Minbar Libya

بقلم رشيد خشانة

بعد إخراج القوات الموالية للقائد العسكري للمنطقة الشرقية اللواء خليفة حفتر (75 عاما) من مدينة غريان الاستراتيجية، بات الحل العسكري للأزمة الليبية في خبر كان.

واستثمرت بعض الأطراف الدولية والمحلية هذا الوضع، وخاصة الموفد الأممي غسان سلامة، للدعوة مجددا للعودة إلى مائدة التفاوض.

غير أن إصرار حفتر على التعاطي باستعلاء مع الحلول السياسية، أسوة بموقفه من ندوة باليرمو في الخريف الماضي، وإفشاله ملتقى غدامس الشامل، الذي كان مقررا أواسط أبريل الماضي، دلَّلا على أنه لا يقرأ المُتغيرات في المشهد الليبي، ولا يُقدّر مدى انعكاساتها على خططه الرامية للسيطرة على العاصمة طرابلس.

ظهر هذا الموقف جليا في رفضه المبادرة السياسية التي عرضها عليه غسان سلامة، خلال لقائهما في قاعدة الرجمة يوم 24 يونيو الماضي، مع أنها كانت تؤمّن له مخرجا مشرّفا من ورطة الحملة العسكرية على طرابلس.

وفي ذلك اللقاء كرر حفتر أن حملته المسمّاة “طوفان الكرامة” هي “الأقرب لحل الأزمة الليبية من أية مبادرة سياسية أخرى”.

والآن؟

فبعد ثلاثة شهور من الصراع بقوى شبه متعادلة عسكريا، حول طرابلس، أحرزت قوات حكومة “الوفاق” تقدما ميدانيا حاسما باستعادتها مدينة غريان ذات الموقع الاستراتيجي الاستثنائي، والتي كانت قوات حفتر تتخذ منها مقرا لقيادة عملية “طوفان الكرامة”.

بهذا المعنى يمكن اعتبار تلك العملية منتهية بالمعايير العسكرية، والدليل على ذلك حجم التهديد والوعيد الذي أطلقه حفتر، بالانتقام و”تلقين الميليشيات درسا قاسيا” من دون أن يستطيع تحريك آلية واحدة في اتجاه غريان.

عودة إلى المربع السابق

أكثر من ذلك، تبدو معركة استعادة ترهونة، المعقل الثاني لحفتر في المنطقة الغربية، ضرورة عسكرية لاستكمال غلق قوس “طوفان الكرامة” والعودة إلى مربع 4 أبريل الماضي، أي مُربع ملتقى غدامس، الذي كان مقررا أن يُعقد بين 14 و16 أبريل، والذي سارع حفتر إلى إفشاله قبل أن يُبصر النور، بإطلاق حملته العسكرية، قبل ميقات الملتقى بعشرة أيام.

لكن الإفشال كان جزئيا، فالشخصيات المشاركة في الملتقى، التي كان مُتوقعا أن يُراوح عددها بين 120 و150 مشاركا، ستكون أكثر حرصا اليوم على السير في طريق الحل السلمي مما كانت بالأمس.

والاجتماعات التمهيدية التي شملت 57 مدينة ليبية، ستبقى لبنة لإرساء الحل على قاعدة الوفاق والقبول بالتعايش مع الآخر.

مع ذلك يُرجّح أن تضرب قوات الوفاق طوقا حول ترهونة، التي ترتدي أهمية كبيرة سياسيا واجتماعيا، إذ لديها امتدادات نحو غالبية المدن الليبية، ناهيك أن نحو 30 في المئة من سكان طرابلس ينحدرون منها. وكان القذافي يعتمد عليها في تكوين كتائبه، إلا أن الكتائب المُنتمية إلى ترهونة لم تشارك في أعمال القمع إبان انتفاضة 17 فبراير 2011.

جسرٌ اجتماعيٌ

وتُعتبر المدينة اليوم، مركزا لعدد من معسكرات القوات المتحالفة مع الحكومة المعترف بها دوليا، والتي كانت هدفاً لضربات جوية على مدى أسابيع.

وتسيطر على المدينة حاليا الكانيات (أسرة محسن كاني) الآتون من المنطقة الشرقية، وهم على خلاف مع مُكون اجتماعي آخر يتمثل في أسرة النجيعي. ويتحالف آل النجيعي مع حكومة “الوفاق” لضرب غرمائهم، وبالتالي فهم يمنحون “الوفاق” جسرا اجتماعيا إلى ترهونة.

ويتوقع خبراء عسكريون أن تكون معركة ترهونة، إذا ما اندلعت، طويلة ومُكلفة، إذ أن خطوط التموين هناك أيسر لقوات حفتر، مما كانت عليه في غريان، بحكم طبيعة التضاريس.

لكن الواضح أن قواته ستكون منهكة في أعقاب ثلاثة شهور من القتال في التخوم الجنوبية لطرابلس.

وعلى خلاف الهجوم على العاصمة الذي سكتت عنه القوى العظمى، أملا بأن يقضي حفتر على الجماعات المسلحة، نلحظ أن تلك العواصم تحرّجت من الغارة الليلية على مركز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين في تاجوراء، ودانها البعضُ بشكل صريح، بالرغم من اعتراض الولايات المتحدة على إصدار بيان إدانة من مجلس الأمن.

وتُعد تلك الغارة الاستهداف الثاني الذي يتعرض له مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين التابع لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني.

والأكيد أن تلك الغارة ضعضعت الهالة التي صنعها اللواء المتقاعد، على مدى خمس سنوات، بوصفه الوحيد القادر على هزم الشبكات الإرهابية، إذ أظهرت محدودية كفاءة قواته، بالرغم من الأسلحة المتطورة التي حصلت عليها من الإمارات وفرنسا.

وفي رأي خبراء عسكريين، كانت قوات حفتر تستهدف بالغارة الجوية، معسكر الضمان في تاجوراء، القريب من مركز اعتقال اللاجئين غير الشرعيين، وهو يحتوي على أسلحة وذخائر، إلا أنها وقعت في مقلب بعد استدراجها إلى هدف مدني.

من هنا فإن الغارة، التي كان يُراد من ورائها الانتقام من هزيمة غريان، تحولت إلى عبء سياسي وأخلاقي يعسر التخلص منه.

حوارٌ مع العقلاء؟

عندما يلتقي الإخفاق العسكري مع انحسار الشعبية في الداخل والخارج، تنتهي نجومية القائد العسكري، فيما يبدأ أنصارُهُ البحث عن زعامة بديلة.

في هذا السياق، ليس مُستبعدا أن يتم فتح حوار مع عقلاء ترهونة لتجنيب المدينة ويلات الحرب التي ضربت غريان وخلة الفرجان ووادي الربيع وبلدات أخرى جنوب طرابلس.

ومن العناصر التي تعزّز هذا الاحتمال عزوف كثير من البرقاويين (سكان المنطقة الشرقية) عن التجاوب مع محاولات التجنيد في صفوف جيش حفتر.

وهذه ميزة ينبغي استثمارها في إطار رؤية تستهدف تشكيل جيش محترف وغير منخرط في الصراعات السياسية والمناطقية.

وظهرت في السنوات الأخيرة محاولات عدة للوصول إلى هذا الهدف، من ضمنها لجنة التواصل العسكري التي قامت بالاتصال بعدد كبير من الضباط الذين عملوا في الجيش على أيام القذافي.

وتألفت اللجنة من لجنتين فرعيتين:

ـ الأولى لكتابة مشروع بناء جيش جديد.

ـ والثانية للتواصل مع القيادات العسكرية في الداخل والخارج.

وتكفل العميد سالم جحا بلجنة الحوار مع العسكريين خارج ليبيا، فيما ترأس لجنة الاتصال بالعسكريين في الداخل كل من بشير صفصاف واللواء جبو.

وكان هذا الموضوع أحد المحاور الأساسية في مرحلة الإعداد لملتقى غدامس قبل إجهاضه، وعُهد به إلى رئيس الأركان العامة محمد الشريف (مؤيد لحكومة الوفاق) على أساس أن يكون أحد مكونات المشروع الوطني الشامل.

لا إفلات من العقاب

ومن الواضح اليوم أن تداعيات الغارة على ترهونة عمّقت عزلة حفتر دوليا من خلال استهجان العملية التي صنّفها موفد الأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، في خانة جرائم الحرب.

وبعدما كان اللواء المتقاعد حفتر يستخدم شعار معاودة بناء الجيش لاستقطاب الضباط السابقين، فإن إصرار أنتونيو غوتيريش على إجراء تحقيق مستقل لتحديد ملابسات الغارة “من أجل ضمان تقديم المتورطين فيها إلى العدالة” كما قال، سيكون حلقة مهمة في إضعاف الموقف الدولي لحفتر.

وأكد غوتيريش أن الأمم المتحدة كانت قدمت الإحداثيات الدقيقة لمركز الإيواء إلى المتحاربين، ما يعني أن التعاطي مع من ستثبت مسؤوليته عن الاعتداء سيكون حازما.

وجددت الأمم المتحدة، في الوقت نفسه، التزامها برصد كافة الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدوليين، و”رفع التقارير إلى الجهات المعنية في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لملاحقة الجناة” علما أنها باشرت في إرسال لجان للتحقيق المباشر على الأرض إلى مختلف الأماكن التي قد تكون تعرضت لانتهاكات.

وفي خط مواز سيكون لقرار الولايات المتحدة فتح تحقيق في شأن وصول أسلحة أمريكية إلى قوات “الجيش الوطني” الذي يقوده حفتر، عبر الإمارات، تداعيات لا تقل أهمية عن مواقف الدول التي تعاملت معه حتى الآن بوصفه القائد العسكري للمنطقة الشرقية، وأحد الفرقاء الأساسيين في الأزمة الليبية.

وكانت حكومة الوفاق أعلنت، عقب استعادة السيطرة على مدينة غريان أنها عثرت على أسلحة أمريكية قالت إن قوات حفتر تركتها قبل انسحابها من المدينة.

ميلٌ عامٌ إلى السلم

لا يمكن التكهن من الآن بانعكاسات عملية ترهونة في تعميق عزلة حفتر، بشكل دقيق، غير أن متابعة الخط البياني لمواقفه المتشددة في مؤتمري باريس الأول والثاني ومؤتمر باليرمو، تُظهر دوره في إرباك المسار السياسي وتعطيل التقدم نحو وفاق ليبي – ليبي يضع خريطة طريق جديدة لإنهاء الأزمة.

وبعد الويلات التي عرفها الليبيون في جنوب طرابلس وغريان وتاجوراء وترهونة ومدن أخرى، يمكن القول إن الميل العام بات لا يطلب سوى السلام وإنهاء الحروب، وهو نزوع عام ينطبق على أهالي المنطقة الغربية، كما على المنطقة الشرقية، الواقعة في قبضة جيش حفتر منذ خمس سنوات.

وكذلك على الجنوب حيث الدولة غائبة، ولا يملك المواطنون أية حماية من ظلم الجماعات المسلحة ومن تعديات قوات حفتر عليهم.

غير أن هذا النزوع العام إلى السلم لن يكون له صدى في الواقع، ما لم ترفع الدول المتورطة في النزاع الليبي أيديها عن الملف، وتُوقف تسليح الأطراف المتقاتلة، وهو أمرٌ لن يتحقق إلا عندما يكفُّ الزعماء الليبيون عن الاستنجاد بالأجنبي ويضعون، معا، رؤية واقعية لإخراج بلادهم من أزمتها، بالاعتماد على الثوابت المشتركة، وفي مقدمتها مدنية الدولة وتوحيد المؤسسات السيادية وإجراء انتخابات عامة على قاعدة دستورية سليمة.

***

رشيد خشانة ـ إعلاميتونسيوالمديرالعاملوكالة تونس افريقياللأنباء.

_______________

القدس العربي