Minbar Libya

بقلم جازية جبريل & مروان الطشاني

تحتاج ظاهرة زواج القاصرات لدراسات اجتماعية وميدانية حتى يمكن تقييم آثارها وتبعاتها بشكل علمي دقيق. كما أنها تحتاج إلى إحصائيات دقيقة من كل المحاكم حتى يمكن تحليل هذه الأرقام وبناء النتائج عليها.

الجزء الثاني

ماهية القاصر بحكم القانون الليبي؟

الأهلية هي صفة في الشخص تجعله صالحا لأن يكون مخاطبا بأحكام الشرع أو القانون، وتنقسم إلى أهلية وجوب، وهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات، وأهلية أداء وهي صلاحية الشخص للتعبير عن إرادته تعبيراً تترتب عليه آثار قانونية.

وهذه الأخيرة لا تثبت إلا لمن يكون قادرا على التمييز والتصرف في شؤون نفسه من وجهة نظر قانونية، وهي تتدرج مع تدرج التمييز في الإنسان حسب السن، والأصل في الشخص كمال أهليته ما لم تسلب أو يحدّ منها بحكم القانون.

وهي سن الثامنة عشر وفقا لقانون شؤون القاصرين الليبي رقم 17 لسنة 1992.

 والأهلية طبقاً لقانون الأحوال الشخصية الليبي تكتمل بالعقل وبلوغ سن الرشد التي حددها القانون رقم 10 لسنة 1984، بعشرين سنة.

أما قبلها فلا يستطيع الشخص أن يباشر عقد الزواج بنفسه إلا بإذن من المحكمة تصدره لمصلحة تراها أو ضرورة تقدرها وذلك بعد موافقة الولي.

وقد أدخل القانون رقم 14 لسنة 2015 تعديلات على هذه الأحكام أهمها تخفيض سن الأهلية للزواج إلى 18 سنة.

يطرح توقيت هذا التعديل التشريعي الصادر عن المؤتمر الوطني العام في خضمّ النزاع على ولايته، أكثر من علامة استفهام، حول الحكمة من إقراره والغاية من تعديله.

ويمكن التعقيب على هذا التعديل بالقول أن سن العشرين المنصوص عليها في قانون 1984، هي أهلية خاصة أكبر من الأهلية العامة 18 المنصوص عليها في قانون شؤون القاصرين وفي القانون الجنائي وقوانين الانتخابات.

وإن كان من الممكن قبول هذا التعديل على أساس أن المشرع يساوي أهلية الزواج بأهلية العقود والمسؤولية الجنائية والأهلية الانتخابية.

إلا أن ما يعيب التعديل الجديد أنه أبقى على إجازة زواج القاصر بعد الاستحصال على إذن القاضي (وهو الإذن الذي يتجه لأن يصبح شكليا كما تقدم).

وكان من الواجب تشريعا أن يكون الإذن مسببا وبعد دراسة حالة كي يتم ضبط السلطة التقديرية للقاضي، كأن يلزم الولي بعرض ابنته القاصر على أخصائي اجتماعي لإعداد تقرير عن حالتها وما إذا كانت قادرة على تحمل مسؤولية الزواج من عدمه.

ومن المهم أيضا إضافة أن يتم تعديل التشريع بشكل يوفر آلية محدد وبشروط موضوعية ومعايير واضحة لمنح إذن الزواج لقاصر: فعبارة المصلحة والضرورة غير كافية.

إنما يجب بداية فرض جزاء مخالفة جسيم غرامة مالية كبيرةعلى ولي الأمر الذي يقوم بتزويج ابنته بدون مراعاة لهذه الشروط، أو يقوم بتزوير البيانات أو إدلاء معلومات كاذبة عن سنها أمام القاضي.

ويضاف إلى الشروط ضرورة موافقة الفتاة القاصر وأمها لنضمن عدم إكراه الولي الرجل الاب أو زوج الأم أو الأخ.

كما يجب أن ينص التشريع على خبرة طبية إلزامية للبث في قدرة الفتاة الجسدية والعقلية والنفسية للإقدام على مثل تلك الخطوة المفصلية في حياتها، إضافة إلى الخبرة الاجتماعية، وذلك في محاولة للتأكد من عدم وقوع آثار سلبية لمثل هذا الزواج مثل: وقف تحصيل دراسي، الإيذاء الجسدي والنفسي، الإيذاء والوفاة جراء الحمل والولادة.

كما يجب أن تكون الأسباب موضوعية وملحة وأن يصدر الإذن من هيئة استئنافية وليس من قاض فرد، ما يعني أن المحكمة بهيئة استئنافية هي من تأذن وليس القاضي الجزئي، خاصة إذا علمنا أن التطبيق العملي يخول أحد القضاة المتحصلين على الدرجة الأولى ولا يشترط أن يكون رئيس الدائرة.

ويجب أن يكون واضحا حظر الإذن بزواج من هي دون السادسة عشر وذلك تماشيا مع نص قانون حماية الطفولة الليبي رقم 5 لسنة 1995 الذي يؤكد في مادته الأولى على أن المقصود بالطفل هو من الصغير الذي لم يبلغ السادسة عشر.

الآثار الطبية والنفسية والاجتماعية المترتبة على زواج القاصرات

لاتقتصر الآثار والتبعات لزواج القاصرات على المشاكل القانونية فقط، بل لها آثار طبية ونفسية واجتماعية تنعكس عليهن وتسبب لهن مشاكل متعددة.

فإذا تحدثنا عن المشاكل الطبية المرتبطة بالحمل والولادة، نجد أن من أبرز المخاطر التي تواجه الفتيات القاصرات الإجهاض المتكرر وولادة الخدج وزيادة الولادة القيصرية.

بل أن الطب يربط بين حالات الوفاة للأم الطفلةوحالات الحمل المبكر والولادة نظراً لعدم النضوج الفسيولوجي والفكري لتلك الأنثى.

فى مصر، أثبتت دراسة أعدت في مايو 2017، نظرة متعمقة على خصائص الزوجات القاصرات في مصر، عددا من النتائج السلبية على صحة الفتيات وحقوقهن الاجتماعية والإنسانية نتيجة الزواج المبكر، أهمها أن الطفلات المتزوجات قبل سن 18 عاما هنّ أقل تعليماً وأشد فقراً، وكنّ أكثر عرضة للزواج من رجال أكبر منهن بكثير (بحوالى 24 عاماً فى المتوسط)، وتاليا أقل تواصلاً مع أزواجهن، وأقل سعادة فى حياتهن الزوجية والجنسية، بسبب عدم قدرتهن على إدراك ومناقشة أمورهن الشخصية والأسرية.

فضلا عن أنهم يصبحن أكثر تأييداً للعنف الأسري، نتيجة قلة الوعي أو عدم اكتماله، نتيجة سلبهن حقوقهن الإنسانية، ويكن أقل مشاركة بشكل ملحوظ فى سوق العمل والحياة السياسية.

خاتمة

تحتاج ظاهرة زواج القاصرات لدراسات اجتماعية وميدانية حتى يمكن تقييم آثارها وتبعاتها بشكل علمي دقيق.

كما أنها تحتاج إلى إحصائيات دقيقة من كل المحاكم حتى يمكن تحليل هذه الأرقام وبناء النتائج عليها. وإجمالا، زواج القاصرات في ليبيا ليس مشكلة تشريعية فقط، بل يعدّ المجتمع جزءاً رئيسياً منها بتجاهله لها أحيانا او بإيجاد مبررات لها أحيانا أخرى.

وعليه، فإن التعامل معها ليس بالأمر اليسير فهي تحتاج بداية لمعالجة تشريعية دقيقة تتبعها مواجهة اجتماعية يتم الاستعانة فيها بالمجتمع المدني والإعلام وذلك للقيام بحملات توعية وتثقيف مكثفة، تبين الظاهرة وأسبابها وخطورتها على الأطفال والمجتمع.

كما أن مثل هذه الحملات يجب أن تركز على دور المجتمع الرئيسي في رفض مثل هذه الممارسات واستهجانها، حيث أن استمرار الصمت والتجاهل بحجة التقاليد والعرف قد يؤدي لاستفحال الظاهرة بشكل قد نعجز فيه على مواجهتها وعلاج آثارها.

***

جازية جبريل محمد ـ استاذ القانون الجنائي بكلية القانون جامعة بنغازي، وكيل كلية الحقوق للشؤون العلمية، نائب رئيس مركز دراسات القانون والمجتمع

مروان الطشاني ـ باحث في القانون ، متخصص في مجال حقوق الانسان والعدالة الانتقالية والإصلاح القضائي. شارك بعدة أبحاث ودراسات مع جامعة لايدن بهولندا وجامعة بنغازي وجامعة سوسة بتونس ومركز دراسات القانون والمجتمع ببنغازي ومركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

______________