Minbar Libya

بقلم جازية جبريل & مروان الطشاني

تحتاج ظاهرة زواج القاصرات لدراسات اجتماعية وميدانية حتى يمكن تقييم آثارها وتبعاتها بشكل علمي دقيق. كما أنها تحتاج إلى إحصائيات دقيقة من كل المحاكم حتى يمكن تحليل هذه الأرقام وبناء النتائج عليها.

الجزء الأول

 دخل الأب وبرفقته طفلته ذات الثلاثة عشر ربيعا أو ربما أكثر قليلا إلى مقر المحكمة الجزئية القريبة من منزله.

اتّجه إلى مكتب قاضي الأمور الوقتية والولائية، طالبا منه منحه أذن زواج لابنته القاصر باعتباره وليها وقدم طلبه مدعوما بشهادة ميلادها.

وبمجرد إطلاع القاضي على الطلب، تفاجأ بعمرها وسأل الطفلة مستغربا: هل ترغبين بالزواج؟ فأومأت برأسها إيجابا.

وزيادة في الحرص، طلب القاضي من والد الطفلة مغادرة المكتب. ثم أعاد سؤالها منفردة، فأجابت بارتباك ظاهر نفس الإجابة دون أن ترفع رأسها.

فنظر القاضي إليها وهو يرى طفلة أمام ناظريه غير مؤهلة للزواج وقد تكون خائفة من والدها لكنه مقيد بنص القانون الذي يعطي الولي صلاحية طلب الإذن، فاضطرّ القاضي مرغما على توقيع منح الإذن وقلبه يعتصر ألما.

هذا المشهد ليس جزءا من رواية أدبية ولا مشهدا من مسرحية تراجيدية، بل هو مشهد من خيال الكاتبين لكنه مستنبط من واقع يتكرر بشكل شبه دائم في أغلب المحاكم الجزئية بليبيا.

فبمجرد التردد على أي محكمة جزئية أو الاطلاع على سجلات الأوامر الولائية، تتضح هذه الاشكالية جلية للناظرين.

فزواج القاصرات إن اعتبرناه ظاهرة اجتماعية، فهي لم تحظَ باهتمام حكومي أو مجتمعي أو اعلامي، ولأنها ظاهرة سلبية يجب أن توصم بالمشكلة حتى وإن قننت.

بل لا نجانب الصواب إذا قلنا أنها تولد إشكاليات عدة على الأصعدة الاجتماعي والثقافي والنفسي والصحي والاقتصادي. ونحن نحاول في هذه المقالة تحليل الجانب التشريعي لهذه الظاهرة وانعكاساتها المتعددة.

شيوع زواج القاصرات في ليبيا

لا يمكن الحصول على إحصائية رسمية شاملة لحالات زواج القاصرات أو الزواج المبكر في ليبيا، نظرا لصعوبة تجميع الأرقام والإحصائيات لكثرة عدد المحاكم ولعدم وجود توثيق رقمي لها. فمثلا مصلحة الإحصاء والتعدادأعلنت عن عدم توفر أي أرقام موثًقة لديها بسبب حالة الفوضى والانقسام السياسي في البلاد.

لكن الملاحظ أن زواج القاصرات في تزايد مستمر خلال السنوات الماضية. ففي تقرير صحفي، أعلنت صحيفة العربي الجديد أنها تحصلت من مصدر قضائي في مجمّع محاكم طرابلس، بأنّ 186 زواجاً لقصّر سجّلها مجمّع المحاكم ما بين عام 2011 وعام 2017 في طرابلس لوحدها، من بينها 36 زواجاً بين طفلَين لا تتعدى سنّ الزوج فيها 16 عاماً والزوجة 14 عاماً.

وفي تعليق له على التقرير، ذكر لسيد المهدي العجيلي وهو مأذون شرعي في محكمة شمال طرابلس بأن هذا الرقم في طرابلس وحدها مؤكدا على انتشار هذه الظاهرة في مناطق البادية والأرياف وهي محمية بالعرف والقبيلة“.

ويشير العجيلي إلى أن ثمة حالات تم إثباتها في الجنوب، منها على سبيل المثال جمع رجل واحد في الخمسين من عمره بين ثلاث قاصرات إلى جانب زوجته الأولى التي تماثل في سنّها سنّ أمهات ضرائرها الثلاث“.

يضيف أنّ ثمّة تحايلاً قانونياً كبيراً في مناطق ريفية وبدوية لتسجيل هذه الزيجات، من خلال دعاوى لتعديل السنّ وأخرى توثّق الزواج بتاريخ مزوّر. ويجد هذا التحايل من يغطيه ويمرره“.

ويؤكد العجيلي أنّه من أبرز القضايا التي استوجبت التسوية، الخلافات القانونية الشرعية حول سنّ الزواج. فالقاضي، ليس أمامه إلا التصديق على زواج فتاة قاصرة، ما دام وليّ أمرها هو من يزوّجها“.

وفي السياق ذاته وعلى هامش ندوة نظمتها كلية القانون بصرمان وجامعة صبراتة حول زواج القاصرات بين المسموح والممنوع تحت عنوان اغتصاب الطفولةفي أغسطس 2018، صرحت رئيسة قسم القانون الخاص بكلية القانون بصرمان، د. ناجية العطراق من مخاطر تفاقم زواج القاصرات وما يفرزه من نتائج سلبية متزايدة، أهمها وجود أمهات أميات لا يمكن الاعتماد عليهن في ولادة جيل مثقف وطموح.

فزواج القاصرة يعني توقفها عن الدراسة وتحديد سقف طموحاتها العلمية حسب قولها. وأضافت العطراق في تصريح لها: “حالات زواج القاصرات في ارتفاع مخيف سواء في عدده أو أضراره على هؤلاء الزوجات وذلك من خلال إحصائيات الدائرة الشرعية بمجمع المحاكم بطرابلس ومؤكدة حدوث حالات وفيات بينهن نتيجة الحمل والولادة مع زيادة حالات الإجهاض.

وفي مدينة بنغازي مثلا وخلال الخمس سنوات الأخيرة من 2013 إلى 2018، وفي نطاق مكاني محدد بمحكمة البركة الجزئية ومحكمة الفويهات الجزئية بمحكمة جنوب بنغازي الابتدائية، لاحظنا أن عدد الأذونات مرتفع في 2013 وهو العدد الذي تضاءل خلال 2015 ربما نتيجة لتوقف العمل القضائي بسبب الحرب، وبعد ذلك زادت تدريجياً لتصل إلى نسبة عالية في عام 2018.

 وإذ تبيّن هذه الإحصائية بوضوح زيادة هذه الظاهرة بشكل لافت، لكننا في ذات الوقت يجب أن نميز أنواع الإذن التي يمنحها القاضي.

فمثلا بسبب الانقسام السياسي، ما زال قانون الأحوال الشخصية رقم 10 لسنة 1984 هو الساري في شرق البلاد والذي حدد سن الزواج بعشرين عاما.

وبالتالي منح الأذن لمن دون العشرين في سن 19 أو 18 لا يثير مشكلة خاصة لتوافقه مع المعايير الدولية.

أما في غرب البلاد، فقد عدلت هذه الأحكام بالقانون الجديد رقم 14 لسنة 2015 الصادر في أكتوبر 2015 بسن الثامنة عشرة.

وتتمثل الخطورة سواء في شرق البلاد أو غربها في منح الإذن لمن هن دون 18سنة. أما في جنوب البلاد، فلم تتوافر لنا إحصائيات وبيانات.

ولكننا لا نتوقع أن الحال أفضل نظراً لطبيعة العلاقات الاجتماعية والقبلية ولتأثير العرف والعادات والتقاليد التي لا تستهجن هذه الظاهرة.

تعريف الإذن القضائي

منح المشرع الليبي قاضي الأمور المستعجلة بدائرة الأحوال الشخصية بالمحاكم الجزئية سلطة منح الأذن بالزواج لقاصر في حالة كانت المقبلة على الزواج أقل من السن القانونية وهذا الأذن يصدر في صيغة أمر ولائي على عريضة.

وهو إجراء شكلي لكنه مهم جدا وهو من متطلبات إبرام عقد زواج القاصر.

ويتخذه القاضي بشكل منفرد بما يتمتع به من صلاحيات حماية لمصالح القاصر، بمعنى أنها صلاحية منحها المشرع للقاضي للتأكد من توافر شرطي المصلحة والضرورة بما يعني أن للقاضي دورا أساسيا في تقدير منح الإذن من عدمه بل أن منح الإذن هو الاستثناء على القاعدة.

إلا أنه من ناحية عملية، لا يتم التحقق من توافر شرطي المصلحة والضرورة ويستسهل القضاة استصدار الإذن.

ومن ناحية أخرى، هناك من يرى أن المسؤولية الأولى والأخيرة ملقاة على عاتق القاضي لأنه يملك رفض منح الإذن إذا لم تتوفر مبرراته وشروطه الواردة في نص القانون وهي شرطا المصلحة والضرورة.

وفي هذا السياق، يرى د. حسين سحيب على صفحته على الفايسبوك، أن المشرع خص القاضي بمنح الإذن من عدمه بمنحه سلطة مطلقة لبحث أمر الزواج من كافة جوانبه وبأي طريقة بحث يراها طبية أو اجتماعية ومن ثم يقرر منح الإذن من عدمه.

وأضاف د. سحيب” “ما دام من يملك رفض الإذن ومنحه هو القاضي فقط ولا يتم الزواج إلا به فهو المسؤول الأول والأخير عنه. الولي لا يكون مسؤولا إلا إذا زوجها دون استصدار إذن من المحكمة.

ما هي الواجبات الملقاة على عاتق الزوجة بمقتضى عقد الزواج وتحتاج إلى رضائية وأهلية في محل العقد؟

تجيبنا المادة الثامنة عشرة من قانون رقم 10 لسنة 1984 بأنها ملزمة إضافة لواجب تمكين الزوج من ممارسة حق المعاشرة الزوجية، بالاهتمام براحة الزوج واستقراره حسياً ومعنوياً، والإشراف على بيت الزوجية وتنظيم شؤونه والمحافظة عليه، وحضانة أولادها منه والمحافظة عليهم وإرضاعهم وأخيراً يقع عليها الالتزام بعدم إلحاق ضرر مادي أو معنوي بالزوج، فهل يعقل أن تستطيع طفلة القيام بهذه المسؤوليات الجسيمة؟ لا نجانب الصواب إذا قلنا بمخالفة ذلك لاتفاقية السيداو.

البقية في الجزء التالي

***

جازية جبريل محمد ـ استاذ القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي، وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية، نائب رئيس مركز دراسات القانون والمجتمع

مروان الطشاني ـ باحث في القانون ، متخصص في مجال حقوق الانسان والعدالة الانتقالية والإصلاح القضائي. شارك بعدة أبحاث ودراسات مع جامعة لايدن بهولندا وجامعة بنغازي وجامعة سوسة بتونس ومركز دراسات القانون والمجتمع ببنغازي ومركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

___________