Minbar Libya

بقلم مختار غميض

عبّد جهاد الليبيين الطريق نحو الاستقلال، إذ سجّل الليبيون بطولات خالدة في تصديهم للاستعمار، واستطاع المجاهدون من أبناء البلاد، إنزال ضربات موجعة بعدوهم، واستطاعوا أن يلفتوا أنظار العالم إلى قضيتهم.

الجزء الثاني

ثانيا: الزحف المقدس أو الجهادعند القذافي

لم يوظف معمر القذافي مفهوم الجهاد مثلما وظفه إبّان الثورة الشعبية على نظامه في 2011، رغم توظيفه له عند ثورته المزعومة المعروفة بثورة الفاتح من سبتمبر 1969، كاستمرار للجهاد ضد المستعمر الإيطالي الذي انتفت الأسباب العملية لجهاده.

حيث قال في أوّل خطاب له وجهه إلى الشباب عماد الحراك الشعبي، ونفى أن يكون عندهم قبائل ، فالقبائل الليبية ؛ قبائل شريفة ومجاهدة ومكافحة، تتقاطر عليّ في هذا الشهر!

لكن قبل ذلك بكثير ومنذ تنفيذ انقلابه عام تسع وستين كان القذافي يوظف الجانب الديني واعتمد عليه في استدرار عطف الشعب الليبي كيف لا وهو الذي لقب نفسه برسول الصحراء، وبالمفكر والإمام، وألف كتبا في ذلك.

كما وظف البعد القبائلي مستمدا دورها في الجهاد على طول تاريخه، بل اعتبر ثورته تواصلا للجهاد ضد مخلفات الاستعمار.

فسعى لجلب ولاءات القبيلة لتوظيفه اجتماعيا، وما لها من انعكاس سياسي، وبدا ذلك في إحيائه لذكريات معارك الجهاد وخطبه الحماسية التي تظهره في صورة المجاهد وسليل المجاهدين.

وهو نفس الإطار الذي لم يخرج عنه القذافي في اعتبار انقلابه كان سببا في استكمال تحرير ليبيا وإنهاء الوصاية عليها عبر إجلاء القواعد الأمريكية والبريطانية والفضل كل الفضل بزعمه، لنظام العقيد وحده.

والحال أن هذا الجلاء جاء استكمالا لاتفاقيات أبرمتها المملكة الليبية تحدد سلفا رحيل القوات الأجنبية، بل هناك من يؤكد أن الجلاء الأجنبي كان بضغوط شعبية لا ترغب في تجديد تلك الاتفاقيات، الأمر الذي يفند مزاعم فضل العقيد وجهاده.

كما وظف مؤسسات الدولة وجمعيات دينية، وكان يعتبر نفسه إماما للمسلمين ورئيس الهيئة الثورية العالمية التي كانت وكرا لأكبر العمليات الاستخباراتية وكان يترأس جمعية الدعوة الإسلامية العالمية التي أسسها بنفسه بعيد انقلابه فبدأ بها مشواره السياسي كداعية إسلامي أقرب للمتوصف. ثم في آخر حياته عاد لنفس نهج استغلال الدين، فقاد مسيرات في إفريقيا وأم جموع المسلمين .

كما دعم القذافي مركز الجهاد للدراسات التاريخيةوأثر فيه بقوة مما انعكس على حفظ الذاكرة الشعبية الليبية من خلال الضغط على المركز لإعطاء بعض الطقوس والمؤتمرات التعبوية ذات المغزى السياسي.

كما غير القذافي اسم المركز مرات، بعد تدشينه بطرابلس سنة 1977، ليصبح بعد ثلاث سنوات مركز بحوث ودراسات الجهاد الليبي، ثم غيره إلى مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، كما أزاح جزءا من مهام المركز ودمّر بعض محتوياته من الآثار الموسيقية موظفا كل ذلك في إطار خدمة مشروع الشخص ونظريته الفريدة والزعيم المتسيد على كل شئ.

إن صفة القداسة التي أضفاها القذافي على نفسه، وضعها كذلك في العملة المالية فطبع صور معارك الجهاد الخالدة على أوجه العملة النقدية، في توظيف مفرط للدين في السياسة.

كما وظف نظام العقيد شخصية المجاهد عمر المختار شيخ المجاهدين في إلحاق اسمه بالمدارس والجامعات في نطاق جماهيريته وسلطته الشعبية، وموّل شريطه الوثائقي الذي يسجل سيرته النضالية، كجزء ورمز من رموز جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي، كله في إطار الاستئثار بقيم المجاهد والتشبه به، والتمسح بإرثه كامتداد له، لجلب الاحترام والتقدير لدى عامة الليبيين.

وإلى آخر حياته ظل القذافي يتحدث باسم الجهاد، وقد دعا إليه ضد سويسرا قبل عام فقط من الثورة عليه بحجة منعها بناء المساجد، لكن في الحقيقة تبين أن ذلك كان وراء عامل سياسي، وهو توتر العلاقات منذ صيف 2009 بعد توقيف ابنه هانيبال وزوجته في جنيف بعد شكوى تقدم بها اثنان من خدمهما بتهمة سوء المعاملة.

لكن في 2011 حصحص الحق، فعجز القذافي عن تعبئة الجماهير لصالحه كما كان يفتخر في كتابه أربعة آلاف يوم من العمل السري، فلجأ إلى المعجم الديني كعادته.

كانت لفظة الزحف المقدس، والتي يقصد بها الجهاد، هي أوّل مفردات العقيد في كلمة له بعد أن عمّت المظاهرات المطالبة بإسقاط نظامه أرجاء ليبيا.

ثالثا: فبراير ثورة التكبيروتبني إرث المجاهدين

لم تؤسس ثورة فبراير لـ جهاد جديدأو توظفه لصالح شخص (ديني أو سلطوي أو عسكري)، وهي التي لم يقدها أحد، بل ببساطة اتبعت إرث المجاهدين المؤسسين، ولم ترفضه أو تفرضه، فافتخرت به ولم تحتكره.

كذلك رغم كونها لم تتخذ من الجهاد عنوانا لأي حراك من تياراتها المتعددة، ولا قاعدة لاستصدار الفتاوي لقتال القذافي أو الخروج عليه، فقد جاءت ثورة فبراير في إطار مدّ شعبي عارم، وموجة إقليمية من الغضب على الأنظمة المستبدة كانت تعتمل في النفوس، حتى اندلعت من جارتها تونس ثورة كسرت حواجز الخوف، فكيف لا تتأثر بالجوار ؟

كما استندت ثورة فبراير على مواجهة الاستعمار الداخلي في إطار موجة ثانية من مسلسل التحرر الوطني (بعد موجة التحرر من الاستعمار الخارجي) من نظام استبدادي شمولي بدد الثروات وأنهك الشعب في معارك جانبية وشخصية.

لذلك اعتمدت الثورة على عنصر الشباب، ونظرا لطبيعة الشعب الليبي في تدينه في بلد عرف ببلد المليون حافظ لكتاب الله، ومحافظته على نسيجه المجتمعي المسالم وارتباطه بالإسلام الوسطي مع وسطية المذاهب والأعراق الأخرى، فمن الطبيعي أن يطلق الليبيون عنوان ثورة التكبيرعلى انتفاضتهم.

لكن مع ذلك لم يستغل المنتفضون أي شعارات دينية إسلامية لتوجيه رياح ثورتهم فكانت واضحة من البداية، ثورة وثوار لا تحتكر السلطة ولا الدين ولا توظف معانيهما، وفي ذلك تفسير لنجاح حراكهم ضد القذافي.

واستنادا إلى إرث أجدادهم الناصع في الجهاد كما بينا في الجزء الأول، تبنى الثوار نظرية الجهاد والاستشهاد في سبيل الوطن لمقاومة احتكار السلطة ومكافحة تبديد المال العام و رفض تجهيل الشعب، فكانت ثورة تجمع ولا تفرق، ليست موجهة إلى غير النظام مما أصابه في مقتل.

وربما من الجدير الإشارة أن ثورة فبراير كانت غاية في وعيها وتحديد أهدافها فلم تذكر مفهوم الجهاد إلا عندما واجه ثوارها في قوات البنيان المرصوصما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في سرت، وذلك عن قصد لمنع احتكار الدين في مشروع الدولة الليبية الجديدة المراد لها أن تكون دولة مدنية، ليست دينية ولا شمولية ولا عسكرية، وإلا كيف يكون الجهاد والحال أن البنيان المرصوصالتابع لحكومة معترف بها دوليا، وقدم آلاف بين قتلى وجرحى ؟

كما أن في ذلك ما يفسر قطعا تفرغ الثوار بعد تطهير سرت من جماعات الإرهاب باسم الدين، للتوجه لمعركة جديدة وهي الحرب من أجل السلطة باسم مقاومة الإرهاب، وهو منها براء، وإنما فقط لتشويه الخصوم السياسيين، وهو النهج الذي يحاول خليفة حفتر تسويقه.

وبناء عليه، استحضر الثائرون في كل ليبيا صورة المجاهد عمر المختار، ونشيد الدولة الليبية، دولة الاستقلال، في غاية واحدة هي التخلص من الاستبداد والتطلع إلى الحرية والكرامة.

كذلك استلهمت ثورة 17 فبراير كل رموز الجهاد لدولة الجهاد السابقة ضد الطليان، من رمزية عمر المختار والعلم الوطني، فأطلقوا اسم الشهيد على كتائبهم الثائرة وتغنوا في ميادينهم، ورددوا اسمه في مظاهراتهم، ونداءاتهم إلى أحفاد عمر المختار، والحديث عن مشروع ليبيا عمر المختار على يد أحفاد المختار.

وبالتالي من الطبيعي أن يفتخر الثائرون براية النجمة والهلال التي اتخذها الشهيد عمر المختار شعارا له في الكفاح ضد الاحتلال.

***

مختار غميض ـ صحفي تونسي

_____________