غات أنهم لن يتجاوزا الأحياء التي يتواجد فيها أقرباء لهم في غات، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تبدد وتحول الى ركام جرفته مياه السيول.

حين ذهب شباب أوباري إلى أبعد من ذلك .. إلى أبعد من أحيائهم، إلى مناطق ايسين وغيرها من المناطق المحاصرة والمتضررة التي كان يستحيل الوصول إليها، فقاموا بالواجب الذي يمليه عليهم ضميرهم.

مدينة غات بعد سنوات من النسيان والتجاهل يتم الآن إعادة اكتشافها بصورة مختلفة وتحت ظروف مختلفة، وأصبحت كل الأضواء مسلّطة عليها وهذه فرصة للتصالح مع الذات، وإبراز ما لديها من تراث وثقافة للداخل والخارج.

***

إدول السعيد ـ كاتب ليبي

_________