Minbar Libya

بقلم سمير حمدي

أعلن الجنرال الليبي المتمرد، خليفة حفتر، في 4 إبريل 2019، عما سمّاها عملية الفتح المبين للسيطرة على عاصمة بلاده طرابلس.

وتوالت تصريحات الناطق باسم ما يُسمى الجيش الوطني، أحمد المسماري، عن القوات التي تسطّر ملاحم الكرامة والعزة والاعتزاز وتواصل تقدمها نحو العاصمة“.

وبعد ثلاثة أشهر، وصلت قوات حفتر إلى طريق مسدود، على الرغم من الدعم العسكري الكبير الذي تتلقاه من فرنسا بصورة غير معلنة، والتأييد المعلن من الإمارات ومصر والعربية السعودية التي كان واضحا أنها من أوحت له بالقيام بهذه المغامرة العسكرية غير محسوبة العواقب (بعد زيارة حفتر الرياض في 28 مارس/ آذار الماضي)،

ما ورّط حفتر في ما يشبه الفشل السعودي الفاضح في اليمن، حيث كانت الرغبة في حسم الصراع بعيدة عن اعتبارات الواقع وموازين القوى على الأرض.

بعد هزيمة قوات حفتر في غريان، وفرار قياداته العسكرية منها، يتجه المشهد العسكري في ليبيا نحو مزيد من الجمود، فمن حيث موازين القوى العسكرية وحتى البنية الديموغرافية وطبيعة الولاءات القبيلة، من الصعب أن تخضع المنطقة الغربية والعاصمة طرابلس لنفوذ حفتر، مهما كان عديد القوات التي يقودها، ومهما كان حجم الدعم الذي يتلقاه.

فمن ناحيةٍ لا يمكنه أن ينتصر على مصراتة بدباباتها وطائراتها وقواتها المسلحة جيدا، وهو الذي تجنب، في عمليته أخيراً، المرور عبر الطريق الساحلي، تجنباً للدخول في مواجهة معها.

ومن ناحية أخرى، العاصمة طرابلس، حتى وإن بدت في صورة المنطقة الهشّة عسكرياً، كشفت لحظة المواجهة عن حالة من التكاتف بين الفصائل العسكرية المختلفة الداعمة للحكومة الشرعية برئاسة فايز السراج.

وكانت رغبة حفتر في اجتياح طرابلس تعبيرا عن حالة من الوهم العسكري، أكثر مما هي نتاج قراءة واقعية لموازين القوى على الأرض، وأن القوات القادمة من الشرق لم يكن في وسعها أن تتقدم أكثر مما وصلت إليه فعليا، فقوات حفتر التي احتاجت ثلاث سنوات كاملة للسيطرة على بنغازي، وبدعم عسكري مصري إماراتي سعودي مستفيض، ستحتاج بالتأكيد إلى مدة أطول، لتتمكّن من اجتياح طرابلس، وهو أمر يفوق قدراتها العسكرية المحدودة.

فشل حفتر في تنفيذ تعهداته لداعميه، وعجز عن حسم الوضع السياسي باستخدام القوة العسكرية المفرطة، وتراجعت إمكانية سيطرته على مناطق واسعة من الغرب الليبي، ليجد نفسه في وضعٍ لا يُحسد عليه، مع بدء الممول الإماراتي رحلة البحث عن وجهٍ مدني يمكن تسويقه في المعادلة السياسية في ليبيا.

لقد رفض حفتر دعوة الأمم المتحدة إلى إيقاف القتال فترات قصيرة، من أجل السماح بإجلاء المدنيين، وتوج سلوكه العسكري الأهوج بقصف مركزٍ لإيواء اللاجئين.

وإذا أضيف إلى هذا كله ما يشتمل عليه جيشه الوطني المزعوم من جماعاتٍ سلفيةٍ مدخليةٍ متطرفة، ومليشيات متورّطة في جرائم ضد الإنسانية تم توثيقها، فإن سمعة الرجل لا تسمح له أن يكون بديلا محتملا بحكم الواقع، فهو لا يحظى بدعم شعبي في مناطق الغرب، بالإضافة إلى قصور رؤيته السياسية وانعدام خبرته في التعامل مع التنوع الحزبي والقبلي والعرقي في ليبيا.

من المعروف عن حفتر ازدراؤه للديمقراطية والانتخابات، وهذا ما أفقده صفة الزعيم الوطني الذي يمكن تجميع البلاد بقدر ما يشكّل عاملا إضافيا في تأزيم الأوضاع، والدفع بالبلاد نحو هاوية الإنقسام، من خلال سلوكه العسكري غير محسوب العواقب.

وعلى الرغم من أن نزعته العسكرية العنيفة، ومحاولته الظهور بصورة الرجل القوي القادر على ضبط الأوضاع، كانتا جذّابتين في بعض العواصم الغربية، مثل فرنسا، وإلى حد ما في علاقة مع الرئيس الأميركي ترامب، إلا أن كل هذه الهالة التي أحاط بها نفسه تبخّرت فجأة، بعد اندحار قواته العسكرية في غريان، وتحوله من موقع صاحب المبادرة إلى الطرف الذي يحاول الدفاع عما وقع تحت هيمنته العسكرية.

وعليه، تحوّل حلم السيطرة على طرابلس إلى كابوس يطارد حفتر الذي لجأ إلى ردود أفعال تفتقر إلى العقلانية، وأقرب إلى الجرائم ضد الإنسانية، على شاكلة قصف مأوى اللاجئين في تاجوراء.

ومهما كانت المحاولات القادمة لحفتر، فإن توازن القوى الحالي سيدفع القوى المتحاربة إلى التفاوض، عاجلاً أو آجلاً، من أجل إيجاد حل يضمن تعايش جميع الأطراف.

وفي غياب الحوار الجدّي بين القوى المتصارعة لمجاوزة الأزمة، سيظل الوضع على ما هو عليه، وتتواصل حرب الاستنزاف بين جميع القوى، وبتحريض من قوى إقليمية ودولية، بما سيزيد في إضعاف ليبيا، ويفتح الأفق أمام خياراتٍ خطيرةٍ، تهدد وحدة البلاد، وتمزق نسيجها الوطني.

***

سمير حمدي ـ كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، وتحديدا في الفلسفة والعلوم الإنسانية، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

_____________