Minbar Libya

بقلم نهى أبو الدهب

على مدار عقد منذ الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي، لم يتحقق سلام ولا عدالة في ليبيا. فالعدالة باعتبارها مجال سياسي واسع هي جزء لا يتجزأ من عملية الانتخابات وبناء الدستور والاستقرار والأمن وتوزيع الموارد.

وبرغم ذلك، تبقى اعتبارات العدالة غائبة إلى حد كبير عن محاولات بناء السلام في ليبيا.

الجزء الثاني

لا سلام ولا عدالة

في 1996، تم إعدام أكثر من 1000 سجين في سجن أبو سليم، في واحدة من أحلك اللحظات في التاريخ السياسي الليبي الحديث. وكان المحامي فتحي تربل هو ممثل أهالي الضحايا أمام القضاء.

في 15 فبراير 2011، تم اعتقال تربل، وهو الأمر الذي أثار احتجاجات غاضبة في مدينة بنغازي، وسرعان ما تحولت تلك الاحتجاجات إلى انتفاضة عاصفة، موضحةً كيف يمكن أن يرتبط غضب الجمهور؛ كنتيجة للظلم الواقع من هذه المذبحة، ارتباطًا وثيقًا بمطالب العدالة التي يتبناها أولئك الذين تعرضوا للتعذيب والقتل على أيدي النظام ووكالاته.

استمرت المظاهرات السلمية التي دعت إلى إنهاء حكم القذافي ونظامه الذي دام 42 عامًا. تلا ذلك قيام النظام باستعمال ألة الحرب في مواجهة المتظاهرين العزل، وأرسل رتلا من الدبابات والعربات والمدرعات المدججة بالسلاح لمعاقبة ثوار مدينة بنغازي وتدميرها وإجهاض الثورة في مهدها، وتلى ذلك قرارات مجلس الأمن وقيام القوات الجوية الفرنسية بتحطيم رتل القذافي وبعدها تدخل عسكري بقيادة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبدعم من مجلس الأمن الدولي.

انتهى هذا التدخل في 31 أكتوبر 2011، بعد أحد عشر يومًا من نجاح الثوار في القبض على القذافي وإبنه ومن ثم قتله على أيدي الثوار الليبيين.

على الرغم من مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ضد سيف القذافي وعبدالله السنوسي في 27 يونيو 2011، أصرت السلطات الليبية على محاكمة الاثنين محليًا، بحجة أن القضاء المحلي قادر على محاكمة المواطنين الليبيين المتهمين بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

قبلت المحكمة الجنائية الدولية دفعًا متعلقًا بعدم قبول دعوى قضية السنوسي والذي قدمته ليبيا في أبريل 2013.

في 11 أكتوبر 2013، قررت الدائرة التمهيدية الأولى أن القضية المرفوعة ضد عبدالله السنوسي غير مقبولة أمام المحكمة لأنها تخضع لإجراءات محلية جارية من قبل السلطات الليبية المختصة، ولأن ليبيا مستعدة وقادرة فعلًا على إجراء مثل هذا التحقيق.

ومع ذلك، رفضت المحكمة الجنائية الدولية الدفع نفسه الذي قدمته ليبيا في قضية سيف القذافي، مشيرةً إلى مخاوف بشأن قدرة ليبيا على إجراء محاكمة عادلة.

تمت محاكمة خمسة وثلاثين متهمًا محليًا في ليبيا بتهم تشمل جرائم حرب وقتل المتظاهرين والفساد.

حوكم سيف القذافي غيابيًا من قبل محكمة في طرابلس لأنه كان محتجزًا لدى ميليشيات الزنتان.

من بين المحاكمين الآخرين، رئيس الوزراء السابق البغدادي المحمودي، ووزير الخارجية السابق عبد العاطي العبيدي، ورئيس المخابرات السابق بوزيد دوردة، والذي أُطلق سراحه مؤخرًا لأسباب طبية.

في شهر أبريل 2014، بدأت محاكمة سبعة وثلاثين عضوًا سابقًا في نظام القذافي في طرابلس، وصدرت ضدهم أحكامًا في يوليو 2015.

حُكم على سيف القذافي وعبدالله السنوسي ورئيس الوزراء السابق البغدادي المحمودي وستة متهمين آخرين بالإعدام رميًا بالرصاص لارتكابهم جرائم حرب خلال النزاع عام 2011.

حُكم على سبعة آخرين بالسجن لمدة اثني عشر عامًا بينما تم تبرئة أربعة متهمين. وفقًا لتقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “أُدين المتهمون بالتحريض على العنف وقتل المتظاهرين خلال الثورة التي أطاحت في النهاية بالقذافي”.

يذكر أن لا يزال مكان وجود سيف القذافي غير معلن، بعد تقارير عن إطلاق سراحه في عام 2017.

في الوقت نفسه، لا تزال ليبيا تعاني من الصراع العنيف في العديد من المناطق والمدن.

لا يمكن للمساءلة الجنائية –خاصةً عندما يتم تسييسها بشكل كبير– أن تكون كافية بأي شكل من الأشكال لدعم مرحلة انتقالية مستدامة.

كما أن المساءلة الجنائية هي مجرد عامل واحد ضمن العديد من العوامل التي تساعد على إنجاح مفاوضات السلام وحل النزاعات، لكنها مع ذلك ليست مفيدة دائمًا للضحايا على المدى القريب.

كما يتضح من الملاحقات القضائية المحلية المعيبة لأعضاء نظام القذافي، فإن عمل المساءلة الجنائية في سياق مسيَّس بدرجة كبيرة مع وجود مؤسسات قضائية ضعيفة يؤدي في الأغلب إلى ترك الضحايا دون أي جبر حقيقي للضرر.

يجادل البعض بأن غرض الجهات الدولية الفاعلة من الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية كان تهميش نظام القذافي المخلوع ورسم نهايته، عبر وصفه ومساعديه كمجرمي حرب، من خلال أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

لكن مصالح الدول ليست ثابتة وهي تتطور وتتغير، ويتغير معها برامج العدالة وشروطها.

وقد أصبح هذا واضحًا بشكل خاص في حالة ليبيا، فبعد أن ضغطت بعض الجهات الفاعلة –أعضاء مجلس الأمن– من أجل تدخل المحكمة الجنائية الدولية، قامت هذه الجهات نفسها بالتخلي عن هذا الدعم.

يقدم بيزكن وبودوسنسكي نظرة عامة على “التضاؤل والتراجع” للدعم الدولي لتدخل المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا وفي بلدان أخرى.

يسلط الباحثان الضوء على العلاقة المرنة بين ممارسة الحكم والدبلوماسية والمساءلة الجنائية “في ليبيا […] أدت العقلية البرجماتية التي ضغطت باتجاه الإحالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، […] إلى التخلي عمليًا في وقت لاحق عن المحكمة الجنائية الدولية، ما أضعف المحكمة ومعها معايير العدالة الجنائية العالمية…

والحقيقة أنه في أي نزاع أو سيناريو ما بعد الصراع، فإن المساءلة الجنائية هي مجرد واحدة من العديد من أهداف السياسة المتنافسة للجهات الفاعلة الخارجية.

إن ادعاء المجتمع الدولي بأن دعمه للعدالة العالمية هو أمر غير قابل للتفاوض يجب ألا يعمينا عن واقع ممارسة الحكم.

ففي بعض الأحيان، تتقارب مصالح الفاعلين مع الدور الأصيل للمحاكم الدولية. لكن هذا التقارب يمكن أن يتحول سريعًا إلى تباعد، وقد يعود في أحيان أخرى إلى التقارب، وهذا يتوقف على مجرى الأحداث”.

مثل سقوط القذافي بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية سببًا كافيًا لتخفيف مساعيها نحو المساءلة الجنائية في المحكمة الجنائية الدولية.

يفسر بيزكن وبودوسنسكي هذا التراجع في الدعم الدولي في ليبيا بأنه نتيجة لتحقيق طموحات “تغيير النظام”، وليس لتحقيق العدالة والمساءلة الجنائية “… السياسة التي تقود الإحالة [إلى المحكمة الجنائية الدولية] جاءت في سياق تنافس بين هدف محاكمة القذافي في لاهاي من ناحية، وبين هدف إنهاء العنف بسرعة من خلال تسريع خروج القذافي من السلطة”.

في اليمن، لعبت السياسات المحلية والدولية دورًا مماثلًا في إضعاف فرص أي عملية عدالة ذات معنى.

بعد إصدار قانون الحصانة الذي يحمي الرئيس اليمني السابق صالح من المقاضاة، بدأت في سبتمبر 2012 الاحتجاجات التي دعت تحديدًا إلى إلغاء هذا القانون في اليمن.

ردًا على ذلك، أمرت الحكومة اليمنية بإجراء تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت أثناء الانتفاضة وأنشأت لجنة تحقيق لهذا الغرض.

في سبتمبر 2012، وقع الرئيس هادي –نائب الرئيس صالح سابقًا ولمدة 16 عامًا– مرسومًا يقضي بإنشاء لجنة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان أثناء انتفاضة 2011، وأناط بها أيضًا التوصية بتدابير المساءلة، بما في ذلك الملاحقات القضائية.

أمرت حكومة هادي بالتحقيق مع سبعين ضابط شرطة يُشتبه في ارتكابهم جرائم القتل التي وقعت يوم جمعة الكرامة خلال الانتفاضة.

بدأت أحد المحاكمات في 29 سبتمبر 2012 في المحكمة الابتدائية لمنطقة العاصمة الغربية في صنعاء. كانت المحاكمة مليئة بالعيوب، حيث لاحظت هيومن رايتس ووتش أن “تحقيق النيابة العامة في مذبحة جمعة الكرامة كان مشوبًا بالتدخل السياسي والفشل في متابعة الأدلة التي قد تثبت تورط مسئولين حكوميين بالإضافة لأخطاء في الحقائق”.

طوال محادثات مؤتمر الحوار الوطني في اليمن، ناقشت مجموعات العمل صياغة قانون العدالة الانتقالية.

وكان مؤتمر الحوار الوطني عبارة عن عملية حوار انتقالي مدته عشرة أشهر، حاولت مجموعات العمل المختلفة من خلاله تحقيق توافق في الآراء حول العديد من القضايا الوطنية الملحة، مثل قضية الانفصال الجنوبي، وتمرد الحوثيين في الشمال، وقضية الحكم في اليمن بعد الفترة الانتقالية.

فيما يتعلق بقانون العدالة الانتقالية، كان أحد الأسئلة الرئيسية هو ما إذا كان التعامل مع الماضي سينظر في الفترة من بداية حكم صالح في عام 1978، أم سيقتصر على الفترة من بداية انتفاضة 2011.

إلا أن اندلاع الحرب الأهلية بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وتدخل تحالف من الدول العربية عسكريًا بقيادة السعودية في مارس 2015، أوقف فعليًا عملية العدالة الانتقالية –والتي كانت محدودة على أي حال.

بعد أكثر من أربع سنوات منذ بداية الحرب الأهلية، قُتل عشرات الآلاف من اليمنيين الأبرياء، ويعاني من هم على قيد الحياة من أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

على الرغم من المحاولات المتكررة، لم يتحقق سلام ولا عدالة.

تعطي تعقيدات السياسة الانتقالية الليبية واليمنية خلفية مهمة لفهم تحديات السعي لتحقيق السلام والعدالة.

يمثل الاستقطاب الناجم عن التوترات والصراعات القبلية عاملًا يُعقّد بشكل كبير فرص التوصل إلى توافق على قرارات العدالة، لا سيما على المستوى الوطني.

فقد أدت الخلافات والاشتباكات بين الموالين لنظام القذافي والثوار المناهضين له، وكذا بين القبائل والميليشيات وبعضها البعض، إلى إضعاف فرص التوافق. يسود في ليبيا التعذيب في السجون السرية، والفساد، والاحتجاز التعسفي، والتهجير القسري، وسرقة الممتلكات وتدميرها، وانتشار المليشيات وغيرها من الجماعات المسلحة.

يتمثل التحدي الرئيسي في الحالة المزرية لانعدام الأمن وفراغ السلطة، والتي سمحت للميليشيات وغيرها من الجماعات المسلحة بالسيطرة.

وبالتالي، إضعاف قدرة الدولة على توزيع الموارد، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من الظلم الاجتماعي على نطاق سيستغرق جبره سنوات.

علاوةً على ذلك، فإن التغير في التحالفات في أعقاب الانتفاضات العربية في عام 2011 يعني أن الجهات الإقليمية والدولية الفاعلة لعبت دورًا هامًا في السياسة الداخلية في ليبيا.

وهو ما يقف كعقبة في طريق السلام والعدالة، كما تدل على ذلك مشاورات المسار التشاوري للملتقى الوطني .

وبسبب الخلافات حول القيادة الدبلوماسية في الجهود المبذولة للتوسط في النزاع في ليبيا، استضافت كل من إيطاليا وفرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة سلسلة من محادثات السلام.

كل واحد من هذه الجهات الفاعلة لديه مصالح متباينة ويقدم دعمه المالي والعسكري والسياسي لمختلف الجهات السياسية الليبية الفاعلة.

ليس من المثير للدهشة إذا أن يؤدي هذا الوضع إلى تدهور المشهد السياسي المتشرذم بالفعل في ليبيا، ولكنه زاد أيضًا من تعقيد فرص السلام والعدالة، وبالتأكيد زاد من صعوبة تحققهما معًا.

منذ عام 2014، اندلعت حرب بين الموالين والمعارضين للجنرال خليفة حفتر، قائد قوات الكرامة الذي قاد الحملات العسكرية ضد الإسلاميين في شرق ليبيا، وهو غالبًا ما يستخدم خطاب “مكافحة الإرهاب” لتبرير حملاته العسكرية.

على الصعيد المحلي، شهدت ليبيا تشكيل حكومتين متعارضتين: الأولى تدعم حملة حفتر العسكرية المسماة عملية الكرامة، والأخرى تدعم حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة، ومقرها في العاصمة طرابلس.

على الصعيد الدولي، وفرت كل من الإمارات ومصر والسعودية وروسيا وفرنسا دعما عسكريًا وماليًا لحفتر، في حين تتلقى حكومة الوفاق الوطني دعمًا من مجلس الأمن الدولي وجهات دولية فاعلة أخرى، من ضمنها قطر وتركيا.

تنتشر الانقسامات بين الميليشيات والقبائل والمدن، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة، مثل النزوح القسري لسكان تاورغاء وسكان بنغازي.

إذًا، فإن المشهد السياسي في ليبيا متشرذم على مستويات مختلفة، محلية ودولية ودبلوماسية.

تُضعف استراتيجيات العدالة المختلفة والمتعارضة في ليبيا واليمن من ادعاء المجتمع الدولي بأن هناك معاييرًا عالمية للمسائلة.

كما أن لهذه الاستراتيجيات المتضاربة تداعيات مهمة على كيفية تفاعل قضايا العدالة والمصالحة والسلام على المستوى المحلي.

وقد تم تحديد هذه التأثيرات بالفعل في التقرير النهائي للمشاورات الخاصة بالمسار التشاوري للملتقى الوطني .

***

نهى أبو الدهب هي زميلة في مركز بروكنجز الدوحة وبرنامج السياسية الخارجية بمعهد بروكنجز ومتخصّصة حائزة على جائزة في مجال العدالة الانتقالية في المنطقة العربية.

____________________