Minbar Libya

بقلم إيناس بوسعيدي

تجهز قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر لهجمة جديدة على طرابلس بدعم خارجي، هي ببساطة جريمة أخرى قد يدفع الأبرياء حياتهم وممتلكاتهم ثمنها، وحماقة ستطفئ لا محال مزيدا من شموع اللواء المتقاعد خليفة حفتر غربا وشرقا وجنوبا.

يقال إن “الغباء مثل الشر إذا نظرت إلى نتائجهما” فما بالك أن يُجمع بينهما، مقولة قد تنطبق على اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر وقواته، والمرجع المستجد في ذلك هجومه على العاصمة طرابلس.

أسير وادي الدوم كما يحلو للبعض تسميته أسره الغرور، ودفعته بهرجة الأموال الإماراتية والسعودية والدعم المصري الفرنسي إلى محاولة “زلزلة الأرض تحت أقدام الظالين” قبل أيام من مؤتمر وطني جامع تصدر الرجل مشهده كَرها.. فكان أن قتل نفسه حماقة.

جنون العظمة إذن زجت بأبناء الوطن الواحد في حرب ضروس ظن حفتر أن أياما قليلة ستكون كفيلة بحسمها فلم ينل منها سوى الصفعات..

هزائم عسكرية ونهاية لطموح سياسي بدا أمير الرجمة واثقا من نيله متى ولجه ببدلته العسكرية.

لم يتوقع حفتر أن يفشل في مهمة أوكلت إليه من دون غيره، وأن يخذل قوى إقليمية اختارته مرشحا للسلطة في ليبيا.

بأي حق؟ بأي منطق؟ من أنتم أصلا؟

لا يجيبون.

لا ينتظر الليبيون إجابة لإداركهم حجم المؤامرات التي تحاك لبلدهم وإصرار البعض على الدفع بالعسكر إلى السلطة لتأمين مصالحها المعادية للديمقراطية، ويكتفون في الأثناء بالرد الميداني لردع مؤامرات خارجية أسهمت أياد داخلية في حبكها وبادرت إلى تنفيذها.

لم يكن سقوط غريان صدفة، فالمدينة التي سلّمها خونة لحفتر كشفت السيطرة عليها حقيقة من يدعون أنهم جيش ليبيا..

فر “القادة” في مصفحاتهم تاركين وراءهم شبابا أجبروا على الاقتناع أنهم يحاربون من أجل وطن سلبه “إرهابيون” وآخرون زج بهم طوعا في الصفوف الأمامية بعد تعودهم على الارتزاق من طيش الرجل وجنونه.

هزيمة عسكرية مدوية بلغ صداها العالم بأسره واحتل عبرها حفتر مكانة في الصحافة الدولية – لا بوصفه رجل الشرق القوي فتلك أطلال واهية أصلا مازال الرجل يعيش في بوتقتهاوإنما بوصفه أمير حرب فاشل أوقفت عنجهيته مسار بلد بأكمله بغاية الوصول إلى السلطة وتوريثها لأبنائها.

نصر في غريان.. عويل في الرجمة وتخبط في أروقة قصور أبو ظبي تولدت عنه محاولات لتغطية ما وصف بالعار العسكري.

بدأ الوهم باختلاق قصة تصفية موالي حفتر ممن أسروا في غريان، كذبة صدقها البعض وعمد “مثقفو حفتر” إلى الترويج لها بعد أن أيقظت فيهم حس الإنسانية الذي غاب ويغيب مع نبش القبور وتصفية المعارضين في الشوارع ورمي الجثث المنكل بها في القمامات.

جرائم يدرك أتباع حفتر أن العتمة في مدن الشرق الليبي تخفي منها الكثير.

أعتقد مرشح أبوظبي وحاشيته أنهم سيكسبون من وراء ذلك نجاحين: توريط من يعدونه عدوا في جرائم ضد الإنسانية من ناحية وتبرير موت شباب رمي بهم في محرقة العاصمة تطويقا لغضب الأهالي.

تحول التعتيم بعد ذلك نحو تركيا وبات مواطنوها وسفنها وطائراتها جميعهم هدفا لقوات حفتر، قرارات الرجمة استهدفت أيضا محلات تجارية ومطاعم للأكلات العثمانية وسط مخاوف من حرمان أهالي الشرق من أكل “الشاورما”

أنقرة وبمجرد وصول خبر اعتقال مواطنيها ردت بلهجة مهددة، أربكت حسابات الرجل ودفعته للخضوع ما يربك من جديد حسابات القاهرة و أبوظبي، تهم تبدو منطقية للبلدين بمحاولة نقل صراعاتهم مع تركيا إلى الساحة الليبية.

يلهث بذلك ساستهما وراء التغطية على فشل حسم معركة طرابلس التي حاولوا إقناع الدول الكبرى بجدواها، معركة لا أجد لها شخصيا موقعا سوى ضمن أجندتهم التخريبية المحطمة لطموحات الشعوب في بناء أوطان ديمقراطية مدنية خالصة لا حكم فيها للعسكر.

يدرك محمد بن زايد وعبد الفتاح السيسي قدرات حفتر الإجرامية، ويعون جيدا أنه من الطغاة الذين لا يترددون في قطع الشجرة لحصد ثمارها وتفوقه في كبت الأصوات المعارضة وتفننه في إرهابها.

ويدركون أيضا وإن أنكروا أنهم اعتمدوا على حصان فاشل ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأن الدفع بطاغية إلى السلطة في ليبيا كذبة تتجاوز قدراتهم ووهم يخترق جدران قصورهم ليرتد عليهم.

يصر الليبيون على أن حربهم ضد حفتر لا ناقة لأهل الشرق فيها عدا من يسايرونه طمعا في حصة من غنائمها الواهية، ويؤكدون مضيهم نحو بناء دولتهم المدنية.

أما حفتر فلا حاجة بعد الآن لرفع بدلته العسكرية طمعا في منصب سياسي كان أو عسكري ولا حرجا إن كان مصدرها أو تصميمها تركيا إلا إذا ما كان عادلا وطبق على نفسه وأبنائه سياسة الحرمان من الشورما العثمانية.

***

إيناس بوسعيدي/ صحفية من تونس

__________