Minbar Libya

بقلم بدرية الراوي

يعرف الانقلاب أنه: الاستيلاء المفاجئ والعنيف وغير القانوني على السلطة من الحكومة، وعادة ما يتم الانتهاء من الانقلابات الناجحة بسرعة، على الأكثر في غضون ثمانية وأربعين ساعة.

الجزء الثالث

ثالثا: الانقلاب ما بين فاعلية القانون الدولية والمساءلة

تضمنت القرارات والمواثيق الدولية خطوات تنفيذية، وإجراءات وملاحقات قانونية ودولية، فنجد مثلا: على سبيل المثال لا الحصر: فيما يتعلق بحصول انقلاب في منظمة الدول الأمريكية: “أنه يكلف الأمين العام بسلطات، منها سلطة عقد اجتماع للمجلس الدائم لمنظمة الدول الأمريكية، عندما يكون هناك انقطاع مفاجئ أو غير منتظم للعملية السياسية الديمقراطية أو ممارسة مشروعة للسلطة من قبل حكومة منتخبة ديمقراطيا في دولة عضو – أي انقلاب –

كما يمكن لهذا الجهاز، بدوره، عقد اجتماع خاص لوزراء الخارجية يجب اتخاذ قرار بشأن التدابير المحددة التي يتعين على منظمة الدول الأمريكية اعتمادها. هذا القرار كان يتم تطبيقها في أربع حالات محددة: هايتي، بيرو، غواتيمالا وباراغواي.

كما تسمح المادة 17 لحكومة إحدى الدول الأعضاء بطلب المساعدة من منظمة الدول الأمريكية تعزيز والحفاظ على نظامها الديمقراطي”، عندما ترى أن عمليتها الديمقراطية أو “الممارسة المشروعة للسلطة في خطر”.

حتى وإن كان غيره من الدول الأعضاء فيه قد تعتبره تدخلا أجنبياكذلك كما في الحالة الإكوادور في عام 1997 وفي هندوراس في عام 2009. وفي كلتا الحالتين، .“تدخل” منظمة الدول الأمريكية لم يمنع الانقلاب

ولربما تكون هذه القواعد والقوانين الدولية قد دفعت بالانقلابيين نحو التفكير والتمهل في خطواتهم، لكن بلا شك لم يردعهم، خاصة من كان له ظهير دولي.

وفي هذا نجد أن البعض “يرى في فاعلية استجابة الاتحاد الأفريقي لاستعادة الديمقراطية بسرعة، وذلك بعد انقلابين في عام 2003 في غينيا بيسا، وفي سان تومي وبرينسيبي 2007. وكذلك ربما تكون الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) قد حالت دون تلك الانقلابات منذ أن تم سنها قبل عقد من الزمن”.

لكن هذا كله لم يحل دون مواجهة التحدي الأكبر وهو تلاعب الارادة السياسية بهذه القواعد الدولية، وتدلل على ذلك حالات انقلاب متعددة منها حالة الانقلاب في هايتي 1993، حيث كان هناك دول تدعم الانقلاب بل وتسبق المنظمات الدولية بقراراتها واجراءاتها.

كــ هايتي مثلا: اذ كانت الولايات المتحدة تعتبر أريستيد رئيس هايتي المنتخب كأول رئيس عقب الاستقلال و بحوالي 67% من الأصوات ندا لها في جزر الكاريبي، فسهلت من عملية رحيله، بل ولجأت كل من واشنطن وباريس الى اٍرسال قوات لحفظ السلام دون انتظار مجلس الأمن وتصويته على قرار اٍرسال قوات متعددة الجنسيات لحفظ السلام هناك بعد أن عمت الفوضى في البلاد في 2004،

 وحتى اليوم-2019- تحصل صدمات ما بين أنصار الرئيس هذا وقوات حفظ السلام التي دخلت البلاد لاحقا.

كذلك الحال في أفريقيا، لقد استنكر الاتحاد الأفريقي تجدد الانقلاب في أفريقيا، في فبراير 2009، لكن لم تسفر وسائل رد الفعل تجاه هذه المواقف (وخاصة تعليق الاتحاد الأفريقي لعضوية الدولة) عن نجاح يذكر.

فمرتكبو الجريمة غالباً ما يظلون بلا عقاب؛ ويستعيدون “الشرعية” بعد تنظيم انتخابات مزورة، ثم يتم دمج الحكومة الجديدة في الاتحاد الأفريقي.

على صعيد آخر، تشكل الثغرات القانونية معضلة دون تحقيق مثالية القانون الدولي، فرغم ما ذكر ودون حول إدانة الانقلابات العسكرية، وعدم شرعيتها إلا أنها لم تكن خطوات مكتملة أو كافية.

فمثلا “كثير من تلك الاتفاقيات والمواثيق عبارة عن صكوك غير ملزمة قانونيا بمعنى لا يترتب عليها إجراءات تحيله للمساءلة أمام الجهة العاقدة لهذا الميثاق، منها الميثاق الديمقراطي للبلدان الأمريكية”.

كذلك عدد من هذه الإجراءات كانت صعبة التطبيق واقعا. لا بل، إن بعض أساتذة القانون الدولي يروون أن: “إثبات استحالة تحميل أي دولة ما المسؤولية بموجب القانون الدولي عن الانقلاب، تدعم فكرة أن الانقلابات ليست بالضرورة وسيلة مؤسفة لتغيير الحكومة.

وفي الواقع، سيظهر أن الانقلابات قد تؤدي في بعض الأحيان إلى انفصال إيجابي عن النظام الحالي، وتوليد تغيير مرغوب فيه للنظام السابق، على وجه الخصوص، في الدول التي تكون فيها حكومة طاغية إلى ما لا نهاية.

وواقعا هذا المنطق موجود ويُعمل به، وينقلنا مجددا من الدائرة القانونية إلى تأثير الدائرة السياسية.

ثغرة قانونية أخرى، وهي أننا لو تكلمنا عن أن “قضية مسؤولية الدولة عن الانقلاب تختلف عن تلك المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الدولية لمن قام بالانقلاب، لأن الانقلابات لا تعتبر بعد جريمة دولية من وجهة نظر القانون الجنائي الدولي. وقد حوكم المدعي العام للمحكمة الخاصة لسيراليون في هذه الحجة في قضية تايلور. لكن المحكمة رفضتها.

ويمكن فقط للجرائم التي يُزعم أنها ارتكبت أثناء الانقلاب أن تشكل جريمة بالمعنى المقصود في القانون الجنائي الدولي.

إن تأكيد عدم شرعية الانقلاب الدولي لا يكشف عن أي شيء فيما يتعلق بمشاكل المسؤولية الدولية بموجب القانون الدولي.

مع الإشارة لأن أي انتهاك للقانون الدولي لا ينطوي إلا على مسؤولية الشخص الذي يُنسب إليه الانتهاك.

ومن الغرائب فيما يتعلق بإدانة وملاحقة الانقلابيين، أن “الحقد بين الاتحاد الأفريقي والمحكمة الجنائية الدولية أصبح ظاهرا بعد إصدار مذكرات توقيف رؤساء الدول الأفريقية وكبار المسؤولين الحكوميين، مما دفع الاتحاد الأفريقي إلى اتخاذ العديد من الإجراءات المواجهة للمحكمة الجنائية الدولية، بلغت ذروتها في اختصاصها الجنائي الدولي.

ففي عام 2010، شرع الاتحاد الأفريقي في عملية تهدف إلى تمكين محكمته من مقاضاة الجرائم الدولية التي ارتكبها الأفارقة في أفريقيا”.

وفي سياق متصل، نجد من خبراء القانون الدولي من طرح أن التغيير غير الدستوري للحكومة، يصنف من الجرائم الأكثر إثارة، والتي تنتمي إلى الاختصاص الموضوعي للغرفة الجنائية الأفريقية التي سيتم إنشاؤها حديثًا _ولم تنشئ_.

وبالتالي نقل انتهاك الآليات الدستورية هذه من المستوى المحلي الى الدولي، مما يثير تساؤلات حول حق التدخل الأجنبي في الشؤون السياسية الداخلية، وعلة الحكم؛ في النقل هذا، هو أن حركات التمرد (الانقلابات) ليست محصورة في دول وحيدة ولكنها تميل إلى الانتشار إلى بلدان أخرى.

وفي ضوء التجربة الأفريقية أثبتت الصراعات المحلية أنها معدية. لذلك تشكلت رغبة لدى تلك الدول في أقلمة القانون الدستوري إن صح التعبير.

لذا يقترح سوما أحد أساتذة القانون الدولي أو يرى أن هذا التقدم قد يكون المرحلة الأخيرة من تدويل القانون الدستوري في إفريقيا، لو تم، ولكن لم يدخل بروتوكول مالابو حيز التنفيذ بعد.

الخلاصة

أعتبر الانقلابات من الطرق الرئيسية لإقامة الدكتاتوريات الجديدة، وقد تثير الحروب الأهلية والأزمات الدولية، كما يلاحظ أن الانقلابات “كانت أكثر الوسائل شيوعًا لتغيير الحكومات”

وأنه بالنسبة لأفريقيا ما بعد الاستعمار أصبح الانقلاب العسكري، في الواقع، هو الطريقة المؤسسية لتغيير الحكومات. وإن أخذت تقل وتيرتها تدريجيا لعوامل متعددة.

كما يؤثر في حصولها عوامل متعددة أهمها العامل الخارجي بدعمه طرف على حساب آخر، ويؤثر في التخفيف منها عوامل متعددة على مستويات:

ـ على المستوى الشعبي: وعي الشعوب،

ـ وعلى مستوى الدولة: مدى تحقق الديمقراطية وسيادة القانون فيها.

فقد حللت الكثير من الدراسات أهمية وماهية الديمقراطية وشروطها، إلا أنه في حتى عام 2011 وفقط مع الباحثين باولو لاسليتم اختبار فعالية بنود وشروط الديمقراطية في منع الانقلابات، وما توصل إليه باولو لاسليمن أن بنود الديمقراطية تقلل من محاولات الانقلاب بنسبة 50٪.

ـ أما على المستوى الدولي: مدى احترام القانون الدولي وتطبيقه.

لقد وقفت هذه الدراسة على تحديد حكم الانقلابات على أنواعها في القانون الدولي من خلال مصادره المتنوعة والمتعددة وقد وقفنا على حالات كان لهذه القواعد وما يترتب عليها من آثار وعقوبات، أثر في وأدها.

وحالات أخرى لم يسعف القانون الدولي شرعية النظم المنقلب عليها، لا بل ترك المجال مفتوحا من خلال ثغرات متعددة للانقلابيين كي يقوموا بشرعنة أعمالهم والإفلات من العقاب.

وهذه الأزمة ليست حصرا في هذه القضية بل يطال القانون الدولي والقانون الجنائي الدولي عموما، إنها الإرادة السياسية للدول النافذ والراعية لمؤسسات ومنظمات هذا القانون الدولية وأذرعه التنفيذية لاسيما مجلس الأمن.

***

بدرية الراوي ـ باحثة في العلوم السياسية والقانون الدولي

___________