Minbar Libya

تؤكد الشهادات التي يستعرضها التقرير أن عمليات القتل والتنكيل جرت بشكل ممنهج، وسط غياب تام لمنظومة عدالة رادعة.

الجزء الثاني

محمد مصباح جبريل

وثّق فريق الأرومتوسطي شهادة شقيق محمد مصباح جبريل ـ مقاتل في الكتيبة 166 التابعة لرئاسة الأركان العامة بحكومة الوفاق الوطني، وهو أحد الذين تعرضوا للتعذيب والتنكيل بعد أسره على يد قوات حفتر بالقرب من عين زارة جنوبي طرابلس.

ويقول شقيق الضحية في شهادته للأورومتوسطي أن أخاه تلقي تكليفا عسكريا بتاريخ 4 أبريل 2019 للإلتحاق بالقوات المدافعة عن العاصمة طرابلس، لكنه تلقى نبأ مقتله بعد 5 أيام في المعارك التي وقعت في منطقة كوبري الزهراء جنوبي طرابلس.

وبحسب شهادة شقيق الضحية، فإن السيارة العسكرية التي كانت تقل محمد تعرضت لقذيفة صاروخية وبقيت في مناطق الاشتباك، وقبل وصول قوات حكومة الوفاق الوطني للسيارة كان محمد قد اختفى من السيارة وبقيت جثتين لصديقيه، ما أثار شكوكا حول مقتله.

وتابع شقيق الضحية أنه وبعد عدة محاولات التواصل مع الهاتف الذي كان يحمله القتيل، أجاب أحد مقاتلي حفتر على الهاتف، وأطلق وابلا من الشتائم والتهديدات بالقتل، وأستمر في ترديد عبارة جيفناه جيفناه، ما عاش تدوروه لا تبحثوا عنه مات جيفة الكلب” (في إشارة لقتله بطريقة بشعة). وبعد وقت قصير، وصلت العائلة صورة لمحمد مقتولا ومعلقا على ظهر دبابة وقد تم ربط ساقه بحبل فيما يتدلى جسمه أسفل الدبابة، وقد تم التنكيل بجثته بشكل بشع وسط ضحك واستهزاء من مقاتلين تابعية لقوات لحفتر يظهرون في الصورة.

ويوضح شقيق محمد الحالة النفسية الصعبة التي أصابت زوجة الضحية وإبنه بعد مشاهدتهم بعض الصور المتداولة الخاصة بالحادثة، إذ أصبحت جهود العائلة تنصب على الحصول على الجثة ودفنها لما يليق بالإنسان.

ويفيد الشاهد أن جهودا حثيثة بُذلت للوصول إلى الجثة لدفنها عن طريق الهلال الأحمر ووسطاء آخرون، لكنها قوبلت جميعها بالرفض والتهديد بالقتل في حال عاد ذوي القتيل للمطالبة بجثته.

وفي هذا السياق يضيف الشاهد بأن فريقا من الهلال الأحمر الليبي استكملت بعض الإجراءات الخاصة باستلام الجثة إلا أنها فشلت في تحقيق ما تصبو إليه بعد أن كان رد القوة المتواجدة بمستشفى السبيعة إما أن تذهبوا أو سنقوم بقتلكم ونضعوكم مكانه بالثلاجةوبيّن شقيق الضحية أنهم لم يستعيدوا جثته إلا بعد أن سيطرة قوات تابعة لحكومة الوفاق على مستشفى السبيعة الذي يحوي جثت القتلى، وقد وصلوا إلى الجثة وهي آخذة في التحلل نتيجة فصل الكهرباء المتعمد على ثلاجات حفظ الموتى.

م. ط

يقوم م. ط.” للأورومتوسطي، إن شقيقه (25 عاما) وهو مقابل في قوات حكومة الوفاق، وقع في الأسر مع اثنين من زملائه عندما تم القبض عليهم في سيارتهم، وقد قتلوا جميعا بطريقة وحشية بإطلاق النار على أجزاء من الجسم تبقيهم أحياء بهدف التعذيب، وربطهم في سيارات مسلحة وجرهم في الطرقات.

وبحسب شهادة م. ط.” فإن القوات التابعة لحفتر اتصلت بأم أحد المعتقلين لمشاركته في لحظات التعذيب، إذ يطلب المتصل من أم الضحيةأن تسمع صراخ إبنها تحت التعذيب، قبل رميه بالصاص ودهسه بعربة مدرعة في الطريق العام.

إعدام 6 مقاتلين بعد أسرهم أحياء

وفي شهادة أخرى حصل عليها الأورومتوسطي، يقول محمد أوسبيحةـ مقاتل تابع لحكومة الوفاق ـ إن ستة من رفاقه وقعوا بالأسر قرب مدينة العزيزية جنوب طرابلس على أيدي قوات حفتر، وقد جرى إعدامهم ميدانيا بشكل متتابع، حيث كانت القوات تقتل كل يوم أسيرا بعد تعريضه لتعذيب وحشي بالضرب بالآلات الحادة والسياط .

كذلك كان يتم إذلالهم وذويهم بتصويرهم عراة تحت التعذيب والإعتداء عليهم جنسيا، وإرسالهم الصور ومقاطع الفيديو إلى أهلهم بهدف إذلالهم، ويؤكد أوسبيحةإضرام النار بجثة أحد الأسرى بعد قتله تحت التعذيب.

خلفية قانونية

تنص المادة الثالثة في اتفاقيات جنيف المشتركة لعام 1949، والمتعلقة بالنزاعات الداخلية غير الدولية على أن الأشخاص الذين حُرموا من حريتهم لأسباب متعلقة بالنزاع يجب أن يعاملوا بشكل يحفظ إنسانيتهم وكرامتهم، وتحظر المادة جميع أساليب القتل والتعذيب والمعاملة المهينة التي تحطّ من كرامة الإنسان.

وتستوجب أعمال التعذيب القهري والقتل العمد للأسرى ملاحقة قانونية جادة وملحّة لما تسببه من آثار تتجاوز الأشخاص الذين يتعرضون لها، إذا تعد جريمة دولية تستوجب الوقوف عليها وإيقاف مرتكبيها بكافة الوسائل، انطلاقا من حماية حق الأفراد في الحياة والسلامة والحرية والشرف، كذلك حمايتهم من الاعتداء الصارخ على حقوقهم الإنسانية أو الحط من قيمتهم، لما في ذلك آثارا شبه دائمة على الأشخاص الواقعين بحت التعذيب، جسدية ونفسية.

وقد قامت منظمة الأمم المتحدة بتجريم التعذيب وحظره بجملة من الإعلانات والإتفاقيات والحقوقية، كذلك جرّمت كافة القوانين والأعراف الدولية قتل اسرى النزاعات.

تشير المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948إلى ضرورة أن لا يتعرض إي إنسان للتعذيب أو العقوبات أو المعاملات القاسية والوحشية أو المحطة بالكرامة، كما نص العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة والعقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو التي تتعرض للكرامة …”

ولم تتجاهل أية اتفاقية دولية تعنى بحقوق الإنسان أو النزاعات مسألة التعذيب، حيث جرّمه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (روما) 1998، كذلك جرّمه إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من التعرّض للتعذيب لعام 1975، والذي ينص في قراره رقم 3452 على تجريم التعذيب ووصفه بـ امتهان للكرامة الإنسانية“.

وتحظر المادة الثامنة من اتفاقية محكمة الجنايات الدولية انتهاك حرمة الموتى إثناء العمليات العسكرية، إذ تشكل خرقا للإتفاقيات المعمول بها، وقد ظهرت هذه الأفعال بشكل فاضح لعدد من الأسرى الذين تم التنكيل بجثثهم.

علاوة على ما سبق، فإن قانون العقوبات الليبي ينص على أن إهانة الجثث جريمة تستوجب المساءلة والملاحقة القانونية، حيث تنص المادتين 294 و 293 من قانون العقوبات الليبي على تجريم المساس بالجثث بحبس لا يقل عن عام.

ويشار إلى أن الجرائم التي تم توثيقها في هذا التقرير تندرج ضمن الأفعال التي ترقى لجرائم حرب مكتملة الأركان وفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حسب المادة 8\أ\3\6 والمادة 8 فقرة ب\6\10\11\12 وأيضا الفقرتين ج\1\2\4\11.

توصيات

ـ على الأطراف الليبية كافة وضع حدٍ لانتهاكات حقوق الإنسان، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والقوانين المحلية بما يحفظ كرامة الإنسان وسلامة المدنيين وعدم تعريض الأسرى لما يمسّ بحياتهم أو كرامتهم.

ـ يتوجب على السلطات التشريعية في ليبيا تعديل قانون العقوبات وتغليظ عقوبة انتهاك حرمة الموتى لردع مرتكبي جرائم التعذيب والتنكيل، وضمان تقديمهم للمحاكمة.

ـ على المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية فتح تحقيق فوري في الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الليبيين على يد قوات حفتر، وتقديم الجناة للعدالة.

ـ جميع الأطراف المتدخلة في النزاع الليبي مطالبة بممارسة ضغوطات على الأطراف المنخرطة في النزاع المسلح في البلاد لاحترام كرامة الإنسان والحفاظ على حياة المدنيين وتحييدهم عن الأعمال العسكرية وأساليب الترهيب والتعذيب، والإنخراط في حوار وطني جاد ينهي حالة الصراع المستمر منذ 2011.

***

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان هو منظمة مستقلة، مقرها الرئيسي في جنيف، ولها مكاتب إقليمية وممثلين في أوروبا والشرق الأوسط

____________

المصدر: تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ـ يونيو 2019