Minbar Libya

بقلم بدرية الراوي

يعرف الانقلاب أنه: الاستيلاء المفاجئ والعنيف وغير القانوني على السلطة من الحكومة، وعادة ما يتم الانتهاء من الانقلابات الناجحة بسرعة، على الأكثر في غضون ثمانية وأربعين ساعة.

الجزء الأول

وقد حدد صامويل هنتنجتون في كتابه (النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة)، الصادر عام 1968، ثلاثة أنواع للانقلابات، على النحو التالي:

النوع الأول: الانقلاب الخارق ، وهو الانقلاب الكبير الذي تستولي فيه مجموعة متنوعة (ثورية؛ مدنية أو عسكرية أو تتألف من معارضة سياسية) على السلطة بعد أن تطيح بالحاكمين.

والثورة البلشفية، التي حل فيها الشيوعيون الروس محل النظام القيصري الإمبراطوري، مثال عليه.

النوع الثاني: انقلاب الوصي ، وهو يحدث عندما تستولي إحدى النخب على السلطة من نخبة أخرى.

كجنرال بالجيش يقيل رئيسًا أو ملكًا. وعادةً ما يبرر الإجراء بالقول إنه من أجل الصالح العام.

ويعتبر ما قام به وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي تجاه الرئيس المصري السابق محمد مرسي بمثابة انقلاب الوصي.

النوع الثالث: انقلاب الفيتو ، وهو ما يحدث عندما يتدخل الجيش لحماية الوضع الراهن من التغيير السياسي الجذري.

ومن الأمثلة على ذلك الإطاحة برئيس البيرو ألبرتو فوجيموري عام 1992، بعد أن أعلن نيته حل المجلس التشريعي في البلاد مؤقتًا.

مثال آخر عندما نقف على بيان الانقلابيين من الجيش التركي في تموز 2016، نرى أنهم يبررون فعلتهم بالاعتداء الذي شنّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على علمانية البلاد.

كذلك يخلط البعض ما بين الانقلابات والثورة، لذلك نقول أنه، عادة ما يتم الانقلاب من قبل عدد صغير من الأفراد، والذين لديهم بالفعل بعض القوة مثل ضباط الجيش، في حين أن الثورة هي الانتفاضة العامة لعدد كبير من الناس العاديين.

كما أن الانقلاب يغير أعضاء الحكومة أو الحكم فقط، أما الثورة تغير النظام الاجتماعي بأكمله. وعقب الانقلابات ينمو نفوذ القوى العسكرية يؤثر بشكل أكبر على الحكومة المدنية.

تاريخيا حصل الكثير من الانقلابات، وثار حولها الجدل ما بين مؤيد لها وجاعل منها ثورة، أو رافضاً لها ومؤكد أنها انقلابات غير شرعية، وأشهرها:

ـ انقلاب نابليون بونابرت الذي أطاح من خلاله بالمجلس الإداري الذي يحكم فرنسا سنة 1799.

ـ وانقلاب فرانسيسكو فرانكو في إسبانيا

ـ كذلك انقلاب أوغوستو بينوشيه في تشيلي، وهو مثال واضح لمثار الجدل هذا. إذ تعتبره جهة أنه مدمر الديمقراطية في تشيلي، في حين يرى آخرون غير ذلك ويتحدثون أنه: “غالبًا ما يتم تمثيل انقلاب 1973 على أنه دمر الديمقراطية التشيلية، ولكن هذا نصف الحقيقة، ففي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، كانت ديمقراطية تشيلي في طريقها إلى التدمير الذاتي.

وقد كتب في هذا المؤرخ جيمس ويلان أن تشيلي كانت “ديمقراطية آكلي لحوم البشر، وتستهلك نفسها”

في التاريخ المعاصرة لمنطقتنا العربية هناك عدد من الانقلابات:

ـ أولها انقلاب السياسي حكمت سليمان وصديقه الفريق في الجيش العراقي بكر صدقي على حكومة ياسين الهاشمي في بغداد سنة 1936.

ـ وآخرها انقلاب أحمد عوض بن عوف على حكم الرئيس السوداني عمر البشير في أبريل 2019.

أما أشهرها في المائة عام الماضية:

انقلاب 1917 أو الثورة البلشفية التي أطاحت بالنظام القيصري الأوتوقراطي وتركيز نظام اشتراكي شيوعي، وذلك بعد أن انحاز الجيش للشعب وتحرك ضد القيصر.

ـ كذلك انقلاب الجيش على الملكية في مصر سنة 1952، وقد سمي بثورة الضباط الأحرار.

فُتح الباب للكثير من الانقلابات في العالم العربي والشرق الأوسط ولم يتوقف خاصة ما بين الخمسينات والسبعينيات،

كإنقلاب القذافي على النظام الملكي سنة 1969 في ليبيا، وإنقلاب وزير الدفاع حافظ الأسد في سوريا سنة 1970، من قبل حزب البعث العربي السوري وهو ما أطلق عليه الحركة التصحيحية لثورة آذار سنة 1963 –أي أطلق عليها تسمية ايجابية وامتداد للثورةوصولا لانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر سنة 2013.

والكثير من الانقلابات في تركيا، آخرها المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016. وبشكل عام.

فإن القارة الأفريقية هي أكثر ما حوت محاولات انقلابية تزيد عن المئتين في سبعين عام (1950-2019). آخر محاولة انقلابية وقد كانت فاشلة حصلت في الجابون السنة الجارية 2019.

والملفت أنه في بعض الدول العربية إن لم يجري انقلاب عسكري مباشر، لا يتولى الحكم إلا من هم من خلفية عسكرية، كما جرت العرف السياسي في لبنان، وهو ما يمكن لنا تسميته بالانقلاب الأبيض.

حظر الانقلاب في القانون الدولي

إن كانت المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية قد حددت مصادر القانون الدولي الرسمية بـ المعاهدات، مبادئ القانون العامة، الاجتهاد القضائي، المذهب والمساواة، وذلك منذ سنة 1920 إلا أن ذلك يتضمن المبادئ الكائنة في جميع النظم القانونية الوطنية أيضا.

وعليه ننظر في هذه المصادر للاستدلال على حكم الانقلابات على أنواعها في القانون الدولي العام، وذلك على مستويين من خلال:

أولا: حكم التغيير غير الدستوري، وتحقيق المعيار العالمي للديمقراطية

ربما يكون توماس فرانك أول من طرح مسألة الديمقراطية في النظام القانوني الدولي لما بعد الحرب الباردة في عام 1992، في مقالته (الحق الناشئ في الحكم الديمقراطي) حيث جادل فرانك بأن “شرعية الحكومات لم تعد تقتصر على التقييم من خلال معايير وطنية بحتة؛ بل يجب تقييمها من خلال المعيار العالمي للديمقراطية”.

وسرعان ما اتبعه علماء آخرون، وحُدد هذا التوجه باسم “مدرسة الحق الديمقراطي” أو “نظرية الحق الديمقراطي”. ومنه تدعي مدرسة الفكر هذه أن “الحق الديمقراطي قد ولج إلى النظام القانوني الدولي”.

وهذا في تناقض حاد مع “اللاأدرية” التي كانت سائدة من قبل، خاصة عندما ينظرون في أثر النظم غير الديمقراطية على جوارها الإقليمي.

تمثل فكرة الاستحقاق الديمقراطي هذه “تحولًا ثوريًا لمجموعة كاملة من المعايير الدولية، من القواعد التي تحكم الاعتراف بالدول والحكومات، إلى تلك التي تحكم استخدام القوة”.

وبمعنى آخر فإن هذا المبدأ يؤكد أن الاعتراف بشرعية هذه الحكومات قائم على مدى احترامها للمعايير الدولية منها: الديمقراطية. ولا تقبل الانقلابات على الحكومات المنتخبة من الشعب ولا هو مجرد شأن داخلي.

لكن الغريب “أن هؤلاء المفكرين أو العلماء قد فشلوا في توضيح العواقب الدقيقة لهذه المخالفة المزعومة من حيث المسؤولية. ولم تكن نظرية الاستحقاق الديمقراطي مقصورة على المدرسة الليبرالية الأمريكية فقط، بل جاءت في دراسات قانونية حول العالم، في أوروبا وأفريقيا على سبيل المثال تبنى العديد من الفقهاء فكرة أن شرعية الحكومات لم تعد مسألة داخلية بحتة ويجب قياسها وفقًا لمعايير الديمقراطية”.

وفي هذا السياق، نشير إلى أنه “خلال الحرب الباردة، كانت الانقلابات التي وقعت مقبولة نسبيًا؛ وأحيانًا كانت كل مجموعة من الكتل ترى الانقلابات وسيلة ملائمة لتغيير حكومات الأيديولوجيات المعادية لها.

ولكن هذا تغير مع نهاية الحرب الباردة، فقد أصبح من النادر منذ ذلك الحين أن تظل الدول (في العالم) غير مبالية تجاه هذا الانشقاق في النظام السياسي والقانوني لدولة أخرى، خاصة إذا ما أدت إلى الإطاحة بحكومة ديمقراطية، بل إن تعزيز معايير شرعية الحكومات يرتكز على أصل السلطة وبشكل خاص على الأصل الديمقراطي”.

وهنا نستدل على ازدواجية التعاطي تجاه الانقلابات، لا في تلك الحقبة فقط بل حتى الساعة ومع النظام العالمي الجديد (2019).

والشائع بالنسبة للدول الديمقراطية أن تعلن أن الإطاحة بالحكومة الديمقراطية غير مقبول. وتأتي الإدانة بشكلها الأولي، كإدانة لانتهاك النظم الدستورية في البلاد، وتتضمن الرغبة أو المطالبة بعودة الديمقراطية.

لذلك نجد ان أول ما يسارع لبيانه الانقلابيين في بيانهم الأول هو الدعوة لاستئناف الحياة الديمقراطية والإعلان عن نية إجراء انتخابات عاجلة.

مثاله دعوة البيان رقم واحد للانقلابيين في السودان أبريل 2019، بالدعوة إلى “تهيئة المناخ للانتقال السلمي للسلطة وبناء الأحزاب السياسية وإجراء انتخابات حرة نزيهة بنهاية الفترة الانتقالية”.

كذلك قد تصحب الإدانات بعقوبات متنوعة، كخفض العلاقات الدبلوماسية، أو فرض عقوبات اقتصادية. وهنا ما زلنا نتحدث عن الإدانة من قبل الدول كوحدة منفردة.

***

بدرية الراوي ـ باحثة في العلوم السياسية والقانون الدولي

___________