Minbar Libya

بقلم جلال خشيب

هذه الورقة تعتمد على الدور المحوري لعامل الجغرافيا كمتغيّر تفسيري مستقل في تحليل الجذور العميقة لهذه الثورات أو الانتفاضات الشعبية.

الجزء الأول

بعد مرور قُرابة التسع سنوات من حادثة البوعزيزي، لا تزال “منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” تعيش غلياناً شعبياً متفاوتاً يخمد هنا ليشتعل هناك،

إذ لم تنته إلى الآن آثار الشرارة التّي أطلقتها “الثورة التونسية” وعمّت كافة المنطقة، وبالرغم من الحجم الجغرافي الصغير لتونس وإمكانياتها البشرية والمادية المحدودة جدّاً مقارنةً بجيرانها.

إلاّ أنّ ما حدث بها سنة 2011 تسبّب حقّاً فيما اصطلح على تسميته في الأدبيات السياسية والأكاديمية “بمفعول الفراشة” أو “مفعول كرة الثلج”، مُؤثّرةً على التفاعلات السوسيواقتصادية والاستراتيجية لمساحةٍ جغرافيةٍ واسعة النطاق من العالم، بل وامتدّ أثر “كرة الثلج هذه” ليُعيد تشكيل العلاقات –أو يُكرّسهابين قوى دوليةٍ وإقليميةٍ فاعلةٍ على غرار ما صار بادياً للعيان في سوريا.

وإذا كان هناك إجماعٌ بين الباحثين حول طبيعة الأثر الذّي أحدثته الثورة التونسية في هذا الصدد، فإنّ هناك اختلافات واسعة تصل حدّ التضارببخصوص الأسباب المركزية أو لنقل الجذور العميقة التّي فجرّت هذه الثورة، ووقفت وراء انتشار آثارها في كافة المنطقة بطرقٍ متفاوتة.

تحاول هذه الورقة الاستعانة بما يُقدّمه عِلم الجيوبوليتيك من طروحاتٍ كانت غائبةً كثيراً عن التحليلات العربية المُقدّمة لهذا الحدث الكبير، والتّي اهتمّت غالباً بربط هذه “الثورات” بمجموعة من الأسباب السوسيواقتصادية المرتبطة بالحالة المتدهورة للمواطن التونسي والعربي عموماً أو بتلك العوامل السياسية المحضة المتعلّقة بانسداد آفاق الديمقراطية في المنطقة.

أمّا هذه الورقة فتعتمد على الدور المحوري لعامل الجغرافيا كمتغيّر تفسيري مستقل في تحليل الجذور العميقة لهذه الثورات أو الانتفاضات الشعبية، متسائلةً عن سبب انطلاق هذه الثورات من تونس تحديداً، ثمّ لماذا أخذت الثورة منحى مسلّح عنيف في دولٍ كليبيا وسوريا بينما تجنّبت الانزلاق إلى الفوضى في دول أخرى على غرار تونس، مصر والجزائر؟

تُحاجج هذه الورقة بأنّ علم الجيوبولتيك قادرٌ على تقديم “إجاباتٍ جغرافيةً” عن ذلك، وسوف تحاول قبل ذلك تقديم مُلخّصٍ عام عن تطوّر هذا العلم وكيف ظلّت الجغرافيا عاملاً محورياً في تفسيراته المقدّمة بالرغم من كلّ التحوّلات التّي عرفتها الساحة العلمية والعملية منذ ظهوره إلى الآن.

أولا: تحدّي البقاء: ملخّص عام عن تطوّر علم الجيوبوليتيك

سوف تبدو أيُّ محاولةٍ ترتكز على عامل الجغرافيا لتفسير حدثٍ راهنٍ محاولةً عقيمةً تتجاهل الخصائص الجديدة لهذا العصر، خاصّة تلك المتعلّقة بدور العولمة والتكنولوجيا في تقليص أو إنهاء فاعلية المكان/الجغرافيا أثناء التحليل، إلى الحدّ الذّي جادل فيه باحثون كثر منذ نهاية الحرب الباردة “بموت الجغرافيا وانتهاء عصر الجيوبولتيك”.

طبعاً، فإنّ نقاشاً جدلياً كهذا سوف يُفهم بشكلٍ أفضل إذا ما وُضع في سياقه النظري والإبيستيمولوجي الكبير، فالمحاججون باستمرار تأثير عامل الجغرافيا في السياسة الدولية منتمون في الغالب إلى المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية وإلى المنظور الوضعي الذّي تندرج ضمنه هذه المدرسة والمرتكز (في إحدى أعمدته) على أهمية العوامل المادية في التحليل.

كما يُعدُّ التاريخ في نظر هذه المدرسة مختَبراً أساسياً لتفسير معطيات الحاضر والتنبؤ بالمستقبل أيضاً، في حين ينتمي المجادلون بموت الجيوبولتيك وانتهاء أثر عامل الجغرافيا في العلاقات الدولية إلى المدرسة الليبرالية التّي تُولي أهميةً قصوى لأثر الارتباطات الاقتصادية والتكنولوجية التّي أنتجتها العولمة على العلاقات بين الأمم،

في حين تنظر تيّاراتٌ نظريةٌ أخرى قادمةٌ من منظورٍ غير وضعي إلى المسألة بطريقةٍ أخرى، مراجعةً أسس هذا العلم أصلاً ودلالات مصطلحاته المركزية على غرار مصطلح الجغرافيا/ المكان نفسه، مُضيفةً أبعاداً لا ماديةً في تعاطيها مع الموضوع.

اعتُبرت الجيوبولتيك عند بداية ظهورها ذلك العلم الذّي: “يهتّم بالدولة باعتبارها كياناً جغرافياً وظاهرةً في حيّزٍ فضائيٍ ما”، على حدّ تعبير رودولف تشيلين.

لقد نظرت الجيوبوليتيك دوماً إلى الإقليم الأرضي كونه محدّداً لتطوّر الدول، فهي العلم الذّي ربط بين الجغرافيا كمعطى مادي وبين الدولة ككيانٍ سياسيٍ عضوي.

فقد نظر الجيوبولتيكون الأوائل إلى الدولة باعتبارها كائناً عضوياً متطوّراً، على غرار الإنسان الكائن الحيّ الذّي ينمو فتضيق عليه ملابسه فيضطر إلى توسعتها، كذلك الدولة فهي تحتاج في نظرهم إلى ضمّ أقاليمٍ إليها حتّى تنمو وتتطوّر.

لقد ساد هذا الطرح في البداية بين الألمان منذ مطلع القرن التاسع عشر منشئاً بذلك أولى مدارس هذا الحقل، أي المدرسة الألمانية العضوية، التّي استلهمت هذا الطرح من الثورة التّي كان يقودها الألماني تشارلز داروين آنذاك في حقل البيولوجيا، فأدّى ذلك إلى ظهور البيوبوليتيك والجيوبولتيك.

أهّم خاصيّة تميّزت بها المدرسة الألمانية في الجيوبولتيك أيضاً هي ارتكازها على مبدأ الحتمية الجغرافية، فالجغرافيا معطى مادي لا يُناقش أبداً بل يتّم التكيّف معه ومسايرته، فهي العامل الذّي يقف وراء طبيعة سلوكيات الدول وتوجّهاتها الخارجية، إنّه العامل الذّي يُحدّد طبائع ومصائر الشعوب والأمم أيضاً.

لقد كانت ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية مناسبةً جدّاً لينمو هذا العلم ويتطوّر، إذ برزت نظرياتٌ عديدةٌ بين الألمان خصوصاً فاشتهرت أسماءٌ على غرار فريديريك راتزل، كارل هاوسهوفر، كارل شميدت وغيرهم،

كما أبدع العلماء في صياغة نظرياتٍ ومصطلحاتٍ عديدةٍ عزّزت من حضور هذا العلم وتأثيره على صنّاع القرار آنذاك على غرار نظريات قلب العالم، حافة الأرض، منطقة المصير، بؤرة التوتر، المجال الحيوي، المجال الكبير، القوة البرية، القوة البحرية، القوة الجوية، وغيرها.

بعد الحرب العالمية الثانية وانهزام النازية والفاشيات الأوروبية صارت كلمة جيوبوليتيك كلمةً منبوذةً، فلطالما ارتبطت بمفاهيم التوسّع والاحتلال حتّى أنّها أُلغيَت من جامعاتٍ كثيرة، وصار يُنظر إليها بمثابة “الطفل غير المرغوب به” للعلوم السياسية والجغرافيا،

إذ ينتقد الجغرافيون الجيوبوليتيك لارتباطها الشديد بالسياسة، الحرب والتوسّع، في المقابل، يلوم الباحثون السياسيون الجيوبوليتيك لتركيزها أكثر من اللازم على الجغرافيا. لقد ألقى الجميع باللائمة على الجيوبوليتيك “لإطلاقها العنان للجحيم”، من خلال منحها العنف أُسساً إيديولوجية.

وبالرغم من أنّ مرحلة الحرب الباردة قد عرفت تماهياً تاماً لقوانين الجيوبولتيك التقليدية على غرار تجسيدها المطلق لثنائية صراع قوى البر (الإتحاد السوفياتي) وقوى البحر (الغرب الأطلسي)، إلاّ أنّ ما حملته هذه المرحلة من تطوّرٍ هائلٍ في التكنولوجيا الحربية الإستراتيجية كظهور الصواريخ العابرة للقارات، الأقمار الصناعية المُستخدَمة لأغراضٍ عسكرية (حرب النجوم) قد تسبّب بالفعل في مراجعة الكثير من منطلقات هذا العلم وأهميّة عامل الجغرافيا المادي أثناء التحليل، فقد بدا بأنّ الطائرات النفاثة والصواريخ العابرة للقارات قيد ميّعت الأرض وأفقدت الجغرافيا أهميتها القديمة سواء في التحليل أو في تصميم الإستراتيجيات الكبرى والخطط التكتيكية للدول أثناء الصراعات والحروب.

مع ذلك، فقد حاول هذا العلم (الجيوبولتيك والجيوستراتيجيا) التكيّف مع المعطيات الجديدة، وبرزت نظرياتٌ جديدةٌ تُولي أهميّةً للفضاء الخارجي ولقوى الجو على غرار نظرية منطقة المصير لألكسندر دي سفريسكي.

لكن رغم ذلك بدا الأمر وكأنّه محاولةٌ من علماء الجيوبولتيك/الجيوستراتيجيا لإيقاف عجلة التطوّر الذّي عرفه العالم آنذاك.

شهدت فترة السبعينات من القرن العشرين وما بعدها ثورةً معرفيةً مع انتشار النظريات ما بعد البنيوية والبنائية، ومصطلحات التفكيك عند جاك ديريدا والأركيولوجيا المعرفية عند ميشال فوكو (الـ ما بعد وضعيين)،

أبرزت هذه النظريات الجديدة دور العوامل اللامادية كاللغة والخطاب، الأفكار والتصوّرات في السياسة الخارجية، كما حاججت بأهميّة البنى التاريخية والاجتماعية في تحليل العلاقات الدولية بدلاً من الارتكاز على العوامل المادية في التحليل على غرار الجغرافيا أو النتائج الحتمية للطبيعة البشرية أو سمة الفوضى الدولية التّي روّج لها الوضعيون باعتبارها معطى حتمي.

كما ظهر مصطلح المنظور مع توماس كون الذّي أحدث نقلةً نوعيةً في طبيعة النقاشات النظرية داخل حقل العلاقات الدولية عموماً آنذاك، وكلّها تحوّلاتٌ كان لها تأثيرٌ قويّ على حقل الجيوبولتيك الذّي صار يعرف بدوره مراجعةً لأُسسه الإبستيمية،

حتّى سطع نجم الجيوبوليك النقدية أو جيوبوليتيك ما بعد الحداثة كما تُسمّى أيضاً باعتبارها البديل الأنسب للجيوبولتيك التقليدية التّي غدت مرتكزةً على أسسٍ هشّة غير قادرة على المحاججة في عصر التكنولوجيا والعولمة كما يدّعي هؤلاء.

لا ننس بأنّ تحوّلاتٍ معرفيةٍ كهذه كانت قد تزامنت مع المجهودات المعرفية التجديدية للمدرسة الفرنسية في الجيوبولتيك، فمنذ سبعينات القرن المنصرم بدأ الفرنسي إيف لاكوست (Yves Lacoste) في نشر مجلة “هيرودوت”، والتّي صار من خلالها المؤلّفون يكتبون عن الجيوبوليتيك بشكلٍ جديد،

فقد تحدّت المدرسة الفرنسية منذ زمن فيدال دي لابلانش عدوانية الألمان وارتكازهم على مبدأ الحتمية الجغرافية في التحليل، بل وحاولت كسر هذه الحتمية من خلال تركيزها على الإنسان صانع القرار باعتباره الفاعل الأهم على المسرح الدولي القادر على تفعيل هذه الأرض أو تعطيل قدراتها عبر مبادراته السياسية.

مع سقوط الإتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة بتلك الطريقة غير المتوقعة من طرف نظريات الباراديغم الوضعي المادي، تنامت أهميّة التيارات النظرية الجديدة المرتكزة على عوامل غير ماديةٍ من جهة، كما فرضت نتائج العولمة معطياتٍ مغايرةٍ من جهةٍ أخرى.

هكذا وجدت الجيوبولتيك نفسها محاصرةً من جميع الجهات، ومُطَالبةً إمّا بالإخفاء (طروحات موت الجغرافيا) وإمّا بتجديد ذاتها (الجيوبولتيك النقدية) وفقاً للمعطيات الإبستيمية والإمبريقية الجديدة على حدٍّ سواء.

لكن، وبالرغم من كلّ هذه التحوّلات، إلاّ أنّ علماء الجيوبولتيك الجدد ظلّوا مُصرّين على المحاججة بأهميّة عامل الجغرافيا أثناء التعاطي مع التفاعلات العالمية الراهنة، بل وإنّ محاولاتٍ جدّيةٍ لأجل إحياء الجيوبولتيك التقليدية القديمة ظلّت تتعاقب منذ نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين،

فقد عرفت الجيوبولتيك الكلاسيكية مرّةً أخرى انتعاشا مع ظهور نظرياتٍ جديدةٍ ذات صيتٍ وتأثيرٍ قويّ داخل الأروقة السياسية لدولٍ كبرى “كالماكيندرية الجديدة” مع الأمريكي زبنغنيو بريجانسكي في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” أو “الأوراسية الجديدة” مع الروسي ألكسندر دوغين في كتابه “أسس الجيوبوتليك: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي” أو مُؤخرّاً مع الأمريكي روبرت كابلان في جلّ كتبه سيما كتابه الأشهر “إنتقام الجغرافيا”.

بالاضافة إلى إسهاماتٍ عديدةٍ من منظرّين معاصرين محسوبين على تيّار الواقعية الكلاسيكية الجديدة على غرار جون ميرشايمر الذّي يحتل عامل الجغرافيا أهميّةً معتبرةً في كتاباته.

لقد حاجج هؤلاء جميعاً بأنّ الجغرافيا ظلّت مهمّةً، صحيحٌ فلربّما جعلت عوامل التكنولوجيا والاتصالات الجغرافيا أكثر خنقاً إلاّ أنّها لم تقتلها أو تُبطل مفعولها أبداً.

بل تسبّبت في زيادة تأثير كلّ منطقةٍ على أخرى بشكلٍ غير مسبوق، لقد صارت كلّ المناطق في نظرهم الآن مهمّةً خلافاً للماضي، فكلّ بلدٍ يمكن أن يكون اليوم بلداً مركزياً ومؤثّراً: “لقد تعوّدنا في الماضي على القول بأنّ أفريقيا غير مهمّة، أمريكا اللاتينية غير مهمّة، لكن الآن كلّ الأقاليم مهمّة بغضّ النظر عن موقعها أو حجمها، ولأجل تحصيل مستوى فهمٍ عميقٍ لما يحدث في الأرض عموماً، أو في بلد ما على وجه التحديد فعلينا أن ندرس هذه الأرض بتفاصيلها، أن ندرس تاريخها المتأصّل أساساً في جغرافيتها”، على حدّ تعبير روبرت كابلان في إحدى محاضراته. باختصار، فقد ظلّت الجغرافيا بمثابة القانون الأكثر ثباتاً في التفسير والتأثير رغم كلّ التحوّلات التّي عرفها العلم والعالم.

يتبع في الجزء الثاني

***

جلال خشيب ـ كاتب وباحث جزائري بمعهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بجامعة مرمرة، إسطنبول/تركيا.

__________