Minbar Libya

بقلم علي عبد اللطيف اللافي

هذا التقرير كتب قبيل هزيمة قوات حفتر في غريان ونشر في اليوم التالي لسيطرة قوات الوفاق على كامل غريان، ولذلك ينبغي قراءة هذا التقرير أخذا في الإعتبار التطور السلبي الكبير على مشروع حفتر الذي فرضته معركة غريان وهروب قادة ميليشيات حفتر من أرض المعركة تاركين وراءهم الجنود وأبناء القبائل والمرتزقة التشادية والسودانية والمصرية.

الجزء الثاني

4- الوضع الراهن لحفتر ومُعسكر الكرامة

تشخيص دقيق لموقعه السياسي والعسكري يمكن التأكيد على المعطيات التالية ليكون الاستشراف لاحقا أقرب للواقعية منه للتحليل الانطباعي أو السريع:

ـ أن الوضع الصحي لحفتر في أبريل 2018 لم يكن مُفتعلا وإن تم توظيفه، لتحقيق خطوات تكتيكية من طرف رجاله في الشرق الليبي يومها ومن طرف القوى الإقليمية والدولية الداعمة له، ورغم أن الأهداف المرسومة يومها من العملية التمويهية وتفاصيلها قد سقط أغلبها بناء على طبيعة التطورات التي حدثت بين أبريل الماضي وسبتمبر الحالي، فانه يُمكن التأكيد أن الرجل مُصاب فعلا منذ أكثر من سنتين.

ولكن المؤكد أن الأمر أقل خطورة مما أذيع وبُث يومها ويُروج له في مناسبات عدة، وحالته الصحية بشكل دقيق مُرتبطة بإشكالات على مستوى الدماغ، كنتاج طبيعي لمضاعفات الأدوية المستعملة خلال السنوات الماضية، إضافة أن معاناته الصحية الأخرى مرتبطة بالقلب وأنه بدا في أكثر من مناسبة شاحبا ومرهقا.

ـ أن العقل السياسي المُدبر لحفتر والكرامة وخلفيته الأمنية والعسكرية تجعل من الصعب أن يتحول إلى عقل سياسي براغماتي يقبل بالحوار أو بقراءة التطورات في أبعادها الذاتية والموضوعية، ومن خالطوا حفتر لفترات طويلة يعرفون أنه نرجسي الشخصية لا يسمح بقبول رأي غيره إلا إذا اضطر لذلك بناء على قراءات نفعية وهو لا يقبل بوجود شخص قوي في محيطه الاستشاري أو التنفيذي.

حفتر لا يستمع إلا للمصريين والإماراتيين، مع الإشارة أنه ذو عقل توظيفي في الوصول لأهدافه بل هو قادر على المناورة والتكتيك والتوظيف ولعل الجميع يذكر أنه عمل على التوظيف الإعلامي لصالحه أثناء المعارك بين الثوار وكتائب القذافي في2011 على غرار حادثة بني وليد المعروفة (قرار رقم 7).

ـ عند وضع الخطط وتنفيذها عادة ما يقوم حفتر ومساعديه بمناورة تمويهية عالية الدقة وحدث ذلك في أبريل 2018 ,وأيضا قبل الهجوم على طرابلس، وهنا لابد من التساؤل:

ماذا كان حفتر يقصد وأي خطة رسمها خلال أحداث طرابلس الأخيرة عندما لمّح هو ومساعديه أنهم سيحسمون معركة طرابلس قريبا (ووصل الأمر حتى القول بعد 25 ساعة)؟، خاصة في ظل رواج أخبار مُسرّبة يومها أن تطورات في الملف الليبي تجرى بعيدا عن الأضواء وهي معطيات أكّدها أكثر من مصدر ليبي وإقليمي خلال الأيام الماضية.

إضافة إلى الحديث عن العودة لمؤتمر جامع (وهو محور لقاء سلامة/حفتر مؤخرا في الرجمة )، إضافة إلى الحديث عن مؤتمر مصالحة ليبيليبي متوقع في يوليو القادم.

ـ حفتر ورجاله يعُون جيدا أن فُسيفساء التناقضات في الشرق الليبي أكثر من الجهة الغربية ومن الجنوب، ولكنه يناور مُستفيدا من كثرة قنوات عربية خادمة له ولحلفائه في ترذيل الثورات العربية وفي تشويه خصومه وكل الشخصيات الليبية التي تُنافسه.

حفتر في صراع دائم مع كل شخصية يُمكن أن تكون ذات كاريزما حتى أنه في صراع غير مُعلن مع “عقيلة صالح” وأيضا مع “عبدالله الثني” ومع غيرهما رغم أنهما معه في نفس المعسكر السياسي بل هما وغيرهم في أغلب الفترات موالين له سواء بالترغيب أو الترهيب رغم تغيرات المعادلات بينه وبينهم في الأسابيع الماضية.

كما تم تهميش شخصيات ليبية داعمة للكرامة بناء على توصيات مباشرة من قبله، ومعروف أن كل محيطه الإعلامي والاستشاري وأبرز رجال الديوان الخاص به، هم من المقربين منه هم أساسا من قبيلة الفرجان.

ـ لا يختلف اثنان حول وجود مؤشرات لاستمرار الارتباك في عدد من العواصم العربية والغربية حول الدور المستقبلي للواء المتقاعد (خاصة بعد هزيمته في غريان) مع وجود ملامح خطة تقضي بأن يبقى حفتر في مجال الشرق الليبي فقط لا غير (عبر العودة إلى قواته للشرق وهو ما يؤكد عليه السراج)، ومحاصرة دوره وتأثيراته على ما تبقى من مجلس النواب في طبرق.

إضافة إلى التأكيد على توسع مجال رئيس حكومة الوفاق فائز السراج للتحرك بالمنطقة الشرقية خلال الأشهر القادمة بغض النظر على صلاحيات المجلس وطبيعة تركيبته بعد مؤتمر نوفمبر المقبل (!!)، خاصة وأن هناك حديث عن صلاحيات واسعة لرئيس حكومة من خارج الرئاسي.

ـ تنامي الأدوار والعودة المستقبلية للحضور السياسي لرئيس تحالف القوى الوطنية “محمود جبريل” للمشهد وتهميش دور حفترأمام أدوار لشخصيات أخرى وان كانت في مدار حلفائه الإقليميين على غرار “محمد بالقاسم الزوي” و”عارف علي النايض” و”جاد الله عزوز الطلحي” و”أحمد قذاف الدم” وآخرين، ومعلوم أنه تم تسريب أن أنصار القذافي كانوا ينوون عمليا اغتيال حفتر في حالة نجاحه في دخول طرابلس في ابريل الماضي.

ـ تواصل الخلافات الصامتة بين القيادات المسلحة المحلية بمدينة بنغازي وأبناء حفتر، فهذه القيادات ترفض ضمنا أي دور عسكري أو أمني لأبناء حفتر، والأمر هنا تجاذب بين رؤيتين تدور النقاشات حولها بين الفاعلين، الأولى رؤية نفعية في توظيف القرابة والواقعي على الأرض، والثانية رُؤية وطنية إصلاحية للدفع في اتجاه الحل السياسي بغض النظر على المدى الزمن وتوخي المرحلية.

ـ انسحاب ممكن ومتوقع مستقبلا للتيار السلفي المدخلي من المشهد الأمني في كل ليبيا وحتى في بنغازي مستقبلا،ومعلوم أن المداخلة في كل ليبيا يعيشون مرحلة ارتباك كبرى وما يسمى عملية السليان التنظيمي والعلاقاتي نتاج خلافات تكتيكية إماراتية – سعودية إقليميا، وأيضا نتاج ما حدث في طرابلس ومسؤوليتهم عليه، ونتاج أهداف خطة ستيفاني وليامز والتي تتضمن أساسا التقليص من دور المداخلة واحتواء بعض المليشيات الخادمة لهم، ولا ننسى هنا أن حفتر يلعب لعبة التواصل والمساندة لمداخلة الجهة الغربية وفي نفس الوقت يدعم بأشكال مختلفة خصومهم.

ـ رفض الشراكة (وان كان محتشما وغير معلن) بين القوى السياسية والعسكرية بالمنطقة الغربية مع معسكر حفتر سيكون أمرا قائما نسبيا وسيصبح جليا بشكل جد وارد مستقبلا، بل أن تلك القوى هي عمليا في وضع البحث عن مصالحها مع المجلس الرئاسي بطرابلس والتقرب من مكوناته وربط علاقات سياسية واجتماعية معها أو مع الحكومة الانتقالية المقبلة،

وذلك خاضع لطبيعة التطورات ونتائج الخطوات السياسية المستقبلية القادمة في العواصم الغربية في تونس وفي مصر، وخاصة بعدما تبين أن خطة الالتفاف التي تعتمد أدوار لهؤلاء غير ممكنة التنفيذ.

5- المستجدات وتراتبية سيناريُوهات مستقبل حفتر السياسي والعسكري

بناء على ما ذكرناه أعلاه، فإن اللواء المتقاعد خليفة حفتر أمام سيناريوهات عدة بناء على تطورات الساحة الليبية والإقليمية والدولية مستقبلا:

السيناريو الأول: وهو أن يكون جزء من اللعبة السياسية المرتقبة والتي ستترتب عمليا في الرؤية الجديدة للأمم المتحدة، والتي من المنتظر أن تضعه لاعبا من بين عدة لاعبين ولكن بشروط الآخرين وليس بشروطه التي طالما أملاها سابقا وخاصة على برلمان طبرق (وهذا السيناريو أصبح من الصعوبة بمكان بعد هزيمة غريان).

السيناريو الثاني: ويتمثل في نهاية طموحه السياسي مقابل بقائه رقما مهما في قيادة المؤسسة العسكرية سواء هو أو بديل عنه، والأقرب أن يكون أهم العسكريين هو أو بديله رغم أنه يُصرّ أن يكون قائدا عاما للجيش (رغم أن البرلمان المنعقد في طرابلس سحب الصفة منه) ولكن سيطلب منه بشكل واضح أن يُعلن قبوله بسلطة مدنية مسؤولة أولى على مؤسسة جيش ليبي موحد.

السيناريو الثالث: أي خروجه الفعلي من الساحة بناء على نهاية أفقه السياسي والعسكري ربما قبل أي حل سياسي فعلي بناء على أن كل الغرب الليبي يرفضه وبناء على أن الدول الفاعلة في الغرب سئمت انتظار حسمه عسكريا، وأيضا بناء على تصدّعات حاصلة بينه وبين عسكريين بعضهم قريبين من أنصار القذافي.

التطورات بينت أن إمكانية نهاية حفتر شبيهة بنهاية جون قرنق في السودان وإن بأشكال مختلفة أمر غير متوقع في ظل التطورات الحالية وفي المدى المنظور، والسؤال هنا أين هو رشيد دستم في إفغانستان وأين هو فرح عيديد وآخرين لعبوا أدوار حفتر من قبل.

السيناريو الرابع : قد تتطور الأوضاع لصالحه دراماتيكيا فيعيد سيناريو سبتمبر1969 ويلعب دور القذافي2، رغم ان هذا السيناريو مازال يدعمه الاماراتيون بقوة والمصريون والسعوديون ببرود والفرنسيون بحماس، مقارنة بما كان قبل مايو الماضي وهو سيناريو طُرح في بدايات سنة2016 وتم العودة إليه بالهجوم على طرابلس، إلا أنه توارى كسيناريو منذ بداية يونيو الحالي، وهو أمر جد مُستبعد ولكنه ليس مستحيلا من حيث الرجوع إليه ودعمه.

6– خلاصات رئيسية

الثابت أنه لم يعد لحفتر نفس الدور و لا نفس الحظوة (بعد هزيمته في غريان مؤخرا) وبعد فشله في السيطرة على جنوب العاصمة طرابلس منذ بداية أبريل الماضي ثم في 20 رمضان، إضافة لتطورات الأحداث في طرابلس بعد 20 رمضان وبعد فشله ببرمجة لقاء مع ترامب بعد مسرحية المكالمة مدفوعة الثمن من قبل ابن زايد.

وأيضا مع بداية تحرك سلامة مجددا وطبيعة الحراك الدولي والخيارات الإقليمية، وهو اليوم أضعف من أي مرحلة سابقة حيث أنه لم يُعد جوادا وحيدا للذين كانوا يدعمونه ويُراهنون عليه سواء من مناصريه أو المتحالفين معه في الداخل والخارج.

الأمر أصبح مختلفا عما كان عليه الوضع قبل بداية يونيو الحالي، ذلك أن الفاعلين السياسيين الليبيين أصبحوا يستحضرون أجندات تقوم على الوعي بالمخاطر المستقبلية لأي تطورات سلبية أو انفصالية أو تنامي النزعات الشخصية في المشاريع السياسية والعسكرية المستقبلية.

إلا انه مطلوب منهم أيضا استيعاب عقلهم السياسي لطبيعة التطورات الإقليمية وآثارها على ليبيا والمنطقة المغاربية وعلى كل القارة السمراء، وهو ما يعني ضرورة مسارعة كل الليبيين إلى بناء المصالحة الوطنية التي تنبني على عدالة انتقالية منصفة ودافنة لآلام الماضي.

أتوقع عمليا أن التقاتل سيتواصل حتى آخر يونيو الحالي وستلوح الحلول السياسية في بداية يوليو القادم ولكنها ستتجسد في آخره ليتم بلورة عملية سياسية في بداية أكتوبر القادم وسينحصر مستقبل حفتر السياسي في أربع سيناريوهات كما ورد في نص التقرير ولكن سيكون أغلبها شبيها بمستقبل “فرح عيديد” و”عبد الرشيد دستم” و “جون قرنق” وقد يكون غيابه المفاجئ أو المسطر مقدمة لبروز دور “الناظوري” وحتى “عبدالسلام الحاسي. (المقال كتب قبل يوم هزيمة حفتر في غريان وهروب عبدالسلام الحاسي خارج غريان).

***

علي عبد اللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

_____________

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية