Minbar Libya

بقلم فريدريك ويري وعماد الدين بادي

في 15 نيسان/أبريل، اتصل الرئيس دونالد ترامب هاتفياً بالجنرال الليبي خليفة حفتر، قائد ميليشيا يطلق عليها مسمى “الجيش الوطني الليبي”، مباركاً الهجوم الذي شنّه الجيش التابع له ضد الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس.

الجزء الثاني

يُعتبر إدراك الخلفية السياسية والأمنية المتشرذمة التي واجه في إطارها القوات المسلحة العربية الليبية هذه العوائق، مهماً لفهم لماذا يُعدّ إيمان ترامب بحفتر في غير محله. فوق كل شيء، تجاهلت تقديرات حفتر التي اعتمدها لتنفيذ هجومه الواقع بأن عدداً كبيراً من ميليشيات إقليم طرابلس لديها حوافز سياسية واقتصادية للدفاع عن مناطق نفوذها، على عكس الفراغ الأمني في الجنوب والديموغرافية القبلية السائدة في الشرق حيث حقق حفتر نجاحاً أكبر.

بالطبع، تشير المقابلات التي أجريناها إلى أنه في بعض الحالات، تمكّن حفتر من حشد الدعم في غربي ليبيا من جانب قواعد اجتماعية وجماعات مسلحة مختلفة، ترى بعضها في تقدّمه فرصة للهيمنة على القبائل المحلية. ففي مدينة ترهونة، جنوبي طرابلس، على سبيل المثال، شكّل فصيل من ميليشيا مهيمنة استُبعد من الترتيبات الأمنية بين ميليشيات العاصمة، حليفاً مهماً لقوات حفتر.

وبعض القرى كالزاوية، الواقعة أيضًا على الساحل الغربي، والزنتان في جبل نفوسة، مُنقسمة بين فصائل موالية للجيش الوطني الليبي وأخرى معادية له. يُذكر أن ميليشيتين من أبرز ميليشيات طرابلس – كتيبة ثوار طرابلس وقوة الردع الخاصة – لم تقم بالتعبئة الكاملة للتصدي للهجوم.

وقد كان نصف الالتزام هذا خطوة مدروسة: فمن خلال نشر بعض القوات لمواجهة هجوم حفتر في وقت تمتنع فيه فصائل أخرى عن المحاربة، تأمل الجماعتان أن تحتفظا ببعض النفوذ في أي اتفاق مستقبلي محتمل مع أي من الفصائل المتناحرة.

لكن عموماً، أساء حفتر التقدير حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الميليشيات في غربي ليبيا للدفاع عن مصالحها الاقتصادية ومجتمعاتها المحلية. فنظراً إلى اقتصاد ليبيا المتركّز على النفط، تعني السيطرة على طرابلس ومحيطها النفاذ إلى أصول مالية قيّمة كان حفتر يهدف إلى احتكارها من خلال هجومه.

علاوةً على ذلك، وعلى عكس نموذج القوات المسلحة العربية الليبية، فإن الكثير من ميليشيات إقليم طرابلس – بمن فيها مقاتلون ثوار وإسلاميون وأمراء حرب وسلفيون محافظون – متغلغلة في مجتمعاتها المحلية.

لسنوات، طرحت العديد من هذه الجماعات المسلحة المستقرة في طرابلس نفسها كشرطة أمر واقع في المدينة، حتى وهي تعزّز سيطرتها على الأرض وتنتزع الثروات عبر شبكات فساد ضمّت نخبة من السياسيين ورجال الأعمال. وعلى رغم أن هذه الجماعات حدّت من وتيرة العنف حول العاصمة، إلا أن مناوراتها المتواصلة كرّست الوضع القائم وضمنت استمرار هيمنة الميليشيات على قطاع الأمن في طرابلس وضواحيها.

وتشير عملية الدمج التي حصلت مؤخراً بين الجماعات المسلحة الأربع الرئيسة في العاصمة ضمن ما يسمى بقوة حماية طرابلس إلى مدى ترسّخ الميليشيات في العاصمة ونيّتها التصدي لأي تحديات لنفوذها بشراسة، بما في ذلك تقدّم القوات المسلحة التابعة لحفتر.

فضلاً عن إساءة قراءة ترسخ ميليشيات إقليم طرابلس اجتماعياً واقتصادياً، أساء حفتر تقدير ردود فعل النخب والميليشيات في مدينة مصراتة المرفئية الواقعة شرقي طرابلس. فبعدما كانت مصراتة مركزاً ثورياً واقتصادياً، تضاءل نفوذها العسكري تدريجياً على إثر موجة الحرب الأهلية الثانية التي شهدتها ليبيا في العام 2014 بسبب انقسامات سياسية وإيديولوجية.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، سعت شخصيات بارزة، أهمها وزير الداخلية والدفاع في حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا، بشكل متزايد إلى التقارب مع فصائل شرقية متحالفة مع حفتر، وقد أشارت المدينة أيضاً لقبولها بإشراك حفتر في تسوية للحكم، شرط أن يرفض الحكم العسكري. في المقابل، كانت لدى قادة الميليشيات الإسلاميين المتشدّدين في مصراتة تحفظات كبيرة حيال أي نوع من الاتفاقات مع القائد السبعيني.

هجوم حفتر لم يراهن فقط على عنصر المفاجأة، إنما كان رهان على أن هذه الانقسامات الداخلية ستمنع مصراتة من التوصل إلى اتفاق بشأن رد فعلها إزاءه. غير أن البعض اعتبروا هجومه المفاجئ بمثابة خيانة، في حين نظر إليه البعض الآخر على أنه تهديد وجودي. والنتيجة كانت تعبئة شعبية على نطاق المدينة بأسرها بدلاً عن ذلك.

أخيراً، قلّل حفتر من شأن مهارة الميليشيات الليبية الغربية في التلاعب بالدول الخارجية لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري. فقد قدّم العديد من الجماعات المسلحة داخل وحول طرابلس نفسها إلى الولايات المتحدة والقوى الأوروبية كشركاء في مكافحة الإرهاب وإدارة ملف الهجرة وحتى كضامن أمني لحكومة الوفاق الوطني المركزية الضعيفة.

ويُعتبر الدعم الأميركي لميليشيات مصراتة المتحالفة مع الحكومة خلال المعركة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في سرت في العام 2016 خير مثال على ذلك: فموقف العديد من هذه الجماعات المسلحة النافذة والمستقلة كان غامضاً إزاء حكومة الوفاق الوطني إن لم نقل معادياً لها.

هذا وتلقت جماعات مسلحة أخرى في إقليم طرابلس دعماً غير مباشر من إيطاليا للتصدي للاتجار بالمهاجرين.

ستواصل الميليشيات في غربي ليبيا استغلال الانقسامات الدولية والدعم الخارجي. وسيشمل ذلك الأسلحة والمعدات، كما تبيّن من خلال زيارة قام بها وزير الداخلية والدفاع باشاغا مؤخراً إلى تركيا، وحتى تزويدها بالمرتزقة كما اتّضح من خلال إقدام الجيش الوطني الليبي مؤخراً على إلقاء القبض على طيار أُسقطت طائرته الحربية التابعة للحكومة المركزية زُعم أنه من الجنسية البرتغالية.

ومن خلال تمديد أمد المعركة، من المرجح أن يعزز الدعم الخارجي موقف المتطرّفين الليبيين في وقت يُرغم فيه البراغماتيون على أن يصبحوا أكثر تشدّداً. وقد بدأ يبرز بالفعل مزيج من الشخصيات غير المرغوب فيها – عناصر إجرامية وإسلاميين وثوريين يقاومون بعناد – في المشهد الأمني. وسيسمح لهم استمرار النزاع بالتمتّع بنفوذ سياسي قد يكون من الصعب انتزاعه منهم إن لم يتمّ اتخاذ تدابير سريعة لإنهاء الحرب.

بعد أن تجاوز الاقتتال عتبة الشهر الواحد، من الواضح أن أي آمال سابقة حول هجوم حاسم قد تبدّدت. فأنصار حفتر، المحليون والأجانب، أعجبوا على ما يبدو بالسردية الواهية المبنية على فكرة أن الجنرال يقود جيشاً في وجه ميليشيات.

كانت هذه السردية فعّالة في الماضي في شرقي ليبيا، حيث كان الصراع ذا طابع إيديولوجي أكثر وتمكّن حفتر من الاستفادة من التظلمات الاجتماعية والسياسية قديمة العهد. لكن في الغرب السياق مختلف: فهجوم حفتر لا يمكن أن يُعتبر محاولة لبناء دولة أو فرض نظام سلطوي مستقر، لا بل هو إعادة ترتيب للعبة الميليشيات القائمة منذ زمن طويل. باختصار، الهجوم على طرابلس ليس سوى محاولة من ائتلاف ميليشياوي للهيمنة على ائتلاف آخر.

ثمة مؤشرات على أن النزاع يدخل في مرحلة جديدة تعجّ بالمخاطر. ففي مواجهة نقص التمويل الوشيك، قد تسعى قوات حفتر إلى إضفاء طابع عسكري على بنية النفط التحتية في البلاد، أو إلى بيع النفط في السوق بشكل منفرد. وفي وقت يثبت فيه حفتر قدرته على البقاء في ضواحي طرابلس، سيميل داعموه الأجانب إلى تصعيد انخراطهم العسكري لمساعدته على قلب الموازين. لكن أي مساعدة من هذا النوع قد تسبّب على الأرجح معاناة إنسانية، بدلاً من دعم تقدّمه الفعلي على الأرض.

إن الانخراط الأميركي القوي والمتوازن، والأكثر اتّساقاً مع الوقائع المحلية، على عكس تصريح ترامب، سيكون حاسماً للحول دون تحقّق أي من هذه السيناريوهات. ويمكن للدبلوماسيين الأميركيين العمل على منع حفتر من استغلال موارد ليبيا النفطية، كما فعلوا في العام 2018 عندما حاول نقل نفوذ المؤسسة الوطنية للنفط إلى سلطات موازية في المنطقة الشرقية.

كما يمكن للحكومة الأميركية، بما فيها الكونغرس، منع الجهات الفاعلة الإقليمية عن التدخّل أكثر، من خلال تسليط الضوء علناً على الانتهاكات التي ترتكبها هذه الدول لقرار الأمم المتحدة بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا. ويجب أن يتمثّل الهدف من ذلك في دفع النزاع إلى نقطة يكون فيها الطرفان مستعدين للموافقة على وقف إطلاق النار والعودة إلى العملية السياسية.

ومثل هذه العملية لا بدّ من أن تكون شاملة، وتركّز بشكل خاص على المجتمعات المحلية في الشرق والجنوب، وأيضاً على كبار ضباط الجيش الوطني الليبي الذين أظهروا تعاوناً يصبّ نحو إجراء حوار ومحادثات مع نظرائهم في الحكومة. تجدر الملاحظة هنا أنه يجب إبقاء أخطاء الماضي حاضرة في الذهن، ولاسيما نظراً إلى العروض المتعدّدة المقدّمة إلى حفتر للانضمام إلى تسوية سلمية، وهي عروض رفضها وقضى عليها بالقوة العسكرية.

لاشكّ بأن استبدال حكومة الوفاق الوطني العاجزة بهيئة تضمّ عدداً أكبر من الأطياف الفاعلة وتكون شرعية، أمرٌ ضروري. ولا شك أيضاً في أنه يجب تفكيك مجموعة الميليشيات الغارقة في الفساد واللصوصية في طرابلس.

لكن هذا أمرٌ يجب أن يتم من خلال الجمع بين المفاوضات السياسية والأدوات التكنوقراطية، التي كانت تحقق تقدّماً ملموساً ولو بطيئاً قبل أن يشنّ حفتر هجومه في 4 نيسان/أبريل، ولن تتمكن ليبيا من المضي قدماً من خلال دعم تحالف ميليشياوي على حساب تحالف ميليشياوي آخر.

المصدر الأصلي: مركز كارينغي (ترجمة هبه المنسي)

***

فريدريك ويري هو زميل أقدم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ومؤلف كتاب الشواطئ المحروقة: داخل المعركة من أجل ليبيا الجديدة .

عماد الدين بادي باحث غير مقيم في برنامج مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط.

__________

موقع الوطن العربي