Minbar Libya

في الوقت الذي يعد فيه نفط ليبيا أحد أبرز أسباب الصراع الدائر في طرابلس منذ نحو ثلاثة أشهر، كما أنه كان سبباً رئيساً للصراع على السلطة طوال سنوات قبل ذلك، يبدو أن الأمور في طريقها للتغير على نحو دراماتيكي بعدما ظهر سبب جديد قد يصبح قريباً أحد أسباب الاقتتال في البلاد، وهو الماء.

يقول تقرير نشرته وكالة رويترز للأنباء في 2 يوليو الجاري، إنه بعد نحو ثماني سنوات من الفوضى التي تلت إطاحة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، أصبح انقطاع المياه أمراً شائعاً في ليبيا، لكن الأزمة زادت وصارت حالياً في طليعة أزمات البلاد التي تتكون أساساً من صحراء قاحلة مقسمة بين كيانات متنافسة.

في غرب ليبيا، أصبح العثور على المياه النظيفة أمراً صعباً لأن شبكة الكهرباء ونظام التحكم في المياه قد تضررا من هجوم شنته قوات موالية لحفتر في شرق طرابلس، حيث مقر الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة.

ونقلت رويترز عن موظف بأحد المقاهي في طرابلس، قوله إن المياه الصالحة للشرب باتت أزمة يومية بالنسبة لعائلته، مؤكداً أنه يشتري المياه المعبأة في زجاجات حين يكون لديه بعض المال، لكنه يحصل عليها مجاناً من إحدى الجمعيات الخيرية حين يكون غير قادر على الشراء.

ورغم تحذير الأمم المتحدة لجميع الأطراف المتحاربة في ليبيا، من أن المياه لا ينبغي أن تصبح سلاحاً في الحرب، فإن شبكة المياه قد تعرضت لأضرار بالغة في غرب ليبيا حيث تقع العاصمة، بحسب تقارير غير منشورة من المسؤولين عن شبكات المياه ووكالة الأمم المتحدة للطفولة يونسيف.

وتؤكد رويترز أن تلك المياه المعبأة في زجاجات والتي تباع في المتاجر المحلية في بلد يضم أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، أصبحت هي أيضاً ملوثة.

وكانت المؤسسات المسؤولة عن المياه في ليبيا قد حذرت في مارس الماضي خلال اجتماع مع منظمات دولية من أنه إذا لم يتم إصلاح الأضرار في محطات المياه، فقد يغلق بشكل مفاجئ نظام أنابيب المياه الرئيسي، وهو ما سيتسبب بعواقب كارثية لأنه لا يوجد نظام بديل قابل للتطبيق لإمدادات المياه في ليبيا.

ويعتبر التحذير السابق، الذي جاء في مسودة تقرير لليونيسيف في الشهر نفسه، أكثر العلامات دراماتيكية على انهيار خدمات الدولة التي كانت في السابق من أغنى بلدان شمال أفريقيا.

تلوث المياه وخطر الكوليرا

وقال مصطفى عمر، الناطق باسم اليونيسف في ليبيا، في رسالة لرويترز عبر البريد الإلكتروني، إن نحو 4 ملايين شخص في ليبيا سيُحرمون من الحصول على المياه الصالحة للشرب، وهذا ما سيساهم في انتشار أمراض مثل الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي والإسهال.

رغم أن فشل البنية التحتية والخدمات العامة في البلاد كان أحد الأسباب التي جعلت الليبيين ينتفضون ضد نظام القذافي، فإن نظام خطوط الأنابيب الممتد على طول 4000 كيلومتر، والمعروف باسم النهر الصناعي العظيم، كان أحد مشاريع الهندسة المدنية الرائدة عالمياً عندما بُني في ليبيا في الثمانينيات.

ويعيش حوالى 80 في المئة من سكان ليبيا البالغ عددهم ستة ملايين على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط أو بالقرب منه، ويعتمدون على المياه العذبة التي يتم ضخها عبر أنابيب من طبقات المياه الجوفية الشاسعة في الجنوب، حيث توجد احتياطيات النفط الوفيرة في ليبيا.

ويقول مسؤولون في سلطة المياه ودبلوماسيون إن المياه الجوفية في المناطق الساحلية مالحة وملوثة بمجاري الصرف الصحي وحوالى 80 في المئة من محطات تحلية المياه انهارت، في حين يقول المسؤولون في يونسيف إن الأنابيب تزود ليبيا بأكثر من 70 في المئة من مياهها العذبة.

ويكشف تقرير رويترز عن أن بعض السكان يقومون بتفكيك المعدات في أنابيب الآبار لبيع النحاس الموجود فيها، في حين يدمر أحياناً رجال القبائل الذين يعيشون في مناطق الجنوب المهملة الأنابيب للضغط على المسؤولين في العاصمة لتنفيذ مطالبهم.

من جانبه، قال عبد الله السني رئيس هيئة المياه في طرابلس في مقابلة مع رويترز إنه نتيجة لذلك تم تفكيك معدات 101 من 479 بئراً على شبكة الأنابيب الغربية، ورداً على سؤال بشأن احتمال حدوث أزمة مياه، قال إن انقطاع التيار الكهربائي يهدد الإمدادات.

ومنذ أن تعرضت غرفة المراقبة المركزية لنظام خطوط الأنابيب في غرب ليبيا لهجوم في مطلع مايو، لم يتمكن المهندسون من قياس ضغط المياه وتدفقاتها، في حين غادرت شركة صيانة تونسية كانت تعمل على هذا النظام بسبب القتال الدائر في المنطقة.

وقال السني: “لقد انخفض تدفق المياه إلى غرب ليبيا من التدفق الطبيعي البالغ 1.2 مليون متر مكعب في اليوم إلى حوالي 800 ألف متر مكعب في اليوم، بسبب التخريب ونقص التمويل والصيانة“.

وفي جميع أنحاء ليبيا، ارتفع الطلب على المياه إلى 7 مليارات متر مكعب سنوياً، بعدما كان 5.5 مليار في العام 2011، إذ تولى المزارعون وغيرهم حفر الآبار أو استغلال الخزانات، على حد قول السني. وبحلول العام 2025، ستحتاج ليبيا إلى 8 مليارات مكعب من المياه.

ويؤكد السني إن البنية التحتية للمياه في بلاده تحتاج إلى ملياري دينار، لكن السلطات سلمت إليه فقط 60 مليون دينار في العام الماضي.

مدن ليبيا تعاني من العطش

وفي العام الماضي، كشفت تقارير إعلامية عن أن هناك مدناً ليبية باتت تعاني نقص المياه وهي بحاجة ماسة إليها كمدينة طبرق التي يوجد فيها مصدر واحد للمياه وهي محطة التحلية التي تعمل منذ عام 2000 ولم تخضع للصيانة إلى الآن، ومدينة البيضاء التي تعاني نقص المياه رغم وجود حقول مياه جوفية في محيطها ولكن استخراجها غالي التكلفة.

أما في سرت فيُضخ 300 ألف متر مكعب من المياه يومياً ولا يصل للمدينة سوى 30 ألف متر مكعب، و270 ألف متر مكعب تتسرب في الطريق بسبب تعدي المواطنين على خطوط النقل واستغلال المياه في مواسم زراعية غير مجدية.

 كما يواجه أهالي بلدية مرادة أزمة حادة نتيجة تردي الأوضاع والنقص الحاد في مياه الشرب، بسبب تهالك محطة التحلية التي يعود إنشاؤها إلى العام 1981 من دون وجود صيانة أو تطوير لها.

وفي بنغازي أدت صعوبة معالجة تداخل المياه المالحة مع مياه الشرب إلى إغلاق 90 بئراً، كما تتركز أزمة المياه في مناطق البلاد الشرقية بسبب ظروف جيولوجية أهمها الصخور الرسوبية الجيرية، كما يعتبر تغير المناخ عاملاً رئيسياً في الأزمة حيث انخفض منسوب الأمطار من 600 ملم إلى 150 ملم في الأعوام الأخيرة، إلى جانب خطر تدفق الصرف الصحي في قنوات المياه.

_________

رصيف22