Minbar Libya

بقلم أسامة علي

عادت قضية الجثث الملقاة على قوارع طرقات بنغازي إلى الواجهة أخيراً، لا سيّما مع العثور على جثث جديدة وتسجيل عمليات اختفاء قسري إضافية في المدينة.

قبل عشرة أيام، في السابع عشر من يوليو/ تموز الجاري، عُثر على جثّة رجل الأعمال محمد كبلان ملقاة على مقربة من مقبرة الهواري في بنغازي، شرقي ليبيا، إلى جانب جثث أربعة ليبيين آخرين، فيما اختُطفت عضو مجلس النواب سهام سرقيوة من منزلها، وما زال مصيرها مجهولاً حتى الساعة. ثمّة تكهّنات تعيد اختطافها إلى تصريحات منددة بحرب اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس.

تسلّم فرع الهلال الأحمر في بنغازي جثث الليبيين الخمسة ونشر أسماءهم (مسعود الترهوني وطارق فرج القطعاني وأسامة فرج القطعاني وعبد القادر علي العوامي، بالإضافة إلى محمد كبلان)، فيما أشار ناشطون ليبيون إلى أنّ هؤلاء جميعاً مدنيون وقد عبّر بعضهم عن مواقفهم الرافضة لسياسة حفتر على صفحاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد واكبت وسائل الإعلام المحلية عملية العثور على الجثث الخمس، فيما نقلت قناة ليبيا الأحرارالتلفزيونية عن منظمة ضحايا لحقوق الإنسانأنّ الأشخاص الذين تمّت تصفيتهم كانوا قد اعتقلوا أخيراً من قبل كتيبة طارق بن زياد التابعة لحفتر، من دون توجيه أيّ تهم إليهم.

ومشاهد الجثث الملقاة على الطرقات لا تُعَدّ ظاهرة غريبة، بحسب ما يقوله عادل يوسف (اسم مستعار)، الذي يقرّ بأنّه رأى بأمّ عينه مشاهد مماثلة في خلال حرب حفتر في بنغازي على مدى ثلاثة أعوام“.

يضيف يوسف لـالعربي الجديد، أنّ الوضع الأمني أشدّ قساوة ممّا كان في أيام القذافي. اليوم، لا نستطيع نطق اسم حفتر من دون أن يكون مقروناً بلقب المشير، فالخلايا الاستخباراتية الخاصة بأمنه في كل مكان“.

ويشير إلى أنّ بال الناس يهدأ كلّما عُثر على جثة أحد المختطَفين، لا سيّما أنّ مئات الأُسر ما زالت تعيش على أمل عودة ابن أو أب مخطوف ومصيره مجهول“.

يُذكر أنّه في خلال عمليات حفتر العسكرية التي استهدفت معارضيه في بنغازي والتي انتهت في يناير/ كانون الثاني الماضي، كان الإرهابهو التهمة الجاهزة لتبرير وجود الجثث في مكبات النفايات.

لكنّ تلك الحجّة لم تعد صالحة بمرور الوقت، لا سيّما مع سيطرة قوات حفتر كلياً على بنغازي.

وكانت منظمة ضحايا لحقوق الإنسانقد تحدثت في تقرير لها أصدرته في مارس/ آذار من عام 2016، عن كارثة تكدس الجثث المجهولة بمركز بنغازي الطبي، مضيفة أنّ تلك الكارثة تعود إلى الواجهةفي إشارة إلى أنّها ليست الأولى.

وتابعت المنظمة في تقريرها نفسه أنّ ثمّة مشكلة بقسم المشرحة بمركز بنغازي الطبي بسبب وجود 58 جثة مجهولة الهوية، فضلاً عن المقابر الجماعية التي تلقت جهات عدّة بلاغات عنها في المناطق التي سيطر عليها الجيش الليبي (قوات حفتر) بعد العمليات العسكرية خلال الأيام الماضية بمدينة بنغازي“. ولفتت المنظمة كذلك إلى انتشار الروائح الكريهة نتيجة تحلل الجثث بسبب تعطل الثلاجات عن العمل، مؤكدة عدم توفّر تصريح بأخذ العينات منها ولا تصريح بالدفن“.

منذ ذلك الحين، راحت منظمات تُعنى بحقوق الإنسان تطالب بكشف الحقيقة حول هوية من يقف وراء جثث بنغازي.

وقد سألت منظمة التضامن لحقوق الإنسانفي بيان لها أصدرته في نهاية مايو/ أيار الماضي، عن موقف الأمم المتحدة من عدم ظهور نتائج التحقيقات حول مقتل العشرات في مدينة بنغازي والعثور على جثثهم في مكبات النفايات، مشيرة إلى 14 ضحية في منطقة الليثي و10 في منطقة شبنة و36 في منطقة الأبيار، إلى جانب إعدامات جماعية طاولت 20 ضحية في منطقة قنفوده، و10 من دون محاكمات أمام مسجد بيعة الرضوان.

وأوضحت المنظمة أنّ سلطات بنغازي تحدثت عن تحقيق ولجان للمتابعة، غير أنّ أيّ إجراءات قانونية أو قضائية لم تتخذ في السياق.

ويبدو السؤال الذي طرحته المنظمة حول موقف الأمم المتحدة وجيهاً، إذ إنّ تقارير خبراء الأمم المتحدة الدورية أقرّت بالعثور على عشرات الجثث ملقاة في مناطق سيطرة قوات حفتر في بنغازي.

ففي تقرير أصدره الخبراء في يناير/ كانون الثاني من عام 2017، أكدوا العثور على 24 جثة، 14 منها في يونيو/ حزيران من عام 2016 و10 منها في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، تظهر عليها آثار تعذيب وطلقات نارية.

أضاف هؤلاء إلى أنّ أصحاب الجثث كانوا مفقودين في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي، في إشارة إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات حفتر.

وفي فبراير/ شباط من عام 2018، أكد خبراء الأمم المتحدة في تقرير آخر أنّ في 24 يناير/ كانون الثاني من العام نفسه عُثر على جثتَي رجلَين مصابتَين بطلقات نارية في أحد مكبات القمامة في بنغازي معصوبَي الأعين وكانت يدا كل منهما مقيّدتَين خلف ظهريهما“.

وبعد يومَين، في 26 يناير، عُثر على خمس جثث في منطقة الليثي في بنغازي مع آثار طلقات نارية، بعضها في الرأس، وقد لفت الخبراء إلى العثور على أوراق تحمل عناوين هؤلاء الرجال وأسماءهم بالقرب من جثثهم، مع الزعم أنّهم ارتكبوا جرائم ضد الجيش والشرطة، في تهديد مباشر بمزيد من عمليات التصفية.

في السياق، يفيد مصدر أمني وثيق الصلة بمديرية أمن بنغازي، العربي الجديد، بأنّه استقال بعد تزايد الإثباتات على تورّط مليشيا السريّة الأولىالتابعة إلى الصاعقة في عمليات قذرة“.

يضيف أنّ هذه المليشيا عملت تحت مسميات عدّة تغيّرت بقرارات من حفتر شخصياً، كاشفاً أنّ ثمّة مراكز تصفية وتعذيب معروفة من قبيل سجن قرنادة، شرقي بنغازي“.

_______________