Minbar Libya

بقلم محمود ارفيدة

تعيش الأسرة الليبية في طرابلس ضغوطا بسبب تفاقم أزمات انقطاع الكهرباء والمياه واستمرار الحرب على تخوم العاصمة، التي أثرت بشكل مباشر على الليبيين.

وعادت أزمة انقطاع الكهرباء لساعات يوميا في مختلف المدن الليبية مع دخول فصل الصيف، حيث زحف المواطنون في طرابلس إلى البحر هربا من موجات الحر الشديدة وانقطاع التيار الكهربائي.

واعتذرت الشركة العامة للكهرباء في ليبيا للمواطنين بسبب طرح الأحمال (القطع) لساعات طويلة، مهيبة بالمستهلكين بضرورة التقليل من استهلاك الطاقة الكهربائية.

وأرجعت الشركة في إيجاز مقتضب عبر موقعها على فيسبوك زيادة طرح الأحمال إلى درجات الحرارة لما يزيد على 43 درجة مئوية، وزيادة الطلب على الطاقة، ووجود مشاكل فنية في بعض محطات التوليد، بينها محطة الزاوية المزدوجة.

وأصبح العثور على المياه النقية أمرا صعبا بعد الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة، حيث أصيبت العديد من شبكات نقل وتوليد الكهرباء وأنظمة التحكم في المصانع التي تضررت بفعل الاشتباكات المسلحة، مما تسبب في نقص إمدادات المياه عن طرابلس وارتفاع سعرها.

طرابلس والترفيه المؤقت

ويحاول عادل محيي الدين الهروب من بيته شديد الحرارة المظلم في طرابلس بالذهاب إلى البحر مع أطفاله الخمسة، حاملا معه الطعام والمرطبات والمثلجات.

وقال عادل للجزيرة نت اجتمع علينا في طرابلس انقطاع الكهرباء والمياه والحرب التي تدور رحاها قريبا منا في جنوب العاصمة، حيث أثرت بشكل واضح على حياتنا منذ هجوم حفتر على طرابلس“.

ويقود اللواء المتقاعد خليفة حفتر حربا على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليافي العاصمة طرابلس منذ الرابع من أبريل/نيسان الماضي.

وأكد عادل أن انقطاع التيار الكهربائي وصل إلى 12 ساعة يوميا في منطقة السراج بطرابلس، وينقص ويزيد حسب ارتفاع درجات الحرارة والمشاكل في الشبكة الكهربائية.

وأوضح محيي الدين أن أبناءه تضرروا بسبب استمرار الحرب على العاصمة وانقطاع الكهرباء قائلا أهرب إلى البحر مع أطفالي لممارسة الرياضة والاستمتاع بشاطئ البحر أو الانتقال إلى الحدائق التي عادة ما نجدها ممتلئة بالمواطنين، مثل حديقة سوق الثلاثاء في طرابلس، التي تمثل نوعا من الترفيه المؤقت“.

واعتبر محيي الدين السبب الرئيسي لزيادة ساعات طرح الأحمال في منطقته (السراج) إلى وجود أكثر من مئتي محل حدادة وورش تصنيع تنتشر بطرق عشوائية، وتسحب الكهرباء، وتؤثر سلبا على الشبكة الكهربائية.

الإفطار على البحر

ويهدف محمد الدرويش من ذهابه إلى البحر إلى لقاء أصدقائه من أجل ممارسة رياضة السباحة والابتعاد عن ضغوط الحرب وانقطاع الكهرباء عن منطقته.

وقال الدرويش للجزيرة نت نحن نعلم كشباب أننا لا نستطيع الهروب من واقعنا في ليبيا، حيث الحديث عن تطورات الحرب والكهرباء والسيولة التي تشغل جميع الليبيين، ولذا أذهب أنا وأصدقائي للبحر من أجل نسيان مؤقت لما يجري في ليبيا من أحداث مؤلمة“.

وتنتشر هذه الأيام بين الشباب والفتيات الليبيين عادة الإفطار منذ ساعات الصباح الأولى على شاطئ البحر، حيث يتجمع الشباب على هيئة مجموعات لقضاء أوقاف ممتعة على الشط قبل طلوع الشمس المحرقة.

ويردف الدرويش في الحقيقة العائلات الليبية تعاني هذه الأيام بسبب انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، حيث إن الثلاجات في البيوت لم تعد تعمل بشكل جيد، ولا نستطيع شراء اللحم وغيره من المواد التي قد تفسد عندما ينقطع التيار الكهربائي لأكثر من عشر ساعات يوميا“.

ويؤكد الدرويش أن انقطاع المياه عن طرابلس والمدن الغربية أسهم في تفاقم المعاناة لدى المواطنين، إضافة إلى نقص مياه الشرب في المحلات ومصانع توزيع المياه، لوجود بعض المصانع في مناطق الاشتباكات جنوب طرابلس، حيث تحتاج العائلات إلى المياه للاستعمال اليومي والشرب، خاصة من يقيمون في المجمعات السكنية.

الهروب من الواقع

ويرى الدكتور النفسي محمد الفيتوري (مستشار تربوي في بنغازي) أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الأسرة الليبية تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار والصحة النفسية، وتظهر في صورة الهروب من مواجهة الواقع.

وفي ما يتعلق بالوضع الحالي؛ فالمجتمع الليبي يعيش منذ سنوات أزمات متكررة؛ منها انقطاع السيولة والكهرباء والمياه وآثار الحرب والافتقاد للأمان والاستقرار وغلاء المعيشة والتشرد، وجميعها ألقت بظلالها على طبيعة حياة الليبيين، حيث يحس المواطن بأنه ترك وحيدا دون جدران للحماية والدعم.

ويعتبر الفيتوري اتجاه المواطنين للجانب الترفيهي مهم جدا في تخفيف الضغوط النفسية، قائلا للجزيرة نت من الجيد أن يهرب المواطن من مواجهة الضغوط إلى ممارسة الرياضة، والذهاب مع العائلة إلى البحر وأماكن الترفيه، لكنها تظل مسكنات مؤقتة لأن رب العائلة عندما يرجع للبيت يجد نفسه في مواجهة الواقع لعدم قدرته على الإيفاء بمتطلبات أسرته“.

ذلك أن هذه الضغوط اليومية تنعكس بشكل سيئ على الأطفال الذين يعانون من التشرد والحرمان والفقر، فقد أصبح كثير من الأطفال ينظرون للمستقبل بنظرة سوداوية بسبب الحرب والاضطرابات.

فضلا عن انتشار أمراض نفسية عدة واضطرابات لدى الأطفال الذين يدفعون الآن ثمن ما يجري في ليبيا غاليا، واصفا إياهم بالضحية الأكبر والفئة الهشة في المجتمع.

____________